بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

مفاهيمنا ومصطلحاتنا... مفهوم الأمة والهوية

2007-11-07 10398 قراءة مختلفات محمد أسعد بيوض التميمي
مفاهيمنا ومصطلحاتنا... مفهوم الأمة والهوية
‏{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ‏الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (هود:118،119).‏

إن مفهوم (الأمة والهوية)، وأنا هنا أتحدث عن أمة الإسلام، من أكثر المفاهيم التي تعرضت من قِبل أعداء الأمة إلى ‏الاستهداف والتشويه والتخريب والتدمير بالغزو الفكري والثقافي، الذي تتعرض له الأمة منذ قرنين من الزمن. إن تخريب ‏‏(مفهوم الأمة) يعني تمزيق هويتها لتصبح أمة سائبة هُلامية ليس لها كيان ولا معالم ولا ذاكرة تاريخية ولا جماعية؛ مما ‏يؤدي إلى اختلاط الحابل بالنابل والعدو بالصديق؛ فتفقد ذاتها ومقومات البقاء في التاريخ وعوامل النهوض من جديد؛ ‏فتتفرق بها السبل ولا تعرف من هي؛ فلا تهتدي للنجاة سبيلاً، وبالتالي تصبح في حالة ضياع. وهذا ما حصل بالفعل، ‏ونتيجة لهذا التخريب الذي تعرض له (مفهوم الأمة وهويتها) أصبحنا لا ندري من نحن. هل نحن ننتمي إلى أمة واحدة أم ‏أمتين أم أمم شتى؟؟ وهل نحن أمة عربية أم أمة إسلامية..... ؟؟ وهل نحن قوميون أم إسلاميون..... ؟؟ وهل نحن ‏اشتراكيون أم رأسماليون أم ليبراليون ؟؟ وهل نحن مسلمون أم علمانيون..... ؟؟ أم هل نحن خليط من كل هؤلاء..... ؟؟ أم ‏نحن أمة طارئة على الوجود من صناعة الاستعمار الكافر في مطلع القرن العشرين بعد الحرب العالمية الأولى، أم من ‏صناعة القرآن ـ المُنزّل من عند رب العالمين على محمد، صلى الله عليه وسلم، قبل أربعة عشر قرنًا ؟؟

‏ فحتى نعرف من نحن؟, وما هي أمتنا؟, ومن صنعها؟, ومن هو منها؟, ومن ليس منها؟؛ علينا أن نستعيد هويتنا التي ‏ضيعناها فتاهت بنا السبل، والتي تحتوي على ذاكرتنا التاريخية والجماعية، والتي تُعرف بنا وبذاتنا.‏

‏ فأمتنا تُعرف بهويتها التي تتكون من المقومات والمكونات والعوامل والحقائق التالية:‏


أولاً: وحدة العقيدة:‏

‏ إن أول عامل في نشوء الأمم وتكوين هويتها هو وحدة العقيدة؛ فكل مجموعة من الناس مهما بلغ عددها وتحمل عقيدة ‏واحدة وتعتقد بها فإنها (تُعتبر أمة واحدة), ولو كانت هذه المجموعة تنتمي لعدة أجناس مختلفة أو شعوب وقوميات متعددة ‏ويعيشون في أمصار مختلفة, وبناء على ذلك يُمكن أن يُختصر (مفهوم الأمة) بشخص واحد يؤمن وحده بعقيدة لا يؤمن بها ‏غيره، وأكبر دليل على ذلك (إبراهيم عليه السلام)؛ فالله سبحانه وتعالى وصفه بأنه أمة وحده؛ لأن أحدًا من قومه لم يؤمن ‏بما يدعو إليه {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (النحل:120).‏

‏ إذن لا بد للأمة من عقيدة توحّدها, والعقيدة التي تجمع (أمة الإسلام) هي (عقيدة التوحيد)؛ فكل من ينطق بالشهادتين (أشهد ‏أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسول الله) عن قناعة، وبجميع أركان هذه العقيدة، دون زيادة أو نقصان ودون ‏إكراه أو شرك بولي أو صاحب قبر فهو من أمتنا. و(((كل من يُضيف على الشهادتين شهادة ثالثة؛ كأن يقول وأشهد أن عليًا ‏ولي الله، وأن دخول الإسلام لا يتم إلا بالشهادة الثالثة، ويزيد أركان جديدة على أركان الإيمان والإسلام التي فرضها الله ‏سبحانه وتعالى؛ كالإيمان بعصمة الأئمة, وأن المعصومين يقومون بأفعال لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى, والإيمان ‏بصاحب الزمان الذي اخترعه اليهود من شيعة عبد الله بن سبأ، أو يُقدس القبور)))؛ فهو ليس من ديننا وليس من أمة محمد ‏صلى الله عليه وسلم.‏

‏ وكل (((من يعتقد بأن هناك مدن مقدسة في الإسلام غير مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس المباركة، أو أن الوحي ‏استمر بالنزول بعد وفاة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو أن الإسلام لم يكتمل بعهده، صلى الله عليه وسلم))) فهو لا يحمل ‏عقيدتنا، و ليس من أمتنا (أمة التوحيد)، ولا يحمل هويتها.‏


ثانيًا: وحدة الأمة:

‏{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (المؤمنون:52) إن وحدة العقيدة تجعل من جميع اتباعها (أمة واحدة)؛ ‏فالمسلمون أصحاب العقيدة الواحدة (أمة واحدة) يسعى بذمتهم أدناهم مهما كانت جنسيتهم، ومهما كان لونهم, ومهما كانت ‏لغتهم، وأينما وُجدوا جغرافيًا؛ حتى ولو في القطب الشمالي والجنوبي وأدغال إفريقيا, فـ(وحدة الأمة) هي الناتج الطبيعي ‏والحتمي لوحدة العقيدة؛ فمن المستحيل بل من الغباء أن ينتمي الإنسان إلى أمتين في آن واحد, فكيف لإنسان أن ينتمي إلى ‏عقيدتين مختلفتين لأمتين مختلفتين بل ومتناقضتين في آن واحد. فهل مثلاً ممكن أن يكون الإنسان مؤمنًا وكافرًا في نفس ‏اللحظة؟ وهذا ما يقع فيه ـ وللأسف الشديد ـ كثير من الدعاة والعلماء، ومن الذين يُسمون بـ(المفكرين الإسلاميين)، وبعض ‏الأحزاب والحركات الإسلامية، والتي تحوّل بعضها إلى طوائف وفرق وأمم شتى؛ فيقولون (أمتانا العربية والإسلامية), أو ‏يستخدمون مصطلح (الأمتين العربية والاسلامية)، أو (أمتنا العربية) بدلاً من مفهوم ومصطلح (الأمة الإسلامية، أو أمتنا ‏الإسلامية)؛ وهم بذلك يقعون بالفخ الذي صنعه المستعمر الكافر من أجل تمزيق (الأمة الإسلامية)؛ فهو الذي شطر الأمة ‏إلى شطرين (قومي وإسلامي).‏

‏ فالقومية هي صناعة صليبية أنجلو فرنسية, فبالقومية تم هدم دولة الإسلام العثمانية فصارت (((القومية العربية والأمة ‏العربية، والقومية الطورانية، والأمة التركية))) بديل الإسلام و(أمة الإسلام)؛ فهذا تبديل لكلام الله سبحانه وتعالى, وهذا ما ‏يُفسر بأن دعاة (القومية العربية والتركية) في عهد (الدولة العثمانية) كان معظمهم من غير المسلمين, فدعاة (القومية ‏العربية) كان معظمهم من الموارنة اللبنانيين تحديدًا, وقد تبيّن فيما بعد أنهم من أشد الناس عداوة للعروبة والإسلام, وأن ‏دعوتهم للقومية كانت مرحلية من أجل القضاء على دولة الإسلام, فبعد أن تحقق هدفهم بتمزيق المسلمين وهدم دولة الإسلام ‏تنكروا للعروبة؛ حتى صاروا يُطالبون بتغيير الأحرف العربية واستبدالها بأحرف لاتينية، وأشهر هؤلاء الشيطان الصليبي ‏السكير صاحب الحقد الأسود على العروبة والإسلام الشاعر (سعيد عقل)، الذي كان أكبر محرض للمجرم (شارون) على ‏ذبح الفلسطينيين أثناء غزوه للبنان عام 1982، وكان هذا التحريض يتم من خلال تلفزيون الكيان اليهودي, والمجرم(سعيد ‏عقل( يعتبرهُ الذين يُسمون أنفسهم بالمثقفين المُتنورين والقوميين العرب أحد رموزهم الثقافية. وكذلك كان دعاة (القومية ‏الطورانية التركية) من يهود الدونما "جماعة الاتحاد والترقي".‏

‏ فنحن أمة واحدة وهي (أمة الإسلام)؛ فلا يجوز أن نُجامل أحدًا على حساب عقيدتنا وهويتنا. فالعرب المسلمون هم جزء من ‏‏(أمة الإسلام)، وليسوا أمة وحدهم, وكل من يرفض ذلك فهو يرفض (أمة الإسلام) ويُنكر وجودها وليس منها, ولو قلنا جدلاً ‏بأن هناك أمة عربية واحدة؛ فما هي العقيدة التي تجمع وتوحّد أبناء هذه الأمة؟, فهناك السلفي العربي، والصوفي العربي, ‏والمسيحي العربي, والشيوعي العربي, والقومي السوري العربي، والليبرالي العربي, والمشرك العربي, وعبدة الشيطان ‏العرب, فكل فئة من هؤلاء أمة وحدها؛ لأنها تحمل عقيدة تتناقض مع عقيدة غيرها من الفئات الأخرى، بل وتحاربها؛ ‏فالماركسيون الشيوعيون العرب ضد الإسلام وضد القوميون العرب, والرأسماليون العرب ضد الاشتراكيون العرب, ‏واليساريون العرب ضد اليمينيون العرب. وجميع هؤلاء يعتبرون (الإسلام رجعية)؛ فهم عندما يهاجمون الرجعية لا ‏يقصدون إلا الإسلام, والمسيحيون العرب لا يعترفون بالإسلام ولا بنبوة (محمد صلى الله عليه وسلم)، وعقيدتهم تتناقض ‏مع عقيدة المسلمين العرب القائمة على التوحيد, والسلفيون ضد كل هؤلاء, و(محمد صلى الله عليه وسلم) وعمه أبو لهب ‏عربيان, فهل ينتمي أبو لهب إلى أمة (محمد صلى الله عليه وسلم )؟؟

‏ فأين هي العقيدة العربية الواحدة التي ممكن أن توحّد جميع هذه الفئات العربية وتجعل منهم (أمة واحدة), وما هو المضمون ‏الثقافي للأمة العربية بغير إسلام. فـ(العروبة هي وعاء الإسلام) فإذا فرغت من مضمونها الإسلامي فماذا يتبقى فيها.....؟؟؛ ‏إنها تتحول إلى وعاء فارغ ليس فيه إلا السواد والظلام والهزائم والكوارث والمصائب والانشطار والتشرذم والتفتت, ‏فالقومية هي التي مزقت الأمة وديارها, فمن رحمها وُلِد الكيان اليهودي في فلسطين، وفي ظلها نمى وترعرع وحقق هذا ‏الكيان أعظم انتصاراته بل أهداه (أبطال القومية) هذه الانتصارات على طبق من ذهب, ولا زال دُعاة القومية يتغنون ‏بهؤلاء (الأبطال المُزيفين) الذين صنعوا هزائم أغرب من الخيال, وفي ظل هذه القومية نعيش عصر الانحطاط والذل ‏والهوان، وتتداعى علينا الأمم, وفي ظلها أصبحنا غثاء كغثاء السيل، بل والأنكى من ذلك أن دُعاة (القومية المُفلسة) اليوم ‏يعتبرون زعماء القومية الذين أوصلونا إلى ما نحن عليه مرجعيتهم في دعوتهم لمشاريعهم النهضوية على أساس قومي. ما ‏هذا الجهل والغباء والهراء.....؟!! فهل هناك إنسان عاقل يجعل مرجعيته وقدوته ومثله الأعلى قادة فاشلين ومهزومين ‏وخائبين جلبوا الخزي والعار لأمتهم ؟؟ إنها عقلية المهزوم والمُغيّب فكريًا، وفاقد الوعي؛ لذلك علينا أن نميّز بين العربية ‏والقومية العربية, فالقومية هي التي صنعها المُستعمر الكافر ـ كما قلنا ـ لمحاربة الإسلام وهدم دولته, وأما العربية فهي اللغة ‏العربية؛ لذلك يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (ليست العربية بأبي أحدكم أو بأمه, إنما العربية اللسان)، قال تعالى: ‏‏{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (يوسف:2)، وقال تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} (الشعراء:195)؛ فالله سبحانه وتعالى ‏لم يقل إنا أنزلناه قرآنًا للعرب، وإنما أنزله بلغة العرب للناس أجمعين {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء:107)؛ ‏فهو كتاب عربي كُتب بلسان العرب.‏

‏ كما نطلق دون تشبيه ـ (فالقرآن ليس كمثله كتاب) ـ على الكتاب المكتوب باللغة الإنجليزية بأنه كتاب إنجليزي وكتاب ‏فرنسي أو صيني إن كان بالفرنسية أو بالصينية؛ لذلك فإن (اللغة العربية هي جزء من عقيدة المسلمين فهي لغة القرآن)؛ ‏فكل مسلم في الأرض لا بد له أن يحفظ شيئًا من القرآن حتى يستطيع الصلاة؛ لأن الصلاة لا تجوز ولا تُقبل إلا باللغة ‏العربية, فكل من يطالب أو يدعو إلى استبدال الأحرف العربية بأحرف لاتينية أو بأحرف أخرى ما هو إلا حاقد على أمتنا ‏وعلى دينها، وجندي في معركة الغزو الفكري التي تستهدف الإسلام. قال تعالى: {حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ ‏فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (فصلت:1، 2،3 )؛ وهذه الآية تؤكد أن (العربية هي اللغة واللسان، وليست القومية), ‏فلو كُتب القرآن بغير العربية فلا يجوز التعبد به؛ لأنه لم يعد قرآنًا، وإنما ترجمة للقرآن.‏


ثالثًا: وحدة الأحاسيس والمشاعر والعواطف؛ لتصبح الأمة كالجسد الواحد:

‏ إن وحدة العقيدة ينبثق عنها وحدة الأحاسيس والعواطف والمشاعر أي (وحدة الضمير والوجدان)، وهذه الوحدة ينتج عنها ‏أن أبناء (الأمة الواحدة ) لا يُوالون إلا الله والرسول والذين آمنوا. {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ ‏الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا ‏تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (المائدة: ‏‏55 ، 56 ، 57)؛ فالذي لا يتولى الله ورسوله والمؤمنين فإنه ليس من أمة (محمد صلى الله عليه وسلم )؛ فالمُوالة تعني أن ‏الحُب والبُغض لا يكون إلا بالله، وهذا يعني أنه إذا ما لحق بالمسلمين أذى في أي مكان في الأرض تجد أن المسلمين أينما ‏وجدوا في مشارق الأرض ومغاربها يتألمون لهذا الأذى ويشعرون بمشاعرهم ويحسون بمصائبهم ويفرحون لفرحهم؛ ‏وكأنهم أقاربهم من لحمهم ودمهم, ويعتبرون قضايا المسلمين في أصقاع الأرض قضاياهم سواء كانت في ((أفغانستان ‏وكشمير والشيشان والبوسنة والهرسك والعراق والصومال والفلبين وتايلاند (ثورة فطاني)، وفي فلسطين)). قال صلى الله ‏عليه وسلم: (مثل المسلمين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر ‏والحمى)؛ وهذا ما يدفع كثيرًا من شباب الإسلام في أصقاع الأرض المختلفة من العرب والعجم إلى التداعي لنصرة إخوانهم ‏المسلمين في كل مكان؛ إذا ما تعرضوا لعدوان، وديارهم إلى احتلال من الكفار.‏

‏ إن الكفار والملاحدة وأصحاب العقيدة الفاسدة والأيدلوجيات المُعادية للإسلام لا يُمكن أن تتوحد مشاعرهم وأحاسيسهم ‏وعواطفهم مع المسلمين مهما ادعوا غير ذلك؛ والدليل على ذلك أن هؤلاء يقفون إلى جانب أعداء الأمة الذين يرتكبون ‏المذابح ضد المسلمين، كما حصل في (البوسنة والهرسك)، ويحصل الآن في (العراق والشيشان وأفغانستان والصومال). ‏‏{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي ‏صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا ‏آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (آل عمران:118 ، 119). ‏


رابعًا: وحدة التاريخ المشترك:‏

‏ لم يكن في التاريخ قبل مجيء الإسلام أمة تسمى (الأمة الإسلامية), فلم تك شيئًا مذكورًا, فعندما نزل الوحي على نبينا ‏‏(محمد صلى الله عليه وسلم) خاتم الأنبياء في غار حراء بقول الله سبحانه وتعالى: {اقْرَأْ} في تلك اللحظة وُلدت أمتنا في ‏التاريخ, فنحن (أمة اقرأ). فكُل من لا يعترف بتاريخ ميلاد أمتنا بلحظة نزول القرآن كيف سيكون من أمتنا ؟! التي بدأت ‏مسيرتها التاريخية منذ تلك اللحظة، بدءًا من (السيرة النبوية، ومرورًا بالخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين، والأيوبيين ‏والمماليك، وانتهاءً بالعثمانيين).‏

إن هذه الدول الإسلامية المُتعاقبة هي التي صنعت تاريخنا وبلورت هويتنا ووجودنا في التاريخ؛ فصار لنا حضارة قائمة ‏على العدل والرحمة نباهي بها الأمم، وتاريخ عسكري وسياسي, وتراث أدبي وفكري وثقافي, فكل من ينتمي لأمتنا ويحمل ‏هويتها لا بد أن يعتبر هذه الدول الإسلامية دولته، وتاريخها تاريخه، وأن أئمتها وقادتها وزعماءها وأبطالها أئمته وقدوته ‏وقادته وزعماؤه وأبطاله، ويعتز بهم ويفتخر. وأنهم جزء من ضميره ووجدانه، ومحل احترام واعتزاز وفخر لديه، وفي ‏مقدمتهم (((أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والحسن والحسين، وخالد وسعد وعمرو ومعاوية، والوليد بن عبد الملك وهشام ‏بن عبد الملك والمُهلب بن أبى صفرة، ومحمد القاسم ومسلمة بن عبد الملك وعقبة بن نافع وطارق بن زياد وموسى بن ‏نصير، وهارون الرشيد والمأمون والمعتصم، وعماد الدين ونور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي وأسد الدين شيركو، ‏وبيبرس وقطز والأشرف بن قلاوون، وسليم الأول ومحمد الفاتح وسليمان القانوني والسلطان عبد الحميد، وقائد وزعيم ‏هؤلاء جميعًا محمد، صلى الله عليه وسلم))), فمن يلعن أبا بكر وعمر أو أحدًا من صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ‏أو بطلاً من أبطال الإسلام فهو ـ حتمًا ـ ليس من أمتنا بل عدو لها. ‏

إن كل من ينتمي لأمتنا لا بد له أن يعتبر جميع المعارك التي صُنع فيها تاريخ المسلمين هي المعارك التي يعتز ويفتخر بها، ‏وهي التي تشكّل تاريخه وذاكرته التاريخية. بدءًا من (((معركة بدر الكبرى، ومرورًا بالأحزاب وفتح مكة، والقادسية ‏واليرموك وفتح بيت المقدس وفتح مصر وفتح الأندلس، وعين جالوت واجنادين وحطين، وفتح القسطنطينية، وغيرها كثير ‏من المعارك الخالدة في التاريخ، والتي جعلتنا سادة الدنيا وقادة البشرية))).‏


خامسًا: وحدة الثقافة:

‏ إن أمتنا الإسلامية ذات ثقافة واحدة مُنبثقة من عقيدتها الواحدة، من القرآن والسنة؛ فعقيدتنا ينبثق عنها منظومة ثقافية ‏تشتمل على أثمن وأعظم وأنبل وأثمن القيم الإنسانية الرفيعة، التي ترتقي بإنسانية الإنسان وتنظم له علاقاته مع الله أولاً، ثم ‏مع نفسه ومع غيره من الناس من المسلمين وغير المسلمين ومع جميع مخلوقات الله من حيوان وجماد ونبات ومع الكون ‏كله, ومن أتفه الأمور الحياتية إلى أعظمها شأنًا, فهذه المنظومة تحرر الإنسان من العبودية لغير الله؛ فتجعله عزيزًا كريمًا ‏يأبى الذل والهوان والخضوع لغير الله، وهي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر, وتدعو إلى صلة الأرحام وإيتاء ذي ‏القربى, والصدق والأمانة, وعدم الغش, والكرم والشجاعة, والتعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان, ‏والإنفاق في سبيل الله ومساعدة الفقراء, والطهارة, والتواضع, والعدل والرحمة, والمُفاضلة بين الناس على أساس التقوى, ‏والوفاء بالعهود وعدم الغدر, ونصرة المظلوم, وطاعة الوالدين وبرهما, واحترام المرأة وتكريمها وصون إنسانيتها؛ حتى لا ‏تتحول إلى سلعة استثمارية واستهلاكية كما يحصل في الغرب الذي يُهين المرأة تحت شعار إعطاء المرأة حقوقها, والإسلام ‏يعتبر المرأة مُكملة للرجل، وأن الحياة لا تستقيم بدون هذا التكامل. ومنظومتنا الثقافية تدعو إلى العمل وإتقانه وعدم التواكل, ‏وتدعو ثقافتنا إلى العزة والكرامة, والخلق الحسن, ورفض الظلم, وعدم أكل مال الناس بالباطل, فهل يُوجد أعظم من هكذا ‏منظومة ثقافية، هي جزء لا يتجزأ من عقيدتنا بل هي عبادة نتعبد بها إلى الله.‏

‏ إن كل من يُنكر هذه الحقائق الخمس المُكونة لهويتنا أو إحداها فهو ليس من أمتنا، ولو كان من آبائنا وإخواننا وعشيرتنا, ‏وإن كل من يعمل أو يسعى أو يفكر بوضع أو إيجاد هوية جديدة لأمتنا فما هو إلا مستهدف لأمتنا وهويتها مهما تلبس من ‏لبوس.‏

‏ إن كل مشروع يُسمى بمشروع نهضوي لإنهاض الأمة ولا يقوم على مكونات هويتنا، فما هو إلا مشروع مشبوه ويستهدف ‏إجهاضها وضمان عدم عودتها للتاريخ وسيرتها الأولى من جديد؛ لذلك كانت جميع المشاريع التي سُميت بمشاريع نهضوية ‏نتيجتها وبالاً وكوارث على الأمة. فكم أتعجب عندما تعقد الندوات والمحاضرات التي تتحدث عن الأمة وهويتها، وإني أكاد ‏أن أصاب بالغثيان عندما أستمع لمن يُسمون بالمثقفين والمفكرين؛ فتجد أنهم يتحدثون عن أمة من الخرابيط أو منظومة من ‏التناقضات يُسمونها هوية الأمة, فهُم يُساهمون بضياع الأمة وليس إخراجها من التيه والضياع. وكم أتعجب عجبًا يصل إلى ‏درجة الشعور بالقهر عندما يحتفل بعض من يدّعون بأنهم (مفكرين إسلاميين وأحزاب إسلامية وحركات مقاومة إسلامية) ‏بمفكرين ملاحدة وعلمانيين وحاقدين على الإسلام، وبعضهم أعضاء في كنيست اليهود سابقين وحاليين؛ باعتبارهم من ‏رموز الأمة الثقافية والفكرية من أمثال المدعو "عزمي بشارة" عضو كنيست اليهود)، الذي استقال من الكنيست وغادر ‏فلسطين بطريقة مسرحية، وهو يُستقبل بالعواصم العربية بحفاوة بالغة؛ حيث يُطلق عليه البعض (المفكر العربي الكبير)، ‏والذي انتقل من الماركسية إلى القومية؛ لأن سوق الماركسية في بلاد المسلمين وفي بلد المنشأ قد أُغلق فلم يعد لها سوقًا. ‏والقومية تحتضر لعله يستطيع أن يُحييها. وها هو تعقد له المحاضرات والندوات التي محورها وقاسمها المشترك دعوته إلى ‏وضع هوية جديدة لأمتنا، صادرة عن أعداء الأمة وبموجب الغزو الفكري والثقافي الذي هو أحد رموزه. فيبدو أن الهدف ‏الحقيقي من وراء مسرحية استقالته من (كنيست اليهود)، وخروجه من فلسطين، أنه قد اعتُمد من الأمريكان واليهود في ‏عملية (حرب الأفكار الصليبية)، التي تُشن على (أمة الإسلام)، والتي تستهدف هويتها، والتي أعلن عنها (رامسفيلد) قبل ‏غزوه للعراق. فلقد سمعت لـ(عزمي بشارة) محاضرة ألقاها في جامعة دمشق عن الأمة والهوية فدُهشت لما سمعت, حيث ‏كان يخلط شعبان في رمضان، ويخلط الطين بالعجين كما يقولون، ولم يتطرق إلى أي مُكوّن من مُكونات هويتنا الحقيقية ‏التي شرحناها أعلاه, فحاول أن يستعرض عضلاته الفكرية الهشة؛ ليُبدع لنا هوية تخرجنا من ديننا ومن تاريخنا ومن جميع ‏مكونات هويتنا الحقيقية, إنه كان يتحدث عن أمة ليس لها في التاريخ وجود, فهو بعبقريته الفكرية يُريد أن يُبدع هوية جديدة ‏لأمة جديدة طارئة على الوجود، ليس لها علاقة بالإسلام والمسلمين، وهوية تتكون من مكونات متناقضة وغير منسجمة ‏ومصطنعة، ولا يجمعها شيء؛ كأننا حقًا أمة من صناعة الاستعمار الكافر, فقسّم القومية إلى قسمين: قسم يميني رجعي, ‏وقسم يساري تقدمي, فهو يعتبر أن القومية الأولى هي التي فشلت, أما القومية اليسارية الذي يُبشر بها هي مستقبل أمة ‏العرب, إنه يريد أن يُحيي القومية التي تحتضر؛ حتى لا يكون البديل هو الإسلام. أليس من عصر الانحطاط والهزيمة أن ‏يصبح (عضو كنيست اليهود عزمي بشارة) رمزًا من رموز الأمة، ويعمل على إيجاد هوية جديدة لأمتنا!!!! طبعًا ليس ‏أمتنا بل الأمة التي تتخذه رمزًا لها.‏

‏ والأغرب من ذلك أني سمعت الشيخ القرضاوي، في حفل تنصيبه إمامًا (للوسطية)، أنه يُريد أن يجمع ويُوحد الأمة بشتى ‏اتجاهاتها من (إسلاميين ويساريين ووطنيين وقوميين وليبراليين وجميع أصحاب الأيدولوجيات)، فلا أدري كيف اعتبر ‏هؤلاء من (أمة واحدة). {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (الجاثـية:28). فأي ‏أمة التي تجمع أصحاب الأيدلوجيات المتناقضة هؤلاء ؟؟ هل هي الأمة العربية أم الأمة الإسلامية .....؟؟ أم أمة الخرابيط ‏وحط الطين على العجين .....؟؟ فكل فئة من هذه الفئات تشكل أمة وحدها.‏

‏ وقال إنه يريد أن يأخذ من كل فئة أحسن ما لديها، وحتى من الديانات الأخرى ليُكّون (الأمة الوسط) ذات الدين الوسطي ‏الذي يدعو إليه، والقائم على تحريف معنى الوسطية التي أرادها الله. وهذه الأمة التي يدعو لها لا يُمكن أن تكون الأمة التي ‏أرادها الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء:92). إن كثيرًا من هذه الفئات تكفر بالله ‏ولا تعبده، وتعتبر الإسلام أفيونًا ورجعية وتخلفًا وظلامية يجب القضاء عليه. {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. وَلا ‏أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ. وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (سورة الكافرون(. فكيف يريد ‏القرضاوي أن يكون إمامًا لهذه الأمم أم أنه يؤمن بوحدة الأديان والأيدلوجيات والعقائد والشرائع والمناهج, فكل أمة يوم ‏القيامة تأتي وفي مقدمتها أئمتها. فهذا تبديل لكلام الله, أم أن القرضاوي يُريد أن ينسخ الإسلام، وبالتالي مفهوم (أمة ‏الإسلام)؛ ليصبح اسمها (الأمة الوسطية) ذات (الدين الوسطي). فالوسطية عند القرضاوي هي الاعتدال وقبول أصحاب ‏الأيدلوجيات والعقائد الكافرة، ومسك العصا من النصف أي مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وهذا تمييع للدين.‏

‏ أما الوسطية التي أرادها الله، والله أعلم، هي العدل والأفضل والأجود والأحسن, فنحن بوسطيتنا أي بعدلنا، وليس باعتدالنا، ‏وبأفضل الشرائع التي خصنا الله بها سنشهد على الأمم السابقة واللاحقة، وهنا فرق كبير بين المعنييْن, وللأسف الشديد أن ‏كثيرًا من عوام الناس يأخذون ما يتلفظ به القرضاوي كمُسلمات غير قابلة للنقاش؛ نتيجة الهالة الإعلامية التي تحيط به, ‏وللأسف الشديد أيضًا أن هناك من يُوالون الأشخاص والأحزاب قبل موالاتهم للإسلام, ولا يعرفون أن كل إنسان يؤخذ عنه ‏ويُرد عليه إلا (رسول الله صلى الله عليه وسلم). فإذا ما رددت، وبالدليل من القرآن والسنة، على القرضاوي أو غيره من ‏مشاهير العلماء اتُهمت بأبشع التهم, ألا يدري هؤلاء أن (((الحُجة على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى الأنبياء وعلى الأمم ‏السابقة واللاحقة والناس أجمعين وعلينا وعلى القرضاوي ومن لف لفه هو: القرآن الكريم وسنة محمد، صلى الله عليه ‏وسلم)))، وإنني من باب النصيحة، وحبي للشيخ القرضاوي بأن يذهب إلى الجنة، أطالبه أن يتراجع عن وسطيته المُحرفة، ‏وعن فتواه التي أباح بها للجنود المسلمين في الجيش الأمريكي أن يُقاتلوا المسلمين في أفغانستان، وأن يكون الولاء لأمريكا ‏مقدمًا على الولاء لله ورسوله وللمؤمنين. فيا شيخُ لم يبقَ لك في هذه الحياة إلا القليل، والله أعلم، فارجع وتراجع، قبل أن ‏يأتي يوم لا مرد فيه لأمر الله, فعلى كل من يُحب هذا الشيخ أن ينصحه قبل فوات الأوان, فالدين النصيحة.‏

‏ ومن غرائب وعجائب بعض الأحزاب الإسلامية أنها تشكّل تحالفات مع أحزاب ذات أيدلوجيات تعادي الإسلام بل وتنكر ‏وجود الله سبحانه وتعالى، وفي سُلم أولوياتها محاربة الإسلام تحت شعار محاربة الرجعية والظلامية والتخلف، بل والأنكى ‏من ذلك أن بعض زعماء وقادة هذه الأحزاب الإسلامية انتخبوا كأمناء عامين لتحالف هذه الأحزاب؛ فيُسمى الأمين العام ‏للأحزاب العربية والقومية واليسارية والوطنية, فأنا لا أدري كيف لمُفكر إسلامي أو زعيم حزب إسلامي أن يقبل بأن يكون ‏أمينًا عامًا لمثل هكذا تحالف, ألم يسمع قول الله تعالى: {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} (الكهف: من الآية51). وأن ‏أصحاب هذه الأحزاب والأيدلوجيات اتخذوا إلاههم هواهُم، وهُم أمم مختلفة، وأئمتهم سيشهدون عليهم يوم القيامة {وَيَوْمَ ‏نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً ‏وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل:89).‏

‏ ونحن (أمة الإسلام) أصحاب عقيدة الولاء والبراء سنشهد على الناس جميعًا وسيكون الرسول، صلى الله عليه وسلم خاتم ‏المرسلين، شهيدًا علينا. {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} (البقرة: من ‏الآية143). أفلا يدري هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم مفكرين إسلاميين وقادة أحزاب إسلامية ـ وقبلوا بأن يكونوا أمناء ‏عامين ورموزًا لأحزاب تحارب الإسلام وتعاديه، وذات أيدلوجيات علمانية وأحادية ـ بأنهم سيأتون يوم القيامة أئمة لهؤلاء ‏الناس. {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَأُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً. وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى ‏فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً. وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} ‏‏(الإسراء:71 ، 72 ، 73). فأنني أدعو هؤلاء جميعًا أن يعودوا إلى رُشدهم، ويحتكموا إلى عقيدة الولاء والبراء، فيعرفوا ‏من هي أمتهم فينحازوا لها قبل فوات الأوان؛ فيأتوا يوم القيامة مع أمة غير أمتهم. {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا ‏بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً ‏وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ ‏فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (المائدة:48).‏‎ ‎

اللهم أمتنا مسلمين لك، وابعثنا مع أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا ‏وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ ‏بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ‏الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران: 102 ، 103، 104)، {وَوَصَّى بِهَا ‏إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (البقرة:132).‏

‏ أما بالنسبة لأهل الكتاب من غير المسلمين، والذين يعيشون في كنف أمة الإسلام فهؤلاء أمانة في ذمة المسلمين يحرم ‏التعرض لأموالهم وأعراضهم، ودماؤهم مصونة، ولهم حقوق العيش الكريم دون إيذاء, لهم مالنا وعليهم ما علينا؛ ما داموا ‏يُحافظون على (عهد الذمة, العُهدة العُمرية)، ولا يُظاهرون أعداء المسلمين ولا يتأمرون عليهم، ومن قُتل دفاعًا عنهم فهو ‏شهيد, وهم جزء من نسيج مجتمعات (الأمة الإسلامية) يجب التعامل معهم بعدل الإسلام ورحمته.‏

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال