منذ أن جلس أفلاطون يسأل من ينبغي أن يحكم؟
لم يكن السؤال في حقيقته عن اسم الحاكم بل عن طبيعة الإنسان والمؤسسة والقواعد التي تمنح أحدا حق اتخاذ القرار نيابة عن الآخرين.
ثم جاء أرسطو ليفتح السؤال على احتمالات أكثر قسوة
هل يحكم الواحد لمصلحة الجميع أم لمصلحته؟
هل تحكم الأقلية من أجل المدينة أم من أجل نفسها؟
وهل يمكن أن تتحول الديمقراطية إذا فقدت فضيلة القانون إلى حكم للجمهور المنفعل حيث يصبح الصراخ بديلا عن الحجة والعدد بديلا عن العقل؟
ومنذ ذلك الوقت تغيّرت أسماء الأنظمة وتبدلت الدساتير وسقطت عروش وقامت جمهوريات لكن السؤال بقي في مكانه عنيدا كالحقيقة التي لا تريد السلطة أن تسمعها:
من يحكم؟ وكيف يحكم؟ ولمن تكون الدولة حين يحكم؟
وهنا بالضبط تبدأ المسألة التونسية ،فتونس لم تعش منذ الاستقلال نظاما واحدا مستقرا من حيث فلسفة الحكم وإنما مرت بتحولات عميقة في مصدر الشرعية وفي موقع النخبة وفي علاقة الدولة بالمجتمع وفي الطريقة التي توزعت بها السلطة والثروة والقرار.ولذلك فإن اختزال تاريخها السياسي في تعاقب بورقيبة وبن علي وما بعد 2011 وما بعد 25 جويلية 2021 هو اختزال للتاريخ في أسماء بينما القضية الأعمق كانت دائما أي دولة نريد؟ ومن يملك الحق في إدارتها؟ وبأي معيار نختار من يديرها؟
الديمقراطية في معناها المؤسسي ليست مجرد أن يضع المواطن ورقة في صندوق ثم يعود إلى بيته منتظرا أن تفعل الورقة ما عجز عنه المجتمع والدولة.
الديمقراطية نظام كامل من الشرعية والمساءلة والفصل بين السلطات والتداول السلمي على الحكم وسيادة القانون وحماية الحقوق.
وقد نص دستور 2014 صراحة على الجمهورية الديمقراطية التشاركية وعلى سيادة الشعب والتداول السلمي على السلطة والفصل والتوازن بين السلطات وعلوية القانون واستقلال القضاء.
لكن التاريخ السياسي يعلمنا أن النص وحده لا يصنع نظاما سياسيا فقد يكون لديك دستور جميل ومؤسسات كثيرة وانتخابات متتالية ثم تجد الدولة واقفة أمام المرآة ولا تعرف نفسها.
لأن المشكلة لا تكمن فقط في من ينتخب؟ وإنما في من يملك القدرة على الحكم بعد الانتخاب؟ وهنا تظهر مفاهيم أخرى أكثر تعقيدا.
هناك الأوليغارشية حيث تستولي أقلية نافذة على القرار وقد تكون هذه الأقلية سياسية أو مالية أو حزبية أو أمنية.
وهناك الأريستوقراطية بمعناها القديم أي حكم من يُنظر إليهم باعتبارهم الأفضل أو الأقدر على إدارة الشأن العام.
ثم جاءت الميريتوقراطية لتقول إن الأصل ليس النسب ولا المال ولا الوجاهة بل الاستحقاق ماذا تعرف؟ ماذا أنجزت؟ وما الذي تستطيع أن تقدمه للدولة؟
ثم ظهرت التكنوقراطية بوصفها محاولة لإدخال الخبرة والمعرفة العلمية إلى قلب القرار خصوصا في الاقتصاد والطاقة والصحة والتعليم والإدارة والتكنولوجيا.
أما الأكلوقراطية فهي الوجه المظلم حين تفقد الديمقراطية عقلها المؤسسي ويتحول الشارع إلى مصدر دائم للضغط وتصبح الانفعالات الجماعية أقوى من المؤسسات ويغدو السياسي أسيرا لمن يصرخ أكثر لا لمن يعرف أكثر.
لكن تونس لم تكن يوما نسخة صافية من أي نموذج من هذه النماذج بل كانت دائما خليطا تونسيا خاصا تتغير نسبه بحسب المرحلة.
بعد الاستقلال لم تكن تونس تملك دولة حديثة بالمعنى الذي نعرفه اليوم. كانت أمامها مهمة بناء الإدارة والتعليم والقضاء والصحة والجيش والدبلوماسية والاقتصاد أي بناء الدولة نفسها قبل أن تسأل كثيرا عن كيفية تداول السلطة داخلها.
وهنا ظهرت قيمة النخبة المتعلمة.
لم يكن الطبيب والمهندس والقاضي والمدرس والإداري مجرد أصحاب وظائف بل كانوا في مرحلة معينة جزءا من مشروع بناء الدولة و كان الرهان على التعليم باعتباره آلة لإنتاج المواطن والموظف والخبير وعلى الإدارة باعتبارها العمود الفقري للجمهورية.
لكن هذا المشروع حمل في داخله مفارقته الكبرى فالدولة التي أرادت أن تصنع المواطن الحديث لم تكن مستعدة دائما لأن تترك له مساحة كاملة لصناعة السلطة.
وهكذا نشأت جمهورية قوية الدولة ضعيفة التعددية.
كان هناك تحديث اجتماعي وتعليمي وإداري عميق لكن المجال السياسي ظل محكوما بمركزية شديدة وبهيمنة الحزب الدستوري ومؤسسة الرئاسة.
لذلك فإن وصف المرحلة بأنها ميريتوقراطية خالصة سيكون تبسيطا و الأدق أنها شهدت صعود نخبة تعليمية وإدارية داخل دولة شديدة المركزية حيث كانت الكفاءة مطلوبة ولكنها كانت تعمل داخل نظام سياسي غير تعددي.
وهنا تظهر إحدى أقدم مفارقات الدولة الحديثة.
قد تكون الدولة عقلانية في إدارتها لكنها غير ديمقراطية في سياستها وقد تكون ديمقراطية في نصوصها لكنها عاجزة في إدارتها والدولة التي تريد أن تكون قوية وديمقراطية في الوقت نفسه هي الدولة التي لم تنجح الإنسانية حتى الآن في اختراع وصفتها السحرية.
ثم جاء 7 نوفمبر 1987 ولم يتغير فقط رأس السلطة بل تغيرت طبيعة العلاقة بين السلطة والثروة والأمن والإدارة.
أصبح النظام أكثر انفتاحا في بعض المجالات لكنه حافظ على مركزية شديدة في القرار السياسي.
ومع مرور السنوات ترسخت شبكات من النفوذ والمصالح والزبائنية وأصبح السؤال عن الدولة مختلطا بالسؤال عن العائلة والمقربين والأجهزة والمصالح الاقتصادية.
هنا يصبح مفهوم الأوليغارشية مفيدا في التحليل لا باعتباره وصفا مطلقا لكل الدولة وإنما باعتباره أداة لفهم كيفية تركز النفوذ والثروة والقرار داخل دوائر محدودة.
وفي مثل هذه الأنظمة لا تحتاج السلطة إلى إلغاء الدولة بل يكفيها أن تجعل الدولة تمر عبر شبكة الولاءات.
وهذه أخطر المراحل لأن المواطن لا يعود يعرف أين تنتهي الدولة وأين تبدأ الجماعة النافذة.
وعندما يشعر المواطن أن القانون لا يطبق على الجميع بالدرجة نفسها يبدأ انهيار الشرعية من الداخل.
فالناس لا يثورون دائما لأنهم فقراء فقط ،أحيانا يثورون لأنهم يرون أن الفقر موزع لكن الامتيازات ليست كذلك.
جاءت الثورة وسقط النظام وعادت السياسة إلى الشارع وإلى الإعلام وإلى البرلمان وإلى المجتمع المدني فكان ذلك تحولا تاريخيا.
لكن الحرية السياسية لا تكفي وحدها لبناء الدولة.
استطاعت تونس بعد 2011 أن تؤسس تعددية حزبية وانتخابات ومؤسسات دستورية جديدة ونجحت في صياغة دستور 2014 الذي وضع منظومة واسعة من الضمانات والمؤسسات لكن الديمقراطية التونسية دخلت في معركة لم تكن مستعدة لها تماما.
كيف تتحول التعددية السياسية إلى قدرة على الحكم؟
وهنا بدأ الخلل فكثرت الأحزاب ولكن لم تكثر بالضرورة المشاريع.
كثرت الخطابات ولكن لم تزد بالضرورة القدرة التنفيذية.
صار البرلمان مسرحا للصراع وأصبحت الحكومة رهينة توازنات حزبية متغيرة وتحولت المساومات السياسية أحيانا من وسيلة لبناء التوافق إلى غاية في حد ذاتها.
وفي الوقت نفسه كانت الدولة القديمة بكل إدارتها وبيروقراطيتها وثقافتها لا تزال موجودة.
وهكذا أصبح لدينا شيء شديد الغرابة،سياسة جديدة تدير دولة قديمة.
والنتيجة أن المواطن بدأ يكتشف أن الديمقراطية تستطيع أن تمنحه حق الكلام لكنها لا تضمن وحدها الماء والكهرباء والنقل والصحة والشغل.
ومن هنا بدأ السؤال الخطير ماذا يفعل المواطن بالديمقراطية إذا كانت الدولة عاجزة عن أداء أبسط وظائفها؟
وهذا السؤال لا يعني أن الحرية هي المشكلة بل يعني أن الديمقراطية لا تستطيع أن تعيش طويلا إذا لم تسندها دولة فعالة.
في 25 جويلية 2021 دخلت تونس مرحلة سياسية جديدة ثم جاء دستور 2022 ليعيد تركيب مؤسسات الحكم على أساس مختلف عن دستور 2014.
دستور 2022 يؤكد الجمهورية والسيادة الشعبية وينص في ديباجته على فصل الوظائف التشريعية والتنفيذية والقضائية والتوازن بينها لكنه أعاد توزيع السلطة التنفيذية بصورة مختلفة ومنح رئيس الجمهورية موقعا مركزيا في تحديد التوجهات العامة للدولة وتعيين الحكومة وإنهاء مهامها وفق أحكام الدستور.
وهنا عادت المسألة القديمة بوجه جديد هل قوة الدولة تحتاج إلى تركيز القرار؟ أم أن تركيز القرار يحتاج إلى مؤسسات أقوى حتى لا يتحول إلى اختزال للدولة في مركز واحد؟
السؤال ليس أخلاقيا فقط وليس معركة بين مؤيد ومعارض بل سؤال في هندسة الدولة.
فالدولة التي تعاني من الشلل قد تبحث عن مركز قرار أقوى لكن الدولة التي تقوي مركز القرار تحتاج بالقدر نفسه إلى آليات فعالة للمساءلة والرقابة والتصحيح.
لأن السلطة المركزة قد تكون أسرع في اتخاذ القرار لكنها تصبح أكثر حاجة إلى المؤسسات التي تمنع الخطأ من أن يتحول إلى سياسة عامة.
وهذه قاعدة في علم الحكم لا تخص تونس وحدها:
كلما زادت قوة المركز ازدادت الحاجة إلى جودة المؤسسات المحيطة به.
المشكلة التونسية أعمق من سؤال ديمقراطية أم استبداد؟
هذه الثنائية أصبحت فقيرة أكثر من اللازم لفهم تونس.
المشكلة الحقيقية ليست أن نختار بين الديمقراطية والفوضى أو بين القوة والحرية.
المشكلة أن نبني دولة تستطيع الجمع بين الشرعية والكفاءة.
فالانتخابات تمنح الشرعية السياسية لكنها لا تمنح صاحبها تلقائيا المعرفة الاقتصادية.
والشهادة الجامعية لا تمنح صاحبها تلقائيا النزاهة والخبرة لا تمنح صاحبها تفويضا شعبيا والشعبية لا تعني الكفاءة والكفاءة لا تعني الديمقراطية والقوة لا تعني بالضرورة الدولة.
هذه الفروق الصغيرة هي التي تقتل الدول عندما تتجاهلها.
لذلك فإن السؤال الأكثر جدية ليس من يحكم؟ بل بأي معايير نختار من يحكم؟ثمكيف نراقب من يحكم؟
ثم كيف نعزله إذا فشل؟ثم كيف نمنع الدولة من أن تصبح رهينة لشخص أو حزب أو عائلة أو شبكة مصالح؟
لا يمكن لتونس أن تعود إلى فكرة أن هناك طبقة مقدسة اسمها النخبة ثم تمنحها حق الحكم إلى الأبد فمن يحدد النخبة؟هل هي الشهادة؟أم المال؟أم الإعلام؟أم الحزب؟أم المنصب؟أم عدد الكتب؟أم عدد الأصوات؟أم القدرة على إدارة مؤسسة في ظروف حقيقية؟
أخطر كلمة في السياسة هي تلك التي تبدو جميلة لأنها غامضة وكلمة النخبة من هذه الكلمات.
النخبة الحقيقية لا تُعلن نفسها نخبة لأن الدولة هي التي تختبر الكفاءة والمجتمع هو الذي يراقب والإنجاز هو الذي يمنح الشرعية والقانون هو الذي يحدد حدود السلطة.
ومن هنا يمكن أن يكون الحل التونسي أقرب إلى جمهورية الكفاءة ديمقراطية في مصدر الشرعية ميريتوقراطية في اختيار المسؤولين و تقنوقراطية في إدارة الملفات المعقدة ومؤسساتية في الرقابة والمحاسبة.
لا حكم خبراء على الشعب ولا حكم جمهور على الدولة ولا حكم أقلية على الجميع ولا حكم شخص على المؤسسات.
بل دولة يختار فيها الشعب اتجاهها وتختار مؤسساتها الأكفأ لتنفيذ ذلك الاتجاه ويحاسب الجميع أمام القانون و هذه هي المعادلة الأصعب لكن التاريخ لا يكافئ الدول لأنها اختارت الحل الأسهل.
المشكلة الكبرى في تونس ليست نقص الأدمغة.
تونس لا تعاني من ندرة الأطباء والمهندسين والاقتصاديين والقضاة والأساتذة والباحثين والخبراء وأصحاب التجارب.
المشكلة أن الدولة كثيرا ما تفشل في تحويل الكفاءة الفردية إلى قدرة مؤسسية.
قد تجد خبيرا ممتازا في وزارة ثم تضع فوقه من لا يعرف شيئا عن المجال وقد تجد مؤسسة مليئة بالشهادات، لكنها عاجزة عن اتخاذ قرار وقد تجد حكومة تضم أصحاب اختصاص لكنها تعمل دون استراتيجية وقد تجد استراتيجية عظيمة لكنها تموت في الإدارة.
وهكذا لا تكون الكارثة في غياب الكفاءات بل في غياب نظام وطني لاكتشافها واختيارها ووضعها في المكان الصحيح ومحاسبتها على النتائج.
وهنا يصبح الإصلاح الحقيقي أكبر من تغيير وزير أو حكومة.
نحن بحاجة إلى إعادة بناء سوق القيادة العامة في تونس.
أي أن يصبح الوصول إلى المواقع العليا في الدولة مرتبطا بمعايير معلنة: التكوين، الخبرة، النزاهة، القدرة على الإدارة سجل الإنجاز، فهم المؤسسات، والقدرة على العمل تحت الضغط.
ثم لا يكفي ذلك بل يجب أن تكون هناك أهداف قابلة للقياس ومن لا يحققها يغادر بلا فضيحة و لا انتقام و لا تشويه ولا حماية حزبية.
ففي الدول الجادة المسؤول لا يُقاس بمدى قربه من الحاكم بل بما تركه وراءه من نتائج.
تنقلت تونس خلال سبعين عاما بين الدولة المركزية والحزب المهيمن وشبكات النفوذ والتعددية الحزبية والصراع المؤسساتي ثم إعادة بناء النظام حول رئاسة قوية.
لكن السؤال ظل ينتظر جوابه هل نريد دولة يحكمها الأقوى؟
أم الدولة التي يحكمها القانون؟هل نريد دولة تحكمها الأكثرية؟أم دولة تحكمها المؤسسات؟هل نريد نخبة مغلقة؟
أم مجالا مفتوحا للكفاءة؟هل نريد خبراء بلا شرعية؟
أم سياسيين بلا خبرة؟
ربما تكون المشكلة أننا ظللنا نبحث عن الرجل الذي ينقذ الدولة بينما الدولة الحديثة لا تُبنى برجل مهما كان اسمه وإنما بمنظومة تجعل الرجل الجيد قادرا على النجاح وتمنع الرجل السيئ من تحويل الدولة إلى ملكية شخصية.
الديمقراطية وحدها لا تكفي والتكنوقراطية وحدها لا تكفي والميريتوقراطية وحدها لا تكفي والقوة وحدها لا تكفي والانتخابات وحدها لا تكفي.
الدولة تحتاج إلى شرعية تأتي من الشعب وكفاءة تأتي من الاستحقاق ومؤسسات تكبح السلطة وقانون يساوي بين الجميع وإدارة تعرف أن مهمتها ليست خدمة الحاكم بل خدمة الدولة.
عندها فقط يتوقف السؤال عن كونه من يحكم؟
ويصبح السؤال الأهم كيف نبني نظاما يجعل تونس محكومة بالمؤسسات لا بالأشخاص وبالكفاءة لا بالولاء وبالقانون لا بالأهواء؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي للجمهورية وذلك أيضا هو الفرق بين تغيير الحاكم وتغيير منظومة الحكم.
فتونس لم تعد تحتاج إلى البحث عن منقذ جديد بقدر حاجتها إلى بناء دولة لا تحتاج أصلا إلى منقذ.
الديمقراطية وحدها لا تكفي والتكنوقراطية وحدها لا تكفي والميريتوقراطية وحدها لا تكفي والقوة وحدها لا تكفي والانتخابات وحدها لا تكفي.
2026-09-29
114 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال