الزيتونة زيتونتان
بعد أحداث سنة 2011 تقدم عدد كبير من أساتذة جامعة الزيتونة إلى العمل السياسي المباشر من خلال اصطفافهم وراء حركة النهضة وتجنّد عدد من النافذين منهم لدعم الحركة ومساندتها في المعارك الانتخابية وفي غيرها من الخصومات التي أثارتها مع مخالفيها وهو ما ساعد على نشر وهم أنّ الزيتونة في مختلف المراحل التاريخيّة التي مرت بها معادية للتقدم وللتطور وتقف دائما وأبدا ضدّ العصر وقيمه، ولأن التخليط بين المسائل والقضايا لا يستفيد منه إلا الأشدّ تطرّفا والأبعد عن العصر وقيمه وجب أن نميز بين زيتونة ما قبل الاستقلال وزيتونة ما بعد سنة 2011.
زيتونة ما قبل الاستقلال
مثلت الزيتونة قبل الاستقلال بما فيه من جامع وجامعة وجمعيّات رياضيّة ومسرحيّة وغيرها فضاء رحبا ظهرت فيه أعمال كبار قادة النهضة الفكريّة والأدبيّة في تونس كأبي القاسم الشابي والطاهر الحدّاد وعبد العزيز الثعالبي والسنوسي الأب والابن وعبد الرحمان الصنادلي وغيرهم ممّن حملوا مشعل التطوير والتحديث كما أدّت الجموع الطالبية للزيتونة دورها في معركة التحرر الوطني ومحاربة الاستعمار، أمّا المتأخرون من الزيتونيين فإنهم بعد اتصالهم ودراستهم بالجامعات الأجنبية تحصلوا على أرفع الشهادات بأعمال بحثية متميّزة أثبتت أن الزيتوني إذا ما توفر له الجوّ العلمي والنفسي الملائم يستطيع إبهار غيره، وأطاريح الفوج الأوّل من الزيتونيّين في الجامعات الفرنسيّة والمصريّة واللبنانيّة تؤكّد هذا المعنى ولِمن أراد التثبّت العودة إلى أطاريح محمد الحبيب بلخوجة والحبيب الهيلة وعلي الشابي والمنجي الكعبي وأحمد بكير ورشاد الإمام وعمر بن سالم وعبد الجليل التميمي وغيرهم من نابهي الزيتونة ممن أثبتوا أنّ لهم باعا في البحث والدرس.
زيتونية ما بعد سنة 2011
في الفترة الفاصلة بين الاستقلال وسنة 2011 عرفت الزيتونة أحداثا ملخصها أنّ دولة الاستقلال قرّرت في إطار النظام الجمهوري التخلّص من الإدارات القديمة التي كانت تسند حكم البايات وتمدّه بالشرعية كالزيتونة والقضاء والأوقاف وغيرها ففيما يخصّ التعليم الزيتوني أدرجته ضمن التعليم العصري الجديد فبرامجه القديمة وقع تطويرها وهو مطلب زيتوني منذ أواخر القرن التاسع عشر لم يتحقق إلا في دولة الاستقلال، أمّا الشيوخ والمدرّسون فقد استوعبتهم المدرسة العصريّة وفق البرامج الجديدة وأثبتوا قدرة لا تضاهى على التأقلم والنجاح في مهمّتهم على مستوى التعليمين الابتدائي والثانوي وبالنسبة للتعليم العالي أسّست دولة الاستقلال كلية تابعة للجامعة التونسيّة مهمّتها تدريس المعارف الدينيّة سُمِّيت الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين وقد حافظ العهد الجديد على تسمية الزيتونة لِما لها من حضور في تاريخ البلاد، أيامها كانت الكلية بإدارة كبار الشيوخ والأساتذة الذين درسوا في الزيتونة وأكملوا تعليمهم العالي في مصر وفي فرنسا ولم تخرج الكلية عمّا تقتضيه التقاليد الجامعية من اهتمام بالبحث والتكوين فأصدرت مجلة محكمة كما نشرت الدار العربيّة للكتاب وغيرها بعض الأطاريح التي نوقشت فيها وأثرت المكتبة الإسلاميّة التونسيّة بدراسات حول تفسير عمر ابن الخطاب أو الإباضية في الجريد أو علم الحيل في الفقه الإسلامي أو الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزيرية وغير ذلك، بقيت الكلية على حالها في ممارسة دورها التعليمي إلى أن نشأت حركة الاتجاه الإسلامي النهضة فيما بعد وفي إطار الخلاف السياسي الدائر بينها وبين السلطة بعد تغيير السابع من نوفمبر اتجهت هذه الأخيرة إلى ممارسة سياسة سحب البساط متوهّمة أن إضافة جرعات من التديّن الشكلي كفيلة بالحدّ من خطورة الحركة، في هذا الإطار قامت بجملة من الخطوات من بينها تحويل الكلية إلى جامعة وهو ما يعني الترفيع من ميزانيتها وعدد الموجّهين لها من الطلبة وما ينتج عن ذلك من الترفيع في عدد الأساتذة، بعد سنوات قليلة تفطنت السلطة إلى الخطأ الفادح الذي ارتكبته لتتراجع عن بعض ما قامت به كالحدّ من عدد الطلبة وغير ذلك لكن ما أن وقعت أحداث سنة 2011 حتى هجمت حركة النهضة على جامعة الزيتونة وجلبت لها منتسبيها الفارين إلى الخارج بعد صدور أحكام قضائية في حقهم وعيّنت أتباعها في إدارتها لتصبح في خدمة حركة النهضة إلى يوم الناس هذا يدلّ على ذلك:
1) دفاعها عن الحركة دفاعا مستميتا سواء في الانتخابات أو في المعارك التي تشنّها على مخالفيها وحتى في عزل إمام لتطرّفه ساهم أساتذتها في المظاهرات التي نظمت لإعادته.
2) إصدار البيانات المساندة للحركة وإمضاء الأساتذة ومن سيصبحون وزراء للشؤون الدينيّة عليها.
3) مشاركة أساتذتها في اجتماعات حركة النهضة وإنشاد الأمميّة الإخوانيّة.
4) مشاركة البعض من منتسبيها في مؤتمر أنصار الشريعة.
5) الدعوة إلى تسفير شبابنا إلى بؤر التوتر كسوريا والعراق وليبيا بدعوى الجهاد.
6) إسناد الشهادات الجامعيّة لتسوية الوضعيّات الإداريّة لمساجين الحركة ليصبح الكهربائي دكتورا وتصدر نقابة التعليم العالي بيان تنديد بشأنه.
7) حثّ الطلبة على دراسة مواضيع لخدمة حركة النهضة كأن يقدم الغنوشي في ثوب المفكر الإسلامي المجدّد أو الدعوة إلى إعادة النظر في أحكام الأسرة.
لكلّ هذه الأسباب وجب أن نفرق بين زيتونتين واحدة تاريخيّة لم يعد لها وجود إلا في بطون الكتب والجرائد والثانية منتحلة للاسم تتاجر به وهو ما نلاحظه لدى البعض كالإندونيسيين والماليزيين الذين يعتقدون أن زيتونة اليوم تحمل عبق التاريخ ولا يدرون أنّ فضائحها تزكم الأنوف يكفي التذكير بأن بعض أساتذتها لصوص كلّ هذا فضلا عن المستوى المتدني لما تنشر في دور نشر غير محكمة كمجمع الأطرش أو دار المازري.
الزيتونة زيتونتان
2026-09-29
89 قراءة
مقالات رأي
أنس الشابي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
امتدادات معرفية ذات صلة
1
الإمام محمد الخضر حسين: دراسة تحليلية في أبعاد الفكر الإصلاحي والمسيرة النضالية بين حاضرتي الزيتونة والأزهر
2
عن معركة التجنيس وشيوخ الزيتونة
3
عن قيس سعيد والزيتونة
4
كلمة الدكتور المنجي الكعبي في حفل تكريمه
في ندوة دخول المصحف الشريف البلاد التونسية المنعقدة بجامع الزيتونة - تونس
5
دفاعا عن الزيتونة
6
الزيتونة وجماعة الإخوان المسلمين
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال