هناك أرقام ينبغي ألا تقرأها كما تقرأ نشرة البورصة أو أسعار الخضر لأن بعضها ليس أرقاما اقتصادية وإنما محاضر اتهام صامتة.
الرقم الذي يقول إن تونس صدرت خلال 2025 ما قيمته 63.695 مليار دينار واستوردت 85.495 مليار دينار أي بعجز بلغ 21.8 مليار دينار ونسبة تغطية لم تتجاوز 74.5% لا يخبرنا فقط بأننا اشترينا من العالم أكثر مما بعنا له
إنه يخبرنا أن هناك اقتصادا كاملا يعيش منذ سنوات على تسويات مؤقتة وعلى السياحة والتحويلات والاقتراض والاحتياطي والانتظار بدل أن يعيش بالدرجة الأولى على قدرته هو على الإنتاج والتصدير وخلق القيمة.
وإذا أضفنا إلى ذلك أن العجز بلغ خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 نحو 17.854 مليار دينار مع نسبة تغطية هبطت إلى 71.4% فإن استمرار النسق نفسه قد يقود إلى عجز يقارب 27 مليار دينار في نهاية السنة وهذه ليست نبوءة ولا حكما نهائيا بل إسقاط لاتجاه قائم.
فمن يدفع هذه الفاتورة؟؟؟؟؟؟؟
لا يوجد كائن اقتصادي غامض اسمه «الدولة» يدفعها من جيبه بل يدفعها الاقتصاد التونسي من قدرته على تمويل الواردات وتدفعها المؤسسات من حاجتها إلى العملة الصعبة ويدفعها المواطن في النهاية من الأسعار والضرائب والضغط على الخدمات وفرص العمل ومستوى المعيشة.
ولهذا فإن العجز التجاري ليس خبرا يخص الديوانة والمعهد الوطني للإحصاء والبنك المركزي فقط إنما في جوهره سؤال عن قدرة الدولة على البقاء منتجة لا مستهلكة ومفاوضة لا متلقية وصاحبة قرار لا مجرد إدارة لندرة العملة الصعبة.
والأسوأ أن من يحاول تفسير كل شيء بـ«الطاقة» يرتكب نصف الحقيقة ونصف الحقيقة في الاقتصاد قد يكون أخطر من الكذبة.
صحيح أن الطاقة وحدها صنعت في 2025 عجزا قدره 11.144 مليار دينار أي نحو 51% من العجز التجاري لكن المفاجأة التي ينبغي أن تزعج الجميع أن العجز غير الطاقي نفسه قفز من 8.058 مليار دينار في 2024 إلى 10.656 مليار دينار في 2025 بزيادة بلغت 32.2% ووصل خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 إلى 8.924 مليار دينار
في حين بلغ العجز الطاقي في الفترة نفسها نحو 8.930 مليار دينار.
أي أن تونس لو استيقظت غدا ووجدت حلا سحريا للطاقة فلن تستيقظ معها فجأة على اقتصاد بلا عجز بل سيبقى أمامها جبل يتجاوز 10 مليارات دينار سنويا من الاختلال غير الطاقي.
نحن لا نعاني فقط من فاتورة الطاقة بل من فاتورة نموذج اقتصادي كامل.
السياحة تجلب أكثر من 7 مليارات دينار وتحويلات التونسيين بالخارج تتجاوز 8.5 مليارات دينار أي ما يقارب 6% من الناتج المحلي وفق المعطيات الواردة والاستثمار الأجنبي يوفر بين 2.5 و3 مليارات دينار.
هذه الموارد مهمة جدا وهي إحدى الدعائم التي تخفف ضغط العجز الخارجي لكنها ليست بديلا عن اقتصاد يصدر بقوة فالسائح يمكن أن يغيب بسبب حرب أو وباء أو أزمة أوروبية والمهاجر يمكن أن تتغير ظروفه والاستثمار الأجنبي يمكن أن يتباطأ بسبب أسعار الفائدة أو المخاطر الدولية. ولذلك فإن تحويلات الخارج والسياحة والاستثمار يمكن أن تمنح تونس وقتاً لكنها لا تمنحها بالضرورة قوة إنتاجية جديدة.
أما احتياطي العملة الصعبة فلا ينبغي أن نتعامل معه كما لو كان حصنا منيعا .
تراوح في الفترات المذكورة بين 91 و107 أيام توريد
نحو 25.425 مليار دينار و107 أيام في فيفري 2026 وأكثر من 25.6 مليار دينار و105 أيام في ماي ثم هبط بعد سداد نحو 700 مليون يورو إلى 22.955 مليار دينار و91 يوما في جويلية قبل أن يتعافى جزئيا إلى نحو 25.155 مليار دينار و98 يوما في أوت .
الدرس ليس أن الاحتياطي انهار بل أن حجمه يتأثر بسرعة بمواعيد السداد وبفاتورة الاستيراد أي أن القوة الظاهرة يمكن أن تتقلص في لحظة إذا جاءت صدمة خارجية في التوقيت الخطأ.
ثم تأتي قائمة الواردات لتكشف لنا أن الاقتصاد لا ينزف من جرح واحد فخلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 ارتفعت واردات الطاقة بنحو 28.5% والمواد الأولية ونصف المصنعة 7.9% ومواد التجهيز 6.2% والسلع الاستهلاكية غير الغذائية 8.2% والمواد الغذائية والفلاحية 17.1%.
وفي 2025 ارتفعت واردات المواد الاستهلاكية غير الغذائية بـ 11.7%.
هنا ينبغي أن نكون دقيقين فليست كل واردات الآلات جريمة وليست كل المواد الأولية نزيفا لأن المصنع يحتاج إلى آلات ومواد وسيطة كي ينتج ويصدر لكن المشكلة تظهر عندما تتحول نسبة متزايدة من العملة الصعبة إلى استهلاك نهائي لا يخلق في المقابل قدرة إنتاجية أو تصديرية.
وهنا تحديدا يجب أن نتوقف عن إنتاج تلك الحكمة الكسولة التي تقول أن «التونسي يحب سلعة الخارج».
التونسي لا يشتري السلعة الأجنبية دائما لأنها أفضل وإنما أحيانا لأنه يعتقد أنها أفضل وبين الجودة الحقيقية والجودة المتخيلة توجد إمبراطورية كاملة من العلامة التجارية والتغليف والتسويق واللغة والصورة الذهنية.
وهنا نصل إلى أكثر عقدنا الاقتصادية إحراجا و هي السلعة Made in Europe.
هناك منتجات يراها المستهلك التونسي في متجر أوروبي فيمنحها شهادة جودة قبل أن يقرأ مواصفاتها.
يرى الفرنسية أو الإيطالية أو الألمانية على العلبة فيطمئن و يرى منتجا تركته أوروبا في سوق الملابس المستعملة فيقول «أوروبي» حتى لو لم تصنع أوروبا القماش أصلا.
يرى مستحضرا تجميليا يحمل علامة أوروبية فيفترض أن كل شيء فيه ولد في باريس أو ميلانو مع أن الاقتصاد العالمي الحديث قائم على تفكيك سلسلة الإنتاج بين دول متعددة.
تصميم في دولة و مواد أولية من دولة ثانية و تصنيع أو تركيب في ثالثة و تعبئة في رابعة و علامة تجارية في خامسة وتوزيع وأرباح في سادسة.
وهنا يجب أن نفهم الفرق بين بلد التصنيع وبلد العلامة وبلد القيمة.
قد يصنع المصنع التونسي قطعة ملابس لحساب علامة أوروبية ثم تغادر القطعة تونس وتعود إليها يوما ما وهي تحمل سعرا أعلى لأن اسم العلامة أضيف إليها.
المصنع التونسي أخذ أجرة التصنيع و صاحب العلامة أخذ جزءا أكبر من القيمة الرمزية والتجارية وهكذا لا تكون المشكلة أننا لا نملك القدرة على صناعة المنتج بل أننا لا نملك دائما العلامة التي تأخذ الجزء الأعلى ربحا من المنتج.
خذوا الملابس المستعملة مثالا أكثر سخرية فقطعة يمكن أن تكون قد صنعت في آسيا أو تونس أو تركيا ثم بيعت في أوروبا ثم استعملها شخص أوروبي ثم عادت إلى تونس ضمن سوق الملابس المستعملة فيتعامل معها المستهلك على أنها «أوروبية» لأن أوروبا مرّت بها.
إذن هي ليست مجرد مسألة استهلاك بل هزيمة نفسية في سوق القيمة.
وتتكرر القصة في مستحضرات التجميل وفي بعض المواد الغذائية وفي الأجهزة وفي منتجات العناية الشخصية. العلامة الأجنبية لا تضيف دائما جودة مادية مساوية للفرق في السعر لكنها تضيف ثقة وهذه الثقة نفسها صناعة اقتصادية.
أما زيت دوار الشمس القادم من تركيا فهو مثال جيد على ضرورة التفكير في سلسلة القيمة بدل الانفعال تجاه بلد المنشأ.
السؤال ليس «لماذا نشتري زيتا من تركيا؟» فقط
إنما هل نستطيع إنتاج جزء أكبر من احتياجاتنا؟
هل نستطيع تطوير الصناعات الزيتية والغذائية؟
هل نستطيع شراء مواد أولية أو تكنولوجيا ثم تحويلها إلى منتج تونسي؟ هل نستطيع بناء علامة تونسية قادرة على دخول السوق التركية نفسها؟
لماذا نكتفي دائما بالسؤال ماذا نشتري منهم؟ ولا نسأل بما يكفيماذا يمكن أن نبيع لهم؟
وهنا تظهر إحدى أكبر فضائح النموذج التونسي يا سادة
نحن نصنع للآخرين ثم نشتري منهم أحيانا المنتج نفسه بعد أن يضعوا عليه الاسم.
لدينا قطاع نسيج يضم نحو 1600 مؤسسة و 160 ألف موطن شغل ومع ذلك نستورد الملابس الجاهزة والأحذية من تركيا والصين وغيرها.
ليست المشكلة أن نغلق الباب أمام الواردات بل أن نسأل لماذا لم تنتقل قاعدة التصنيع التونسية بدرجة كافية من العمل للغير إلى امتلاك التصميم والعلامة والتوزيع.
المطلوب ليس أن تصبح تونس «خياط العالم» إلى الأبد بل أن تستخدم خبرتها الصناعية الحالية كجسر نحو علامات تونسية وتصميم تونسي وتكنولوجيا تونسية وسلاسل قيمة تونسية.
والمفارقة نفسها في صادراتنا فنحو 40% من الصادرات تتركز في الصناعات الميكانيكية والكهربائية وحوالي 20% في النسيج و12% في الغذاء بينما تشير المعطيات إلى محتوى محلي في حدود 60% مقابل مستويات أعلى في المغرب وتركيا ونمو للصادرات لم يتجاوز 2.6% في 2025.
هذه التركيبة تعني أننا ما زلنا معرضين لخطر كبير
نصدر كثيرا في قطاعات محددة لكننا لا نضيف دائما القيمة الكافية ولا نفتح بالسرعة المطلوبة قطاعات جديدة مثل صناعة السيارات المتكاملة في المغرب أو بعض مجالات التكنولوجيا في إستونيا أو الخدمات الرقمية الهندية.
ولذلك فإن العبارة القاسية التي ينبغي أن تكتب على باب كل مؤسسة مسؤولة عن التجارة والصناعة هي
لا يكفي أن نصدر بل يجب أن نعرف ماذا نصدر وكم نكسب من كل دينار من صادراتنا ومن يملك الجزء الأعلى من القيمة.
أما جغرافيا التجارة فتقدم لنا فضيحة أخرى فالاتحاد الأوروبي يستحوذ على نحو 69.9% من صادرات تونس و43.7% من وارداتها والصين تولد عجزا يتجاوز 5 مليارات دينار وبلغ العجز مع تركيا نحو 3.6 مليارات دينار قبل تعديل 2023 بينما لا تتجاوز إفريقيا جنوب الصحراء نحو 3% من المبادلات.
نحن إذن اقتصاد شديد الارتباط بأوروبا وفي الوقت نفسه لا يستثمر بالقدر الكافي في القارة الإفريقية التي يمكن أن تكون مجالا طبيعيا للتوسع.
وهنا لا بد من قول شيء يزعج الجميع ، تونس تتحدث كثيرا عن إفريقيا لكنها لا تبيع لها بما يكفي.
القارة لا تحتاج إلى خطب أخوية ولا إلى صور جماعية في المؤتمرات بل تحتاج إلى دواء يصل في موعده ومصنع يجد قطع غياره ومقاول يجد الإسمنت ومستشفى يجد تجهيزاته وجامعة تستقبل طلبته وشركة هندسية تنجز مشروعها وبنك يمول العملية وشركة تأمين تتحمل المخاطر وشاحنة تستطيع المرور.
تقديرات المادة تضع نحو 1.2 مليار دولار من الإمكانيات التصديرية غير المستغلة في إفريقيا جنوب الصحراء.
وهنا يمكن أن يصبح مشروع Africa Gateway سياسة حقيقية عبر رقمنة شهادات المنشأ وتطوير الخدمات اللوجستية وبناء ممرات تجارية والاستفادة من محور بن ردان ورأس جدير نحو ليبيا ثم أسواق الساحل مع دراسة ربط تونس بالنيجر وتشاد ومالي وبوركينا فاسو وإفريقيا الوسطى على المدى الطويل.
لكن الطريق ليس مفروشا بالورود فهناك عدم الاستقرار في ليبيا والساحل وضعف اللوجستيك ومنافسة المغرب وتركيا والصين وغياب شبكات توزيع تونسية قوية.
ومع ذلك فإن تونس تملك قطاعات تستطيع أن تدخل إفريقيا فنحو 40 مصنعا للأدوية يمكن تطوير صادرات الأدوية الجنيسة ومكونات السيارات والنسيج ومواد البناء وزيت الزيتون والتمور والصناعات الغذائية والخدمات الهندسية والتعليمية.
لا ينبغي أن نذهب إلى إفريقيا ببضاعة فقط بل يجب أن نذهب بمنظومة.
أما العالم العربي، فهناك الجزائر وليبيا ومصر وموريتانيا والخليج.
الجزائر يمكن أن تكون سوقا ومجالا للتكامل الصناعي وليبيا يمكن أن تكون سوقا ومنطقة عبور ومجالا للمناطق الحرة ومصر سوقا كبيرة في مواد البناء والأدوية وموريتانيا مدخلا غربيا والخليج مجالا للخدمات الهندسية والصحية والتعليمية.
وتشير المادة إلى إمكانات نمو كبيرة في بعض هذه المسارات لكنها تبقى رهينة بالإرادة السياسية والبنية اللوجستية والتمويل وقواعد المنشأ.
أما أمريكا اللاتينية، ففكرة المقايضة بين الفسفاط أو مشتقاته والحبوب مع البرازيل والأرجنتين جذابة على الورق لكنها في المدى القصير تصطدم بالمسافة وكلفة النقل وضعف الاتفاقيات التفضيلية وهيمنة لاعبين كبار على سلاسل القيمة ولذلك ينبغي ألا نحولها إلى «حلم إنقاذ» جديد.
العلاقات البعيدة تحتاج إلى بناء تدريجي لا إلى أوهام جغرافية.
لكن قبل أن نحلم بالتصدير إلى الأرجنتين علينا أن نصلح البيت.
هناك تجارة موازية تقدر المعطيات بأنها تمثل 40% من الواردات وتكلف الدولة أكثر من 2 مليار دينار سنويا من الجباية وتشوه المنافسة مع المؤسسة المنظمة.
الملابس القادمة من ليبيا والإلكترونيات من الجزائر والمواد الغذائية من تركيا وغيرها ليست مجرد «سوق سوداء» منفصلة عن الاقتصاد الرسمي إنما في جزء منها نتيجة طبيعية لاختلاله.
كلما جعلت الدولة القناة الرسمية مكلفة وبطيئة ومعقدة أصبح للباب الخلفي جمهور أكبر.
وهنا يجب أن تكون الدولة شرسة مع المهرب لكنها يجب أن تكون شرسة أيضا مع السبب الذي يصنع المهرب.
لا يمكن أن تخلق البيروقراطية المشكلة ثم تعلن الحرب على نتيجتها.
ولهذا فإن الإجراءات التي اتخذت منذ أكتوبر 2022 لمراقبة بعض عمليات الاستيراد واشتراط الفواتير والمؤيدات وتقييد تمويل البنوك لبعض السلع الكمالية وتعديل الاتفاق مع تركيا في ديسمبر 2023 عبر معاليم وصلت إلى 37.5%** على بعض المنتجات التي لها بديل محلي والمنظومة الرقمية للمستثمرين كلها أدوات يمكن أن تكون مفيدة لكن الأداة لا تصنع المعجزة إذا بقيت الإدارة بطيئة والتنسيق ضعيفا والتقييم غائبا والتجارة الموازية خارج المعالجة.
وهنا ندخل إلى الجدار القانوني الذي لا يراه المواطن.
تونس ليست حرة في أن تستيقظ صباحا وتضع أي حاجز تجاري تشاء فهناك اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي منذ 1995 والتزامات منظمة التجارة العالمية ومنها المادة XI من GAT المتعلقة بالقيود الكمية مع وجود استثناءات مرتبطة بميزان المدفوعات ضمن المادة XVIII(b) بشروطها إضافة إلى اتفاقيات EFTA وأغادير واتفاقيات ثنائية أخرى.
لذلك فإن الدولة الذكية لا تذهب إلى معركة تجارية بعقلية «سأغلق الحدود وانتهى الأمر» بل تستعمل الأدوات القانونية المتاحة عبر المواصفات الفنية و الصحة والسلامة و المطابقة و الفحص المخبري و مكافحة الإغراق و حماية المستهلك و المعايير البيئية والحماية المؤقتة المرتبطة بالأداء.
وهذا هو الفارق بين الدولة التي تعرف القانون والدولة التي تصرخ على القانون.
أما مجلة الصرف فهذه قصة أخرى فالإطار القائم منذ 1976 نشأ في زمن اقتصادي مختلف تماما عن اقتصاد المنصات والخدمات الرقمية والشركات الناشئة والعمل عن بعد والتجارة الإلكترونية.
الترخيص المسبق والرقابة الثقيلة يمكن أن تتحولا من أدوات حماية إلى أدوات تعطيل عندما يصبح العالم يتحرك في ثوان.
مشروع القانون عدد 115/2025 كما ورد في المادة يتجه نحو مزيد من حرية العمليات الجارية والرقابة اللاحقة مع معالجة حسابات العملة الأجنبية للشركات الناشئة وغيرها من المستجدات وهذه النقلة إذا صيغت ونفذت برقابة مالية سليمة يمكن أن تجعل النظام أكثر ملاءمة للاقتصاد الحديث.
لأن المفارقة الحالية قاسية فقد يكون هناك تونسي يبيع خدمة رقمية إلى الخارج أو مهندس يقدم خدمة تقنية أو شركة ناشئة تتلقى مدفوعات دولية ثم يجد نفسه أمام نظام قانوني نشأ في عصر كانت فيه حركة العملة أبطأ بكثير.
وفي الوقت نفسه تستطيع قنوات التجارة الموازية أن تجد طرقها الخاصة.
هذا ليس تشددا ناجحا بل اختلال في تصميم النظام.
ثم نأتي إلى السؤال الذي لا يحب أحد سماعه ، من الذي سيقاوم الإصلاح؟
البيروقراطية التي تخشى فقدان صلاحية والمستفيد الذي يعيش على الوساطة والمستورد الذي يربح من الندرة والوسيط الذي يربح من التعقيد والمؤسسة التي تريد حماية بلا تحديث والسياسي الذي يخشى كلفة أي قرار يرفع سعرا والفاعل الاجتماعي الذي يريد حماية مكتسباته والضغوط الدولية التي تريد إصلاحات من زاوية مصالحها.
لا يجوز اختزال كل هؤلاء في «أعداء الوطن و المتآمرين » لكن من السذاجة أيضا الاعتقاد بأن الإصلاح سيحدث تلقائيا لأن الجميع يحب التنمية لأن كل إصلاح يغيّر توزيع الأرباح يصنع مقاومة.
ولهذا تحتاج تونس إلى تحالف إصلاحي حقيقي يجمع المصدرين والصناعيين والكفاءات والشباب والمؤسسات الاقتصادية والمجتمع المدني لا إلى معركة شخصية مع هذا الشخص أو ذاك.
وإذا أردنا أن نتعلم فلنتعلم من الآخرين بلا عقد نقص.
الجزائر قلصت الواردات في مراحل مختلفة من نحو 60 إلى 35 مليار دولار بحسب المعطيات الواردة لكنها واجهت نقصا في بعض السلع وارتفاعا في الأسعار ونشاطا موازيا
فالحظر الشامل يستطيع خفض الرقم لكنه لا يبني بالضرورة اقتصادا تنافسيا.
تركيا قدمت نموذجا مختلفا عبر حماية انتقائية و رسوم إضافية في قطاعات محددة و معايير و تحفيز للاندماج المحلي ثم دفع المؤسسات نحو المنافسة.
الدرس هنا ليس «قلدوا تركيا» بل افهموا المبدأ الذي ينص ان الحماية إذا لم تنتج قدرة تنافسية تصبح مخدرا صناعيا.
مصر دفعت باتجاه نظام التسجيل المسبق للشحنات ACI والرقمنة لأن الدولة الحديثة لا ينبغي أن تكتشف السلعة بعد دخولها.
والمغرب بنى منظومة صناعية ولوجستية حول طنجة المتوسط والقنيطرة والتكوين المهني واستقرار الاستثمار حتى أصبحت صادرات السيارات عنصرا رئيسيا في منظومته التصديرية فيما تشير المادة إلى نحو 10 مليارات دولار في هذا القطاع.
أما فيتنام فبنت نموها على التصنيع الموجه للتصدير والانفتاح والتعليم والاستقرار والدرس المشترك ليس أن هناك وصفة واحدة بل أن النجاح لا يأتي من الحماية وحدها ولا من الانفتاح وحده بل من القدرة على تحويل الانفتاح إلى قوة إنتاجية محلية.
ولهذا يمكن لتونس أن تبني ما يمكن تسميته الترشيد الذكي عبر فرض معايير فنية وصحية وبيئية صارمة و فحص مخبري و رقمنة وربط الجمارك والبنوك والتجارة ثم حوافز ضريبية للمؤسسات التي ترفع الإدماج المحلي إلى مستويات مرتفعة، وصندوق للجودة والابتكار، وربط أي حماية بمؤشرات قابلة للقياس.
أما فرص إحلال الواردات فهي ليست كلاما عاما.
هناك نحو 1.5 مليار دينار في النسيج والملابس و 800 مليون إلى مليار في الصناعات الغذائية و 800 مليون في الكيمياء والبلاستيك و 400 مليون في الأدوات المنزلية و 700 مليون في مواد البناء ونحو 4 مليارات دينار كإمكانات مرتبطة بالطاقة.
هذه ليست دعوة إلى إحلال كل شيء محليا بل إلى تحديد المنتجات التي تستطيع تونس إنتاجها بجودة وسعر وقدرة تنافسية ثم بناء سياسة صناعية حولها.
وفي الغذاء تحديدا لا يكفي أن نقول «نحن بلد فلاحي». البلد الفلاحي الذي يستورد جزءا كبيرا من منتجات غذائية مصنعة لا يعاني من نقص الأرض فقط و يعاني من نقص التصنيع والتحويل والتغليف والتوزيع والعلامة التجارية.
لدينا زيت الزيتون والتمور ومنتجات فلاحية كثيرة لكن القيمة الكبرى لا توجد دائما في المادة الخام .
القيمة توجد في العلامة والتصميم والتعبئة والتوزيع وشبكة البيع.
قد نصدر زيت الزيتون في برميل ثم يعود جزء منه إلى الأسواق العالمية في قارورة فاخرة تحمل علامة غير تونسية. عندها لا تكون المشكلة في الزيت إنما المشكلة في من يملك القصة التي تباع مع الزيت.
والطاقة هي المعركة الأشرس فتقديرات المادة تشير إلى أن كل 100 ميغاواط من الطاقة الشمسية يمكن أن يوفر نحو 50 مليون دولار سنويا من واردات الغاز وأن محطتي توزر والمزونة بطاقة 50 ميغاواط لكل منهما يمكن أن توفران نحو 25.5 مليون دولار سنويا وفق التقدير المذكور.
والهدف المقترح هو 35% من الطاقات المتجددة في 2030 و50% في 2035.
لكن تونس يمكن أن تملك الشمس ولا تملك السرعة الإدارية لاستغلالها و يمكن أن تملك المشروع ولا تملك الشبكة القادرة على استيعابه و يمكن أن تملك المستثمر ولا تملك مسارا ترخيصيا واضحا.
وهنا ينبغي أن نكسر وهما آخر ،الطاقة المتجددة ليست ملفا بيئيا فقط بل هي ملف ميزان تجاري و عملة صعبة و صناعة و أمن قومي و استثمار.
وهي في الوقت نفسه ملف بيئي لأن العالم يتجه إلى فرض متطلبات أكبر بشأن البصمة الكربونية والاقتصاد الدائري والتغليف وإعادة التدوير.
ومن يريد تصدير زيت الزيتون أو الملابس أو مكونات السيارات أو المواد الغذائية إلى أسواق متقدمة خلال السنوات المقبلة لن يستطيع تجاهل هذه الشروط لذلك فإن الجباية البيئية والاستثمار الأخضر والفلاحة البيئية والاقتصاد الدائري ليست شعارات رفاهية إنما شروط نفاذ إلى السوق العالمية.
ومن هنا يجب أن يصبح «صنع في تونس» أكثر من خت.
نريد صمّم في تونس و طوّر في تونس و موّل في تونس و اصنع في تونس و بع في العالم.
نريد شركة تونسية تبيع علامتها في باريس لا مصنعا تونسيا يخيط لعلامة باريس.
نريد دواء تونسيا يصل إلى إفريقيا لا مجرد مادة أولية.
نريد شركة برمجيات تونسية تبيع خدمة إلى الخليج وأوروبا لا مهندسا يضطر إلى الهجرة كي يبيع مهارته.
نريد صناعة سيارات ومكونات أكثر اندماجا لا أن نبقى في حلقات منخفضة القيمة إلى الأبد.
نريد مواد بناء تونسية تصل إلى ليبيا وموريتانيا وإفريقيا.
نريد خدمات هندسية وطبية وتعليمية تتحول إلى صادرات.
نريد أن يصبح الموقع الجغرافي ميزة مالية لا مجرد معلومة جميلة في الكتب المدرسية.
ولهذا فإن إصلاح التجارة الخارجية لا يمكن أن يبقى في وزارة التجارة وحدها.
يجب أن يكون مشروعا للدولة كلها بمجلة صرف جديدة و قانون منافسة ومكافحة إغراق أكثر فعالية و مجلس وطني للتجارة الخارجية و رقمنة شاملة للديوانة و ربط البيانات بين الديوانة والبنوك والجباية و رقابة مسبقة رقمية و فحص مخبري و مكافحة التجارة الموازية و تسريع الطاقة و تحديث الشبكة و تحسين كفاءة الاستهلاك و وكالة تصدير ذات صلاحيات حقيقية و تأمين للصادرات و تمويل تصديري و لوجستيك و تكوين و حوافز جبائية وعقارية و صندوق للجودة والابتكار وجباية بيئية تشجع الاستثمار الأخضر.
لكن الأهم أن لا حماية بلا فاتورة أداء فإذا حصل مصنع على حماية فليقدم إنتاجية و إذا حصل على إعفاء فليخلق وظائف و إذا حصل على امتياز فليصدر و إذا حصل على حماية من المنافس الأجنبي فعليه أن يثبت أنه أصبح قادرا على المنافسة وإذا لم يفعل تنتهي الحماية فالدولة ليست حضانة أبدية للمؤسسات.
وفي الاتجاه الآخر لا يجوز أن تطلب الدولة من المصنع أن ينافس العالم ثم تتركه يغرق في كلفة الطاقة والتمويل والنقل والجباية والتراخيص. المنافسة العادلة تعني أيضا أن الدولة تصلح كلفة الدولة.
أما 2030 فلا ينبغي أن يكون مجرد موعد في وثيقة استراتيجية.
يمكن وضع سيناريو إصلاحي واضح عبر صادرات بين 95 و100 مليار دينار وواردات في حدود 105 مليارات بما يخفض العجز إلى 10 مليارات ويرفع نسبة التغطية إلى 95% ويخفض عجز الطاقة إلى 6 مليارات ويرفع الطاقات المتجددة إلى 35% وحصة إفريقيا إلى 12%.
هذه أرقام سيناريو إصلاحي وليست نتائج مضمونة
قيمتها الحقيقية أنها تحول الحديث من «نريد إصلاح الاقتصاد» إلى «هذه هي الأرقام التي سنحاسب أنفسنا عليها».
لكن يجب أن نضع أمامنا منذ البداية قائمة الرعب بمقاومة بيروقراطية مرتفعة و تضخم محتمل إذا أسيء استخدام القيود و عودة التجارة الموازية إذا خنقت القنوات الرسمية و عدم استقرار ليبيا والساحل و تأخر مشاريع الطاقة و ردود فعل تجارية أوروبية محتملة.
ولذلك لا بد من تنويع الأسواق والممرات وتسريع التراخيص وحوار استراتيجي مع الشركاء وحماية الفئات الهشة إذا ارتفعت الأسعار وتقييم كل إجراء بعد تنفيذه بدلا من تركه يتحول إلى قانون مقدس.
والخارطة الزمنية ليست معقدة في أصلها:
2026-2027 للإصلاح المؤسسي والطاقة من مجلة الصرف إلى المجلس الوطني للتجارة ورقمنة الجمارك وتسريع مشاريع الطاقة وصندوق الجودة
ثم 2028-2029 لترشيد الواردات والهجوم التصديري عبر الرقابة الرقمية و Africa Gateway ووكالة الصادرات وتأمينها والبنية اللوجستية
ثم 2030 للتقييم وإعادة الضبط.
لا قداسة لخطة إذا فشلت أرقامها ولا عيب في تعديل سياسة أثبتت التجربة أنها لا تعمل.
لكن كل هذا سيظل كلاما جميلا إذا لم نفهم الحقيقة الأكثر إيلاما ان المشكلة ليست أن تونس لا تعرف ماذا تفعل. المشكلة أن تونس كثيرا ما تعرف جزءا كبيرا مما ينبغي فعله ثم تعجز عن تحويل المعرفة إلى قرار والقرار إلى تنفيذ والتنفيذ إلى نتيجة.
وهنا تصبح البيروقراطية أخطر من العجز نفسه لأن العجز رقم يمكن قياسه أما الإدارة التي تؤجل المشروع عاما وراء عام والملف الذي ينتقل بين المكاتب والترخيص الذي يحتاج ترخيصا والقانون الذي يبقى في الأدراج والمؤسسة التي تنتظر الشبكة والشبكة التي تنتظر التمويل والتمويل الذي ينتظر القرار،
فهذه كلها تكاليف غير مرئية لا تظهر مباشرة في جدول التجارة لكنها تقتل القدرة التنافسية ببطء.
نحن لا نحتاج إلى وزير يعلن كل صباح أنه سيحارب الاستيراد بل نحتاج إلى دولة تجعل الإنتاج أسرع من الاستيراد والتصدير أسهل من التصدير بالأمنيات والاستثمار أقل كلفة من الريع والعمل الرسمي أكثر جاذبية من السوق
نحن لا نستورد السلع فقط ...نحن نستورد ثقة الآخرين في أنفسهم
2026-09-25
43 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال