في تونس يبدو أننا أصبحنا بارعين في مطاردة الأشياء الصغيرة وترك الأشياء الكبيرة تكبر أمام أعيننا.
نطارد الشاب الذي يحمل قرصا ونقبض على المروج الذي يقف في آخر السلسلة ونصادر السيارة التي أخفت الشحنة ونصور المحجوزات أمام الكاميرات ثم نعلن النصر وكأننا أسقطنا إمبراطورية كاملة.
وبعد أيام تعود الحبوب إلى الشوارع ويعود الكوكايين إلى الأسواق وتعود الأقراص إلى الأحياء وتعود الشبكات إلى العمل وكأن شيئا لم يحدث.
فما الذي حدث إذن؟ أمسكنا بالذيل وتركنا الجسد يركض.
عندما تقول الدولة إن تونس سجلت خلال سنة 2025 نحو 15253 قضية مخدرات تورط فيها 27338 شخصا من بينهم أكثر من 10 آلاف مروج وأن 89 % من القضايا مرتبطة بالفئة العمرية بين 19 و40 سنة فإن الرقم لا يسمح لنا بالاختباء وراء عبارة ظاهرة اجتماعية.
نحن أمام سوق والسوق لا تولد من العدم.
السوق لها عرض وطلب وتمويل ونقل وتخزين وتوزيع وهوامش ربح وحسابات وأصول وواجهات ووسطاء وفي النهاية لها مال يبحث عن طريق كي يتحول من مال حرام إلى مال يبدو قانونيا. وهذه هي النقطة التي يبدو أننا لا نحب كثيرا الوصول إليها لأن الوصول إليها يعني أن علينا أن نسأل أسئلة أكثر إزعاجا من سؤال من كان يحمل الكيس؟
من دفع ثمن الكيس؟ومن دفع ثمن السيارة؟ومن دفع ثمن الطريق؟ومن دفع ثمن الصمت؟ومن يستلم الأموال في النهاية؟ومن يستطيع أن يعيد تشغيل الشبكة بعد سقوطها؟
هنا يبدأ التحقيق الحقيقي وهنا أيضا تبدأ المنطقة التي تصبح فيها المخدرات أقل شبها بالجريمة الصغيرة وأكثر شبها باقتصاد مواز يشتغل في الظلام.
والدولة مع الأسف كثيرا ما تتعامل مع هذا الاقتصاد كما لو كان بائعا متجولا فتمسك به و تصادر بضاعته و تسجله في المحضر ثم تظن أن السوق انتهت لكنها لم تنته لأن السوق لا تسكن في الشخص الذي قبضنا عليه.
السوق تسكن في الشبكة التي يستطيع الشخص أن يعمل داخلها وفي المال الذي يستطيع أن يشتري به شحنة جديدة وفي الطلب الذي ينتظر البضاعة وفي الحدود التي يمكن عبورها وفي الميناء الذي يمكن استغلال حركة آلاف السيارات والحاويات والمسافرين فيه وفي الواجهات التي يمكن أن تختبئ خلفها الأموال.
وهنا يجب أن نتوقف عن استعمال كلمة «مخدرات» بطريقة ساذجة.
المخدر ليس الكيس و لا الحبة و لا الكيلوغرام.
المخدر هو اقتصاد كامل غير قانوني لكنه اقتصاد مع ذلك وله عرض و طلب و لوجستيك و تمويل و إدارة للمخاطر و شبكة علاقات و أرباح.
وهذه الأخيرة هي التي يجب أن تقلق الدولة أكثر من الحبة نفسها لأن الحبة إذا ضبطتها انتهت.
أما المال الذي صنع الحبة فإذا أفلت فسوف يصنع ألف حبة أخرى.
وهنا تكمن المفارقة التونسية ،نحتفل كثيرا بالمحجوزات ونادرا ما نتحدث بما يكفي عن الأموال التي مولت هذه المحجوزات.
نعلن عن الكيلوغرامات ونصور الأقراص ونعد السيارات ونحصي الموقوفين ولكن أين الحساب البنكي الذي دفع؟
أين العقار الذي اشتري؟ أين الشركة التي تحولت إلى واجهة؟ أين الأموال التي تحركت قبل الشحنة وبعدها؟ أين المستفيد الحقيقي؟
هذه الأسئلة هي التي تخيف اقتصاد الجريمة.
أما سؤال من كان يحملها؟ فقد يكون أحيانا أسهل سؤال في الملف.
والأرقام التي ظهرت خلال 2025 و2026 تجعل من المستحيل الاستمرار في التعامل مع الظاهرة كأنها مجموعة حوادث متفرقة.
عشرات الكيلوغرامات من القنب الهندي تضبط في عمليات مختلفة وكميات من الكوكايين تظهر في الصخيرة ورأس جدير و أم العرائس والذهيبة ومناطق أخرى وآلاف الأقراص تصل عبر البحر وعشرات الآلاف من أقراص البريجابالين تظهر في المعابر وعمليات أخرى تكشف الإكستازي بكميات كبيرة.
وفي حلق الوادي مثلا أعلنت الديوانة عن ضبط شحنات من القنب الهندي قادمة من موانئ متوسطية كما تم ضبط أكثر من 10 آلاف قرص إكستازي قادمة من مرسيليا في إحدى العمليات فماذا يعني كل ذلك؟
يعني أن تونس ليست أمام مروجين صغار يتكاثرون فجأة بل
نحن أمام سوق لها قنوات اتصال خارجية.
والسوق التي لها قنوات اتصال خارجية تحتاج إلى من يمولها ومن يديرها ومن يحميها ومن يضمن لها القدرة على إعادة التموضع كلما أغلقت الدولة طريقا و هنا تدخل الجغرافيا و تبدأ السياسة الأمنية الحقيقية.
تونس تقع في مكان لا يسمح لها بأن تتصرف وكأنها جزيرة معزولة في البحر.
المتوسط أمامها و الجزائر غربا و ليبيا جنوبا وشرقا وأوروبا على الضفة الأخرى وموانئ ومطارات ومعابر وحركة بشرية وتجارية هائلة.
هذه الجغرافيا يمكن أن تكون ثروة ويمكن أن تكون أيضا فرصة للجريمة المنظمة إذا لم تتحول الحدود إلى منظومة معلوماتية واستخباراتية متكاملة.
الجريمة لا ترى الحدود كما تراها الدولة.
الدولة تقول هنا تنتهي تونس وتبدأ ليبيا و الجريمة تقول هنا يبدأ الطريق.
الدولة تقول هذا ميناء تونسي و الجريمة تقول هذه نقطة عبور.
الدولة تقول هذا حساب بنكي و الجريمة تقول هذه محطة لإخفاء الأرباح.
الدولة تقول هذه شركة و الجريمة تسأل هل يمكن استعمالها كواجهة؟
وهذا هو الفارق بين عقل الدولة وعقل الشبكة فالشبكة لا تهتم كثيرا بالخرائط السياسية و بالفراغات.
أين الرقابة أضعف؟أين الحركة أكبر؟أين الوثائق أسهل؟
أين يمكن إخفاء الشحنة؟أين يمكن تحويل الأموال؟
وأين يمكن أن يتحول المال القذر إلى مال يبدو نظيفا؟
من هنا تأتي ليبيا ،البيئة الإقليمية المضطربة ومسارات العبور العابرة للحدود تفرض على تونس أن تتعامل مع الحدود الليبية باعتبارها ملفا أمنيا استراتيجيا بالغ الحساسية.
فهل تتعامل تونس مع الحدود باعتبارها مجرد نقاط عبور أم باعتبارها منظومة كاملة يجب أن تعرف الدولة ما يحدث فيها قبل أن تصل الشحنة إلى الداخل؟
رأس جدير وحده يكفي لفهم المشكلة.
في فيفري 2025 ضبطت الديوانة نحو 24900 كبسولة بريجابالين 300 ملغ مخفية في سيارة وفي عمليات أخرى ظهرت أعداد كبيرة من الإكستازي والكوكايين.
هنا لا تعود المسألة مسألة شاب أراد شراء حبوب بل نحن أمام عمليات تحتاج إلى مال ونقل وتخطيط ووسائل إخفاء وشخص ينتظر البضاعة بعد دخولها.
ومن يريد أن يقنعنا بأن الحلقة الأهم هي الشخص الذي يحملها فقط فهو إما لا يرى الصورة أو لا يريد أن يراها.
أما البريجابالين فهو قصة أخرى تستحق أن نتوقف عندها طويلا.
كيف يتحول دواء مشروع إلى سلعة في سوق سوداء؟
كيف تنتقل كميات ضخمة من بلد إلى آخر؟
كيف تمول؟كيف تنقل؟كيف توزع؟وأين تنتهي أرباحها؟
و هنا لا يكفي أن نقول ليريكا فالاسم التجاري لا يفسر الجريمة.
الحبة لا تفسر الشبكة و القرص لا يفسر الاقتصاد.
الذي يفسر هو الطريق الذي سبق القرص والمال الذي سبق الطريق والسوق التي تنتظر الوصول.
وعندما تتحدث السلطات عن مسارات دولية للبريجابالين فإن فالسؤال الذي يجب أن يطرح ليس فقط كيف ضبطنا الكمية وإنما كيف دخلت هذه الكمية إلى الدورة الإقليمية أصلا ومن الذي يملك القدرة على تحريك مثل هذه الكميات عبر دول متعددة.
وهنا ندخل إلى الموانئ فالميناء ليس بابا بل مدينة متحركة
من سفن و حاويات و شاحنات و سيارات و مسافرون و وكلاء و شركات و وثائق و مخازن و تفريغ و ترانزيت و آلاف العمليات القانونية يوميا.
ومن السذاجة أن نعتقد أن الحل هو تفتيش كل شيء بالطريقة نفسها غلا توجد دولة تستطيع ذلك.
ولذلك فإن الدولة الحديثة لا تبحث فقط عن الشيء الممنوع وإنما تبحث عن السلوك غير الطبيعي و عن المسار غير المعتاد و عن العلاقة غير المنطقية و عن المخاطر المتراكمة.
الأشعة مهمة و الكلاب مهمة و التفتيش مهم لكن المعلومة أهم لأن ضبط الشحنة لا يخبرك وحده من صنع السوق.
المعلومة هي التي تخبرك والمعلومات لا قيمة لها إذا بقيت محبوسة داخل الإدارات.
الديوانة تعرف شيئا و الأمن يعرف شيئا و الحرس يعرف شيئا و القضاء يعرف شيئا و الجهات المالية تعرف شيئا والشبكة تعرف كل شيء وهذه هي المشكلة.
الشبكة ترى الصورة كاملة و الدولة ترى أجزاء الصورة.
ولهذا يجب أن تتحول الحرب على المخدرات من حرب إدارات إلى حرب منظومة.
لا نحتاج إلى عشرات الأجهزة التي تعمل بجوار بعضها البعض بل نحتاج إلى دولة تستطيع أن تجعل هذه الأجهزة ترى الملف نفسه من زوايا مختلفة.
لأن الديوانة قد ترى السيارة التي عبرت والأمن قد يرى صاحبها والقضاء قد يرى الملف والجهة المالية قد ترى حسابا لكن لا أحد سيكتشف الشبكة إذا بقيت كل معلومة في درج منفصل.
الجريمة المنظمة لا تخاف من كثرة المحاضر بل تخاف من ربط المحاضر.
وهنا نصل إلى المال.
والمال يا سادة هو القصة التي لا تحب الشبكات أن يسمعها أحد لأن المخدر يمكن أن يختفي أما المال فيترك أثرا.
حسابا و تحويلا و عقارا و سيارة و شركة وشراء بيع و شخصا ظهر فجأة بثروة لا تتناسب مع نشاطه.
لكن يجب أن نكون دقيقين هنا أيضا فلا يجوز تحويل هذا المنطق إلى حملة اتهامات عشوائية.
الثروة ليست جريمة والنجاح التجاري ليس دليلا على غسل الأموال والشبهة ليست إدانة فالدولة الجادة لا تفتش عن ضحايا للتشهير بل عن أدلة قابلة للتحقيق والقضاء.
لكن الدولة الجادة أيضا لا تغلق عينيها أمام المال.
إذا كانت هناك شحنة كبيرة فمن دفع ثمنها؟و إذا كانت هناك شبكة من يمولها؟ و إذا كانت هناك أرباح ضخمة أين تذهب؟
و إذا كانت هناك أصول مرتبطة بجريمة مثبتة من يملكها؟
و إذا كانت الأموال تتحرك بين دول لماذا تتحرك؟
هذه ليست أسئلة للزينة بل هي الأسئلة التي يمكن أن تفكك الشبكة.
ولذلك فإن اللجنة التونسية للتحاليل المالية ليست مؤسسة هامشية في هذه الحرب.
وظيفتها في تلقي وتحليل التصاريح المتعلقة بالعمليات المشبوهة تجعلها جزءا من الحلقة التي يجب أن تتقاطع مع التحقيقات الكبرى في الجريمة المنظمة.
القضية ليست في وجود المؤسسات فقط وإنما في قدرتها على العمل معا وفي الوقت المناسب.
لأن المال إذا سبق الدولة بخطوة اختفت الجريمة داخل الاقتصاد وهنا يصبح الخطر أكبر فقد تتحول الأرباح إلى عقار إلى سيارة،إلى شركة،إلى نشاط تجاري،إلى استثمار،إلى أصول لا تحمل على وجهها أي علامة تقول «أنا مال مخدرات».
وهنا تكون الجريمة قد غيرت ملابسها وهذا أخطر ما فيها.
الجريمة عندما تحمل الكوكايين يمكن رؤيتها.
و عندما تحمل الأموال داخل الاقتصاد تصبح أقل ظهورا.
ولهذا فإن الدولة التي تطارد المخدر ولا تطارد المال تشبه من يحاول إطفاء النار وهو يترك الوقود في مكانه.
أما السجن فله قصة أخرى.
السجن يجب أن يقطع علاقة الإنسان بالجريمة لكن لا يجوز أن نعيش في وهم أن وضع الجميع في الخانة نفسها هو سياسة جنائية ذكية.
المستهلك ليس هو المروج المحترف والمروج الصغير ليس هو المنظم والمنظم ليس هو الممول الدولي والممول ليس هو الشخص الذي يغسل الأموال.
كلما عجز القانون عن التمييز بين هذه المستويات أصبحت المعركة أقل دقة ولهذا فإن النقاش حول القانون عدد 52 يجب أن يخرج من المسرح السياسي الصاخب إلى أرض السياسة الجنائية العقلانية كيف نعالج الإدمان؟
كيف نمنع العودة إلى الاستهلاك؟ كيف نميز بين الأدوار؟ كيف نوجه قوة الدولة إلى الشبكات التي تملك التمويل واللوجستيك؟
وكيف نضمن في الوقت نفسه المحاكمة العادلة والحقوق الأساسية؟
ليس المطلوب أن تكون الدولة رحيمة مع الجريمة المنظمة ولا أن تكون عمياء عن المدمن بل أن تعرف الفرق.
فالمدمن يحتاج إلى علاج والشبكة تحتاج إلى تفكيك وهذا ليس تناقضا بل هذا هو عقل الدولة.
أما أن نضع الجميع داخل سلة واحدة ثم نتساءل لماذا لا تختفي السوق فذلك ليس حلا بل إعادة إنتاج للمشكلة.
ثم تأتي الحلقة التي لا يريد أحد أن يتحدث عنها كثيرا ألا هو الطلب فمن أين يأتي المستهلك؟لماذا يستهلك؟ما الذي يبحث عنه؟لماذا يستطيع المروج أن يجد زبونا؟لماذا يستطيع السوق أن يتوسع؟
لا يمكن تفسير كل شيء بالفقر ولا كل شيء بالبطالة ولا كل شيء بالأسرة ولا كل شيء بالشارع لكن من السذاجة أيضا أن نتجاهل الفراغ الاجتماعي والثقافي والنفسي الذي تستغله الشبكات.
المال السريع و القوة السريعة و صورة النفوذ و الاستعراض و الإحساس بالانتماء كلها يمكن أن تصبح جزءا من اقتصاد الطلب وهنا تصبح الوقاية جزءا من الأمن والعلاج جزءا من الأمن والمدرسة جزءا من الأمن والإدماج جزءا من الأمن.
لكن لا أحد يجب أن يستعمل هذا الكلام للهروب من السؤال الأكبر: من يمول السوق؟
لأن الدولة تستطيع أن تعالج ألف مستهلك لكن إذا بقيت الشبكة قادرة على إدخال عشرة آلاف حبة جديدة فسوف تعود المشكلة من النافذة بعد أن أخرجناها من الباب.
ولهذا يجب أن تتغير فلسفة الحرب كلها.
لا نريد دولة تعد المحجوزات فقط بل دولة تقيس قدرة الشبكات على إعادة البناء.
لا نريد دولة تسأل كم شخصا أوقفنا بل دولة تسأل كم شبكة فككنا.
لا نريد فقط معرفة كمية الكوكايين التي ضبطناها بل معرفة من مولها.
لا نريد فقط معرفة عدد الأقراص بل معرفة من دفع ثمنها.
لا نريد فقط معرفة من عبر الحدود بل نريد معرفة من بنى الطريق.
وهنا يأتي الذكاء الاصطناعي وتحليل الشبكات والبيانات الكبرى لا كموضة تقنية وإنما كأدوات دولة.
إذا كانت الشبكة تستطيع أن تربط عشرات الأشخاص والسيارات والهواتف والحسابات والواجهات التجارية فلماذا لا تستطيع الدولة أن تفعل الشيء نفسه ضمن القانون؟
لماذا لا تكون هناك قاعدة بيانات وطنية متكاملة للقضايا الكبرى؟
لماذا لا يمكن وفق الضوابط القانونية ربط المعطيات الجمركية بالقضائية والمالية والأمنية؟
لماذا لا تبحث الخوارزميات عن العلاقات المتكررة؟
لماذا لا يصبح ظهور اسم أو سيارة أو شركة في ملفات متعددة سببا لتحليل أعمق؟
لماذا تبدأ الدولة في كل مرة من الصفر؟
هذه الأسئلة ليست ترفا بل صميم الأمن الحديث.
الجريمة أصبحت شبكية فلماذا تبقى الدولة خطية؟
الجريمة تتحرك بسرعة فلماذا تتحرك الإدارة بسرعة البريد التقليدي؟
الجريمة تعبر الحدود فلماذا تتوقف المعلومة عند الحدود؟
الجريمة لا تنتظر المراسلات فلماذا تنتظر الدولة؟
هذه ليست معركة ضد «الزطلة» فقط بل معركة على قدرة الدولة نفسها.
لأن الاقتصاد الإجرامي إذا كبر بما يكفي يبدأ في إنتاج شيء أخطر من المخدر: يبدأ في إنتاج نفوذ.
والمال عندما يكبر يمكن أن يشتري واجهات والواجهات يمكن أن تشتري خدمات والخدمات يمكن أن تشتري الصمت والصمت يمكن أن يحمي الشبكة.
وهنا تصبح المسألة أمن دولة لا مجرد ملف مخدرات.
ولهذا يجب أن يكون التعامل مع الموانئ والمعابر والحدود أكثر ذكاء ومع المال أكثر صرامة ومع القضاء أكثر تكاملا ومع الصحة أكثر قدرة على العلاج ومع الأمن أكثر اعتمادا على تحليل الشبكات.
أما أن ننتظر كل مرة سيارة مشبوهة حتى نعلن الانتصار فهذا يعني أننا ننتظر الجريمة كي تتحرك ثم نتحرك خلفها.
الدولة يجب أن تسبقها وهذا ممكن لكن بشرط واحد:
أن تتوقف الدولة عن النظر إلى كل عملية باعتبارها عملية منفردة.
لا توجد عملية منفردة عندما يكون وراءها اقتصاد.
كل شحنة يجب أن تكون خيطا و كل خيط يجب أن يقود إلى علاقة و كل علاقة يجب أن تقود إلى مال وكل مال يجب أن يقود إلى أصل وكل أصل يجب أن يقود إلى شبكة.
وعندما تصل إلى الشبكة لا تسأل فقط من قبضنا عليه.
بل اسأل هل تستطيع الشبكة أن تعمل غدا؟
إذا كانت الإجابة نعم فلم نفككها.
وإذا كانت الإجابة لا فهنا فقط يمكن الحديث عن ضربة حقيقية.
هذه هي المعادلة التي يجب أن تفهمها تونس.
المخدرات لا تدخل البلاد فقط عبر الحدود بل تدخل عبر ضعف التنسيق وتدخل عبر هشاشة المعلومات وتدخل عبر الطلب وتدخل عبر المال وتدخل عندما تستطيع الشبكة أن تجد في الدولة إدارات كثيرة لكنها لا تجد دولة واحدة.
وهذه هي المفارقة الكبرى.
لدينا أمن و ديوانة وحرس و قضاء و أجهزة مالية و صحة و قوانين و اتفاقيات.
لكن هل لدينا منظومة واحدة ترى الجريمة كجسم واحد؟
هنا السؤال وهنا الاختبار لأن الشبكة الإجرامية لا تعمل في جزر منفصلة فلماذا تعمل الدولة كذلك؟
أخطر خطأ يمكن أن ترتكبه تونس هو أن تنجح في كل معركة صغيرة وتخسر الحرب الكبيرة و أن تمسك بالمروج لكن يظل الممول حرا و أن تضبط الشحنة لكن يبقى رأس المال جاهزا لشحنة أخرى و أن تملأ السجون لكن لا تنخفض القدرة على إعادة إنتاج السوق و أن تحتفل بالأرقام بينما السوق نفسها تتعلم وتتكيف.
الجريمة تتعلم فهل تتعلم الدولة؟
الجريمة تغير الطريق فهل تغير الدولة أدواتها؟
الجريمة تغير طريقة الإخفاء فهل تغير الدولة طريقة التحليل؟
الجريمة تغير واجهتها فهل تبحث الدولة عن المال بدل الاسم؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تخرج من صفحات الأخبار إلى صلب السياسة العامة لأن المسألة لم تعد مجرد مخدرات.
المسألة هي هل تستطيع الدولة أن ترى ما لا تراه العين؟
هل تستطيع أن تصل إلى المال؟هل تستطيع أن تربط الملفات؟هل تستطيع أن تفهم الحدود باعتبارها شبكة لا خطا؟هل تستطيع أن تحول الميناء إلى جهاز استشعار اقتصادي وأمني لا مجرد بوابة؟
هل تستطيع أن تجعل القضاء والأمن والديوانة والجهات المالية يعملون على الصورة نفسها؟
إذا استطاعت تبدأ المعركة الحقيقية وإذا لم تستطع
فسنواصل الاحتفال بالانتصارات الصغيرة بينما تكبر الإمبراطورية في الخلفية.
لنقلها بلا مكياج ،المخدرات ليست مجرد زطلة وليست مجرد ليريكا وليست مجرد كوكايين وليست مجرد إكستازي وليست مجرد سيارة عبرت رأس جدير فكل ذلك هو الواجهة.
أما القصة الحقيقية فهي اقتصاد كامل يشتغل من أجل المال.
مال يأتي من السوق وسوق تغذيها الشبكات وشبكات تحتاج إلى طرق وطرق تحتاج إلى حدود وحدود تحتاج إلى ثغرات وأرباح تحتاج إلى غسل وغسل يحتاج إلى واجهات.
وهكذا تصبح الحبة الصغيرة قمة جبل جليد هائل.
لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يزعج الدولة ليس كم حبة ضبطنا؟بل كم شبكة أفقدناها القدرة على العمل؟وليس كم مروجا أوقفنا؟بل كم ممولا وصلنا إليه؟وليس كم سيارة صادرنا؟بل كم مصدرا ماليا جففنا؟وليس كم كيلوغراما حجزنا؟بل كم سوقا قطعنا عنها القدرة على إعادة التمويل؟
و هنا تبدأ الدولة الحقيقية و تنتهي لعبة الأرقام وحدها.
لأن الدولة التي تلاحق الحبة فقط تشبه من يقطع أوراق الشجرة ثم يعلن أنه قضى على الغابة.
أما إذا وصلت إلى الجذور و المال و الشبكة و التمويل و اللوجستيك و الطلب و القدرة على إعادة البناء فإن المعركة تصبح مختلفة.
المعركة ليست مع من يحمل الحبة فقط بل مع من يجعل الحبة ممكنة و مع من يبيع في الحومة فقط و مع من يمول السوق.
ليست مع السيارة التي تعبر الحدود فقط بل مع من بنى الطريق.
وليست مع الشحنة فقط بل مع المال الذي دفع ثمنها.
وهنا بالضبط يجب أن تبدأ تونس.
من المال لأن المال يترك أثرا ومن الأثر تبدأ الخيوط ومن الخيوط تظهر العلاقات ومن العلاقات تظهر الشبكة.
ومن الشبكة يظهر الرأس الحقيقي حتى لو لم يكن هناك رأس واحد.
وعندما تجفف الدولة المال وتفكك العلاقات وتضرب الطلب بالعلاج والوقاية وتغلق الثغرات في الموانئ والمعابر وتربط الأمن بالديوانة بالقضاء بالجهات المالية عندها فقط تصبح الحرب على المخدرات حربا على اقتصاد المخدرات.
أما أن نطارد الحبة ونترك الإمبراطورية فذلك ليس انتصارا بل مجرد مطاردة للذيل.
والإمبراطورية لا تسقط عندما تضبط الدولة آخر مروج في الشارع بل تبدأ في السقوط عندما لا تجد مالا لتمويل الشحنة القادمة و عندما لا تجد طريقا آمنا و عندما لا تجد واجهة تختبئ خلفها و عندما لا تستطيع تحويل أرباحها إلى أصول و عندما تصبح كل شحنة خيطا يقود إلى المال وكل مال خيطا يقود إلى الشبكة.
عندها فقط يصبح للمحجوز معنى ويصبح للتوقيف معنى ويصبح للقانون معنى ويصبح للدولة معنى.
أما الحبة نفسها بكل ضجيجها فهي ليست سوى آخر شيء تراه العين والقصة الحقيقية تبدأ قبلها بكثير.
تونس في قبضة الكارتيل: من حبة ليريكا على الحدود إلى غسل الملايين في العقارات
2026-09-28
115 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال