بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

التراث التونسي: معركة السيادة الرمزية و ليس مجرد ذكرى

2026-09-17 3 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
التراث التونسي: معركة السيادة الرمزية و ليس مجرد ذكرى
ما يحدث في تونس في ملف التراث ليس قصة فخار سرقته صورة على فيسبوك ولا طبق هرب من الحدود ولا جبة ظهرت فجاة في اعلان تجاري .
ومن يختزل المسألة في هذه التفاصيل يكون قد فهم القشرة وترك العظم لان القضية الحقيقية اكثر احراجا من ذلك بكثير فتونس تملك تاريخا اكبر من قدرتها الحالية على ادارته وتملك ذاكرة حضارية هائلة لكنها لا تزال في كثير من الاحيان تتعامل معها بعقلية الموظف الذي يطمئن الى ان الملف موجود في الارشيف وكأن وجود الملف في الخزانة يعني ان العالم كله اصبح مجبرا على الاعتراف بمضمونه.

بينما الحقيقة القاسية هي ان الذاكرة التي لا تتحول الى معرفة موثقة ومنصة رقمية وملكية فكرية وسوق ودبلوماسية وقوة تفاوضية تبقى معرضة لان يعاد تفسيرها وتسويقها وتقديمها من طرف من يملك ادوات اقوى
وهذه ليست مؤامرة كونية ولا سرقة اسطورية بل هي ببساطة الطريقة التي يعمل بها العالم عندما تكون الدولة نائمة فوق كنزها ثم تستيقظ غاضبة لان غيرها اكتشف قيمة الكنز قبلها.
ولنبدأ من الارقام بدل الكلام الانشائي الذي تتقنه بيانات الوزارات عندما تريد ان تبدو الدولة غاضبة وهي في الحقيقة متاخرة فاليونسكو تسجل لتونس حاليا عشرة عناصر في قوائم التراث الثقافي غير المادي تبدأ بفخار نساء سجنان سنة 2018 ثم الصيد بالشرفية في جزر قرقنة سنة 2020 والكسكسي في السنة نفسها ضمن ملف مشترك مع الجزائر وموريطانيا والمغرب ثم الخط العربي سنة 2021 ضمن ملف عربي متعدد الدول والهريسة سنة 2022 والنخلة سنة 2022 ضمن ملف متعدد الدول والنقش على المعادن سنة 2023 ضمن ملف متعدد الدول وفنون الاداء لدى طوائف غبنتن سنة 2024 والحناء سنة 2024 ضمن ملف متعدد الدول والكحل العربي سنة 2025 ضمن ملف متعدد الدول. هذه ليست انطباعات صحفية ولا كلام صفحات فيسبوك هذه قائمة اليونسكو نفسها.

ومن هنا تبدأ المفارقة التي تستحق شيئا من الوقاحة
تونس ليست بلدا بلا تراث وليست بلدا عاجزا عن الوصول الى اليونسكو والدليل انها سجلت عناصرها بالفعل وان ملف فخار نساء سجنان الذي قدمته تونس حمل رقم 01406 وتمت الموافقة عليه في الدورة الثالثة عشرة للجنة سنة 2018 وان ملف الشرفية حمل الرقم 01566 وتم تسجيله سنة 2020 وان ملف الهريسة حمل الرقم 01710 وسجل سنة 2022 وان ملف طوائف غبنتن حمل الرقم 01875 وسجل سنة 2024.

إذن المشكلة ليست ان تونس لا تعرف طريق اليونسكو بل السؤال الاكثر ازعاجا هو ماذا تفعل تونس قبل اليونسكو وبعد اليونسكو لان التسجيل ليس صك ملكية ابدية كما يتخيل بعض الخطاب الشعبوي واليونسكو نفسها قالت بوضوح في قرارها المتعلق بالزي النسائي في شرق الجزائر ان التسجيل لا يعني اثبات الاصل ولا الملكية الحصرية ولا الملكية الفكرية للتراث غير المادي.
وهذه نقطة يجب ان تحفظ جيدا لان من يريد فعلا الدفاع عن التراث عليه ان يفهم قواعد اللعبة الدولية بدل ان يبيع للناس وهما مريحا اسمه سجلناه في اليونسكو وانتهى الامر.

وهنا تصبح المقارنة مع الجزائر مفيدة لا للشتم ولا للغيرة بل لقياس سرعة الحركة المؤسسية فالجزائر صادقت على اتفاقية اليونسكو للتراث غير المادي في 15 مارس 2004 بينما صادقت تونس عليها في 24 جويلية 2006 ثم اصبح لدى الجزائر حاليا 13 عنصرا مدرجا في قوائم التراث غير الماد منها اهليل قورارة سنة 2008 وطقوس وعرف صناعة لباس الزفاف في تلمسان سنة 2012 والحج السنوي الى ضريح سيدي الشيخ سنة 2013 ومعارف الامزاد سنة 2013 ضمن ملف متعدد الدول والسبيبة في جانت سنة 2014 والسبوع سنة 2015 وفنون قياس المياه في الفقارات سنة 2018 ضمن قائمة الصون العاجل ثم الكسكسي سنة 2020 ضمن ملف متعدد الدول والخط العربي سنة 2021 والراي سنة 2022 والنقش على المعادن سنة 2023 والحناء والزي الاحتفالي النسائي في شرق الجزائر سنة 2024.

وهنا لا نحتاج الى كذبة واحدة حتى نشن الهجوم فالارقام نفسها تكفي.
تونس لديها عشرة عناصر والجزائر لديها ثلاثة عشر لكن العدد وحده ليس معيارا للنجاح ولا يعني ان دولة افضل من اخرى لان بعض الملفات مشتركة وبعضها يندرج ضمن قوائم مختلفة وبعضها متعدد الدول ولذلك فإن السؤال الجدي ليس من عنده الرقم الاكبر بل من بنى منظومة وطنية تجعل التراث قابلا للتوثيق والحماية والاستثمار والنقل الى الاجيال والاسواق الدولية.

والجزائر لم تتوقف عند الراي مثلا بل سجلت الراي لدى اليونسكو سنة 2022 في ملف يحمل الرقم 01894 وقدمت اليونسكو نفسها وصفا لكيفية تحول الراي من ممارسة محلية الى ظاهرة وصلت الى المستوى العالمي بفضل انتقاله الى الفضاءات الثقافية والاحتفالات وانتشاره عبر فنانين معروفين مثل خالد ومامي.
هنا تكمن المسالة التي لا تريد الادارة الثقافية ان تسمعها التراث لا يصبح قوة بمجرد ان تضعه في ملف بل عندما تمتلك منظومة تجعل المعرفة الثقافية قابلة للانتقال والتسويق والتوسع عالميا.

والامر نفسه يظهر في ملف الزي النسائي في شرق الجزائر الذي سجل سنة 2024 حيث توضح وثائق اليونسكو ان العنصر كان مدرجا في قاعدة البيانات الوطنية الجزائرية سنة 2022 وان قاعدة البيانات تديرها الهيئة الوطنية للبحث في ما قبل التاريخ والانثروبولوجيا والتاريخ وان مراجعتها مقررة دوريا كل اربع سنوات ويمكن تحديثها بناء على طلب المجتمعات.
هذا هو الفارق بين دولة تجمع معلومات عن تراثها ودولة تبني نظاما مؤسسيا مستمرا لادارته.

اما تونس فلديها ايضا ما يثبت ان المشكلة ليست في غياب المادة الخام بل في كيفية استثمارها فمركز الموسيقى العربية والمتوسطية يعلن ان الصندوق المحفوظ في المكتبة الصوتية الوطنية كان يضم في افريل 2017 اكثر من ثلاثين الف عنوان موسيقي موزعة بين الايداع القانوني والتبرعات وجمعيات ميدانية واقتناءات وارشيف نشاطات المركز وصناديق مؤسسات اخرى ومن بين هذه المصادر اكثر من 9200 تسجيل من التبرعات واكثر من 8500 من الاقتناءات واكثر من 4200 من الايداع القانوني.
نحن لا نتحدث هنا عن حكاية جدتي ولا عن ذاكرة شفوية مبهمة بل عن عشرات الالاف من العناوين التي تقول المؤسسة نفسها انها محفوظة ضمن رصيدها.

وهنا يحق لنا ان نسال السؤال الوقح الذي تهرب منه اللغة الرسمية ماذا يفعل بلد يملك هذا الحجم من المادة الصوتية؟ هل تتحول الى قواعد بيانات بحثية؟
هل تتحول الى منتجات ثقافية رقمية؟
هل يتم رقمنتها واتاحتها وفق قواعد حقوق واضحة؟
هل يستفيد منها الباحثون وصناع الافلام والموسيقيون والمدارس والجامعات؟
هل تستخدم في الدبلوماسية الثقافية؟
هل يعرفها الجمهور العالمي؟ ام اننا سعداء جدا بمجرد ان نعرف ان الثلاثين الف تسجيل موجودة في مكان ما وكأن مجرد وجودها في مخزن قد حفظها الى الابد؟

وهنا ايضا ينبغي ان نكون دقيقين حيث لا يجوز ان نقول ان الدولة لم تفعل شيئا مطلقا فهذا كلام لا يثبته الدليل ولا يجوز ان ننسب الى وزارة او مؤسسة عجزا شاملا من دون تدقيق في برامجها وميزانياتها وتقاريرها لكن ما يمكن قوله بثقة هو ان وجود هذه الارصدة والملفات والتسجيلات لا يعني تلقائيا انها تحولت الى قوة ناعمة او قيمة اقتصادية او نفوذ دولي وهذه بالضبط هي الفجوة التي يجب ان تقاس بدل ان تختبئ وراء لغة الاحتفال.

خذوا فخار سجنان مثلا، اليونسكو لا تتحدث عنه كقطعة فخار جامدة بل تصف معرفة ومهارات تقوم بها نساء المنطقة وتوضح ان مراحل صناعة الفخار كلها تنجزها النساء وانهن يبعن منتجاتهن في القرية وعلى الطرق المجاورة وهو ما يعني ان التراث هنا مرتبط مباشرة بحياة اجتماعية واقتصادية حقيقية وليس مجرد قطعة توضع في واجهة متحف.

وخُذوا الشرفية في قرقنة، فاليونسكو تصفها كنظام صيد ثابت يستفيد من طبيعة قاع البحر والمد والجزر وتوضح كيف تستخدم سعف النخيل لصنع حواجز مثلثة توجه الاسماك نحو غرف الالتقاط.
هذه ليست حكاية فولكلورية للتصوير السياحي بل معرفة بيئية وتقنية متراكمة يمكن ان تكون موضوعا للبحث والتعليم والسياحة البيئية والاقتصاد المحلي اذا احسن ادارتها.

وخُذوا الهريسة، التي سجلتها اليونسكو سنة 2022 لا كعلبة فلفل حار على رف متجر بل كمعارف ومهارات وممارسات اجتماعية وغذائية مرتبطة بالمجتمع التونسي وبطرق الزراعة والتحضير والتخزين وانتقال المعرفة بين الاجيال.

هذه هي النقطة التي يجب ان تنفجر في وجه كل خطاب ثقافي كسول فنحن نملك عناصر يمكن ان تتحول الى معرفة وسياحة وصناعة غذائية وتصميم ومحتوى وتعليم وهوية تجارية لكن تسجيلها في اليونسكو ليس نهاية القصة بل بداية مسؤولية اكبر لان الاعتراف الدولي لا يعفي الدولة من بناء منظومة اقتصادية وقانونية وتقنية حول العنصر.

ولذلك فالمشروع الحقيقي يجب ان يبدأ من قاعدة بيانات وطنية موحدة للتراث لا من ملفات موزعة بين مؤسسات وان ترتبط كل مادة بسجل توثيقي واضح يضم المصدر والتاريخ والموقع والمجتمع الحامل للمعرفة والمراجع العلمية والصور والتسجيلات والوثائق ذات الصلة ثم يتم بناء طبقات حماية رقمية وسلاسل توثيق زمنية يمكن الاستناد اليها في النزاعات مع الانتباه الى ان تقنية البلوكشين ليست عصا سحرية ولا تمنح وحدها ملكية قانونية وان الـNFT ليس شهادة تاريخية ولا بديلا عن حقوق الملكية الفكرية وان الدولة التي تبيع لنا التكنولوجيا على انها الحل السحري تكون قد استبدلت خرافة البيروقراطية بخرافة رقمية جديدة.

المطلوب اكبر من ذلك بكثير .
المطلوب ان تنتقل تونس من عقلية تسجيل العنصر الى عقلية ادارة المنظومة من الجرد الى الاستثمار و من الارشيف الى البيانات و من المناسبة الى السياسة العامة و من المهرجان الى الصناعة و من الدفاع المتاخر الى الرصد المبكر ومن مجرد امتلاك الذاكرة الى امتلاك القدرة على تفسيرها وتوثيقها وترجمتها ونشرها وتسويقها وحمايتها.

وعندها فقط يمكن ان نفهم معنى السيادة الثقافية.

لان الدولة التي لا تعرف عدد ما تملك ولا اين يوجد ولا من يحمله ولا كيف ينتقل ولا كيف يوثق ولا كيف يحميه قانونيا ولا كيف يقدمه للعالم ليست دولة فقيرة في التاريخ وانما دولة فقيرة في ادارة التاريخ.

وهذا هو الجزء المهين في القصة.

ليس ان الاخرين يملكون تراثا بل اننا نملك تراثا ثم نتصرف معه كأنه عبء بيروقراطي.

ليس ان الاخرين يسجلون بل اننا احيانا لا نتحرك الا عندما يصبح الملف موضوعا للجدل.

ليس ان الاخرين يعرفون كيف يقدمون انفسهم بل اننا ما زلنا نعتقد ان العالم يعرفنا تلقائيا لاننا نعرف انفسنا.

والعالم لا يعمل بهذه الرومانسية إنما يعمل بالملف والبحث والارشيف والجامعة والمؤسسة والقانون والمنصة والسوق والدبلوماسية والقدرة على الاستمرار.

ومن يريد ان يحمي الذاكرة التونسية فعليه ان يتوقف عن البكاء عليها وان يبدأ في بناء الدولة التي تستحقها لان اخطر ما يمكن ان يحدث لتراث بلد ليس ان يختلف اثنان حول اصله، بل ان تكون الدولة صاحبة التراث نفسها عاجزة عن تقديم ملف علمي متكامل عندما تبدأ المعركة.

عندها لا تكون المشكلة في من اخذ الصورة بل في من ترك الاصل بلا صورة.

ولا تكون المشكلة في من كتب الرواية بل في من ترك الصفحة فارغة ثم غضب عندما كتبها غيره.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال