بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

خلف بهرج قدّاس البابا.. اللائكيّة الفرنسيّة تواصل امتهان الدين

2026-09-28 16 قراءة مقالات فكر عبد المنعم حواس
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
يدأب أهل المشأمةِ جماعةُ التنوير عندنا على تثمين اللائكيّة وتقديم ما بلغته الحضارة الغربيّة في علاقتها بالأديان مثالًا وجب الاقتداء به. وقد بلغ الحال بإحدى المفتونات بالمثال الفرنسيّ أنّ تدّعي من خلال بهرج قدّاس بابا الفاتيكان في باريس أنّ "اللائيكيّة رفعة للدين"، فيما الحال تلك الزينة مخالف لزعمها.
واقع حال البابا في قدّاس باريس وغيره أنّه أشبه بالأمين العام للأمم المتّحدة. مجرّد منصب صوريّ، اسم بلا رسم، على رأس مؤسّسة شكليّة يلقي خطابًا عن مُثل ومبادئ يعدم الأدوات ليجعل لها أثرًا فعليًّا على أرض الواقع.

بل إنّ حال البابا كان أدنى، إذ جعلته فرنسا – مهد اللائكيّة – يلقي خطابه الحنجوري وموعظته الهزيلة في ساحة الكونكورد حيث كان محاطًا بالرموز المعماريّة للماسونيّة والثورة الفرنسيّة التي جرّدت الكنيسة من دورها ونفوذها، واستأثرت بأدوات الفعل وراحت تستلب البشريّة وتفسدها. وهو خيارٌ غير اعتباطيّ البتّة لجماعة لطالما اعتنت بالرمزيّة في فعلها. وقد جعلوا البابا يمرّ في طريقه بالساسة والمرشّحين للانتخابات، ليبارك هناك من هم على رأس السلطة التنفيذيّة والتشريعيّة للأحكام الوضعيّة المنافية للتعاليم الكنسيّة.

إنّ المشهد في مجمله من الشانزيليزيه إلى ساحة الكونكورد في ما يسمونه عاصمة الأنوار فيما هي بالمنظور الديني عاصمة ظلمات، وبما أشرتُ إليه من مفارقة مقصودة باعثة على السخرية، يحمل إهانة جليّة من الدولة اللائيكيّة للدين وإذلالًا لرمزه، تلك الدولة التي تمارس وتقنّن الخطايا والرذائل وتجعل الكنيسة تباركها تحت مسميات الحريّة والتسامح.

مشهدٌ ذكّرني من ناحية أخرى بما صنع المنصور بن أبي عامر – ومن بعده – بالخلفاء الأمويين بالأندلس، وبفعل المماليك بالخلفاء العباسيين في مصر، وقت صيّروا الخلفاء مجرّد أداة شكليّة لنيل الشرعيّة، وأسكنوهم العجز والعزلة، وكانوا "حتّى لا تنال منهم الرطوبة" يجعلون لهم مواكب تمرّ بالعامّة دون اتصال فعليّ بهم. والجماهير تهتف بأسمائهم وتاريخهم فيما الراهن حكمًا وفعلًا بيد غيرهم.

كان حال البابا من ذاك، وإن كان ساسة فرنسا – وأوروبا – الذين يصنعون له هذا البهرج الفلكلوري لأغراض عدّة، هم بدورهم محدودو الفعل ضعيفو الرسائل أمام ساكن البيت الأبيض، الفاعل الغربيّ الأوحد، الذي لم يتوان عن مهاجمة خطاب البابا العاجز وضعاف الفعل من خلفه، فيما هو ينبري للفعل، أو بالأحرى للتعسف في الفعل بما يجر الوبال والقهقرة عليه وعلى قومه لا محالة.

وبالعود أخيرًا إلى جماعة المشأمة عندنا، فما يدّعون من تسامح يتبدّد عند مفارقة تثمين الفلكلور والصدّ عن الموعظة أو الواعظ بالأحرى، فيما يبقى المبتغى عندهم تبني واعلاء المثال اللائيكي قالبًا غربيًا جاهزًا، والانتقاص لزامًا من الدين ودوره دون وعي بالاختلاف الجوهريّ بينه والغربيّ. وهم يؤيّدون واقع التضييق عليه عندنا من الدولة الحديثة، ويرومون مضيّها أبعد من ذلك، إلى ما وراء بهرج قدّاس البابا.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال