بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المعرفة العلمية .. بين الإسلام والعلمانية

2007-12-12 9690 قراءة مختلفات د.الهادي الدرقاش
المعرفة العلمية .. بين الإسلام والعلمانية
‏"... إن الإسلام وثورته العلمية بحثاً ومنهجاً ما هو إلا طريقة جادة لتركيز حضارة سليمة تسعى على رجلين سليمتين ‏إحداهما عقل تجريبي يلاحظ ويمحص والأخرى وحي يهدي سواء السبيل عندما يتلبد أفق الحياة بالسحب الدهماء.... " ‏

يقول المثل السائر (رب صدفة خير من ألف ميعاد) وبسبب الصدفة كان هذا المقال: لقد التقيت بصاحبي هذا في إحدى ‏مقاهي الضواحي الشمالية تقول عنه بطاقة تعريفه التعليمية إن له شهادات جامعية نال بعضها بالشرق وبعضها الآخر ‏بالغرب. ‏

لقد طرقنا في حديثنا قضايا كثيرة اجتماعية ودينية، واختلفنا. وكان اختلافنا منطقياً إلا أن الذي لفت نظري هو أنني كلما ‏اعتمدت في الاستدلال بنصوص دينية في قضايا غيبية يرفع صاحبي عقيرته محتجاً قائلاً: "ليس هناك مكان في هذا الحديث ‏لهذه الأدلة بل أريد أدلة علمية وعقلية بعيدة عن قال الله - تعالى -أو قال الرسول محمد (- صلى الله عليه وسلم -). فأقول له: ‏إئت لي أنت بما تراه صالحاً من الأدلة العلمية فيقول: ليس هناك دليل.. ! فأقول له: إذن نحن بين أمرين إما أن نقول ‏بالتعطيل لعدم وجود أدلة أو نؤمن بما لدينا من أدلة أثرية ونصية. فيجيبني: إني أرفضها على أساس العلمانية الرافضة". ‏

فما هي المعرفة العلمانية؟ وهل إنها تختلف في منهجيتنا أساساً مع منهجية القرآن؟ ‏


مفهوم لفظة العلم: ‏

لقد عُرف العلم من طرف كثير من الباحثين والعلماء فقال بعضهم: "هو دراسة تتعلق بمجموعة من الوقائع الملاحظة التي ‏ترتب ثم تجمع بعضها مع بعض على نظام مخصوص ليستخرج منها قوانين عامة على أن يقوم ذلك كله على أساليب ‏موثوقة تمكن الدارس من اكتشاف حقائق جديدة في الناحية التي يوليها اهتمامه". ‏
وإذا كان هذا هو تعريف العلم فما هي منهجيته؟ وهل لها اتصال بمنهجية القرآن؟ ‏


منهجية البحث في القرآن والعلم: ‏

يكفي دليلاً على عناية الإسلام بالعلم مادة ومنهجاً أن ورد ذكر العلم ومشتقاته في القرآن أكثر من 85 مرة وهو لعمري ‏تكريم للعلم لم يحظَ به في غير كتاب الله. ‏

لقد اختص القرآن بطريقة جد قويمة في طلب العلم، هي عينها الطريقة التي سلكتها منهجية البحث العلمي في عصرنا ‏الحاضر، فقد طلب القرآن من الإنسان أن ينعم النظر في نفسه وفيما حواليه ليدرك مكانه في الدائرة الكونية الكبرى، وبذلك ‏يتعرف على ارتباطاته بها سالكاً في ذلك بادئ ذي بدء حواسه، مصداق ذلك قوله - تعالى-: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن ‏السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً} (الإسراء/ 36). ‏

وبذلك نرى أن الإسلام يرفض العلم الذي لا يكون وليد التجربة والاختبار والبرهان أو قل العلم التجريبي الذي يخضع ‏أساساً إلى التجربة الحسية المخبرية تاركاً الحدس والتخمين جانباً وذلك لأن كل نظرية ارتكزت على الحدس والتخمين هي ‏ليست نظرية علمية بل هي فرضية يندر أن تكون صحيحة ثابتة، ولهذا نجد القرآن يأمر الإنسان بتركيز انتباهه وبملاحظة ‏كل شيء بدايةً من طعامه: {فلينظر الإنسان إلى طعامه}، بل وعليه أن ينظر في أصل خلقته (فلينظر الإنسان ممَّ خلق) ‏وعليه أن يدرس التاريخ ليرى ما حصل للأمم السابقة: {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين قبلهم؟ كانوا ‏أشد منهم قوة}، وعلى الإنسان أن يدقق الملاحظة فيما حواليه من العوالم المشاهدة والكواكب: {ألم ينظروا إلى ملكوت ‏السماوات والأرض}. ‏



ومن أجل الترغيب في البحث العلمي الدقيق نهى القرآن أفراد الأمة الإسلامية أن يكونوا مثل السابقين وهم الذين أعرضوا ‏عن البحث: {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون}، وذلك لأن عدم البحث يورث البلاهة ويقضي على الخلق ‏والإبداع من أجل بناء حضار تسبح باسم الله وتحمده على نعمة العقل والفكر، وبذلك يكون الإنسان في القرآن مسؤولاً عن ‏البحث والتمحيص والاستقراء والاختبار حتى يكون أرقى درجة من الأنعام. ‏

إن استغلال الفرد لقدراته العقلية الفذة ستصل به حتماً إلى قمة الانتصار العلمي وسيتبوأ بمفعول هذه الانتصارات مركز ‏المسؤولية كسيد للعالمين وخليفةً لله على الأرض. ولهذا نجد القرآن يولي عناية خاصة للعقل نظراً لأنه قائد المسيرة ‏الحضارية للإنسان فقد ذكره أكثر من خمسين مرة وبقدر ما مدح ذوي العقول شنع بمعطلي العقول حتى أنه وصفهم ‏بالدواب. قال - تعالى -: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون}، وبذلك نرى أن المنهج القرآني هو نفسه ‏المنهج العلمي إذ اعتمد القرآن أساساً على منهج يرتكز على الجدلية المبرهنة للوصول إلى النتائج الصحيحة القائمة على ‏الاستقراء والمقارنة والموازنة والتمحيص استناداً إلى المعطيات الخارجية المتفق عليها. ‏



العلمانية.. إفراز لحضارة آفلة: ‏

العلمانية في قاموس المصطلحات العلمية هي نزعة نسبت إلى العلم مجازاً على أساس أنها تقول إن طريق المعرفة الوحيد ‏هو التجربة والحس، وكل معرفة يكون ليس هذا طريقها فهي ليست بمعرفة. ‏

هذا الكلام قلنا يمثل ظاهر الأحبولة. وإذا سلّمنا بالتسمية جدلاً نقول لهم: قولوا لنا من يرفض المنطق العلمي ومن يكذب ‏منهجيته، اللهم إلا إذا كان به لوثة وقد علمنا فيما سبق أن القرآن الكريم قال بالمنهجية القائمة على الأدلة والبراهين انطلاقاً ‏من الممارسة الفعلية للأشياء وملاحظة خصائصها واستكناه قوانينها، وعند هذا الحد يأتي داخلها الذي به العذاب وذلك ‏عندما يفرقون بين الدين والعلم بحيث يكون أحدهما نقيض الآخر، معنى ذلك أن الدين والعلم خطان متوازيان لا يلتقيان كما ‏يقول المهندسون لماذا؟ الأمر بسيط هو أن منهجهم العلمي يقوم أساساً على العقل مع رفضه التام لسائر المصادر الأخرى ‏للمعرفة. ‏


العلمانية مصطلح.. لا صلة له بالمنهجية العلمية: ‏

علينا أن نفرق بين العلمانية كمصطلح تبناه بعض الغربيين اللائكيين ومن دار في فلكهم من المتمسحين بعتبات حضارتهم. ‏والعلم بمفهومه الكلي القائم على أساس استغلال طاقات الإنسان والكون بما يفيد البشرية ويدعم الحضارة، في هذا المفهوم ‏للعلم هو الذي يقصده القرآن حتى نجده يستعمل لفظة العلم مراراً كمصطلح على الدين. ومن هنا يصبح العلم والدين سواء ‏في مفهوم لغة القرآن على أساس اتحادهما في المنهج قال - تعالى -: {ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من ‏الله من ولي ولا نصير} (البقرة/ 12)، ويقول أيضاً: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} (آل عمران/ ‏‏7)، وبذلك تلتمس أهداف العلمانيين من وراء مصطلحاتهم. ‏
ويكفي رداً على هؤلاء قول آنشتاين العالم الرياضي الشهير: (إن بصيرتنا الدينية هي المنبع وهي الموجه لبصيرتنا العلمية). ‏


مصادر المعرفة في الإسلام والعلمانية: ‏

لقد رأينا أن المعرفة العلمانية تخضع للمجال الحسي فكل ما تثبت صحته بعد تجربته فهو علم تجربة، لكن هناك معرفة لا ‏يمكن أن تخضع الآن للتجربة، وذلك ليس راجعاً لعدم وجودها بل راجع إلى العجز المعرفي. ‏

من ذلك أن كثيراً من الجراثيم كانت غير معروفة إلى فترة قريبة ثم تعرّف عليها الإنسان، فهل أن عدم معرفتها دليل على ‏عدم وجدها؟ الواقع لا؛ لأن للمعرفة طريقين: ما كان قابلاً للتجربة يكون تجريبياً. وما كان غير قابل للتجربة فطريقة إثباته ‏هو الوحي أو غيره. هذا المصدر الذي تنكره العلمانية على أساس إنكارها للدين جملة وتفصيلاً وبذلك نرى اعتماد العلمانية ‏في مسيرتها الحضارية على وسيلة واحدة هي العلم في ميدانه التجريبي. ‏

وحضارة هذه وسيلتها الوحيدة حضارة عرجاء تسير على ساقٍ واحدة ولابد للأعرج أن يسقط في يوم من الأيام. ‏

إن الإسلام وثورته العلمية بحثاً ومنهجاً ما هو إلا طريقة جادة لتركيز حضارة سليمة تسعى على رجلين سليمتين إحداهما ‏عقل تجريبي يلاحظ ويمحص والأخرى وحي يهدي سواء السبيل عندما يتلبد أفق الحياة بالسحب الدهماء. ‏

إن القول بأن الدين يكذب العلم وأن العلم يرفض الدين قول يبعث السخرية في أنفسنا على أنفسنا! فهل يعقل أن يخلق الله ‏الإنسان على أحسن صورة وأبدع تقويم وأدقه ويبعث له الرسل والأنبياء بمناهج تشذِّب استخدام العقل لتجسيم قدرات ‏الإنسان المعجزة التي يحركها هذا العقل من خلال الابتكارات التي يبتكرها الإنسان؟! فلو كان ذلك صحيحاً لكان الأولى أن ‏يخلق الله الإنسان بدون عقل وبدون قدرات وتعالت أعماله - عز وجل - عن العبث. ‏

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال