بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

ابن تيمية

2026-06-24 11 قراءة مقالات رأي عبد العزيز كحيل
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
أبدا هذا المقال بكلام الشيخ أحمد حماني في ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وهو كلام منقول من كتاب "محاضرات ومقالات الشيخ احم حماني" من جمع عبد الرحمن دويب وتقديم محمد الهادي الحسني.
يقول: "وهذان الإمامـــــان العظيمان [ابن تيمية وابن القيم] حاولا أن يُجددا الإسلام أثناء القرن السابع والثامن الهجري، ولكن حورِبا حربا شديدة، ومات ابن تيمية (رحمه الله) في السجن، وعُذّب تلميذه ابن القيم، وقد تَرك كُـلٌّ منهما كُتباً نفيسة جدا في التفسير، وفي الحديث، وفي الفتاوى، وفي علاج الأمراض التي اعتَرت المسلمين. "
ويقول: " فإنْ كان الغَرض من ذلك [أي مِن النظر في التوراة والإنجيل التي بَين أيدي اليهود والنصارى الآن] الدراسة والمُقارنة والاستعداد للجدال، جاز للعلماء أن يفعلوا ذلك، وقد بَرَعَ فيه كبار علماء المسلمين مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية."
ويقول: " و مِن قَبلِ الشوكانى هاجم هذا القول (القول بالتقليد و إنكار الاجتهاد) العلامة الجليل ابن قيم الجوزية في كتابه النفيس "إعلام الموقعين"، وهو تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، عاشا أثناء القرن الثامن الهجري".
ويقول: "وإنَّ الشريعةَ الإسلامية مَبناها وأساسها على الحِكم ومصالِح العِباد في المَعاش والمَعاد، وهي عَدل كلها، و رحمة كلها، ومصالِح كلها، فكل مسألة خَرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضِدّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل"، هذا ما نطق به أحَد علماء الشريعة من الراسخين، الإمام ابن قيم الجوزية في "إعلام الموقعين".
قلتُ: والثناء على ابن القيم ثناء على شيخه الأكبر ابن تيمية، فهو تلميذه الأنجب ووارث علومه.

ثم هذه جملة من شهادات تلاميذ ابن تيمية: "أخذوه من مجلس العلم إلى السجن وسار معه طلابه ومن كانوا في المجلس إلى باب السجن فقال له أحدهم "هذا موقف الصبر يا سيدي" فقال "لا والله بل هو مقام الحمد والشكر، والله لقد امتلأ قلبي فرحا وسرورا لو قسم على أهل الشام ومصر لفضل عنهم، إن هذا السجن معبدين تركوني أخلو فيه بذكر الله".
ولما أدخلوه السجن نظر إلى السجانين وقال "فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهرة من قبله العذاب" ثم قال "ما يفعل أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن سجنوني فسجني خلوة، وإن نفوني فنفيي سياحة، وإن قتلوني فقتلي شهادة"، ثم أقبل على المسجونين يدعوهم ويعلمهم فنقلهم من مجرمين إلى عباد، فوضعوه في السجن الانفرادي فأقبل على التأليف، فمنعوا عنه الورق والمداد فأقبلوا على كتاب الله تاليا متدبرا، فختهم 81 مرة ومات وهو يتلو قول الله " إن المتقين في جنات ونهر".
رفض تناول طعام السجن، وقال لا أدنس نفسي بشيء من ذلك، وكان أهله يأتون له بالطعام واللباس.
أقبل على العبادة فلم يُرَ مثلُه في اجتهاده فيما نقل عنه الناس والسجانون، وهكذا العلماء الربانيون يلقون بأنفسهم مع الأقدار يسيرون معها حيث سارت.
وقال ابن كثير: "مات ابن تيمية فكشفت عن وجهه وقبلته وقد علاه الشيب، لم يترك ولدا صالحا يدعو له ولكنه ترك أمة صالحة تدعو له".
لماذا سجنوه حتى مات في سجن القلعة بدمشق؟ ببساطة لأنه غلب علماء السلطة في المناظرات بحججه القوية وتبحره في العلم، فكادوا له أكثر من مرة لدى الحكام في الشام ومصر، ولفقوا له التهم واتهموه في عقيدته (وهو على عقيدة السلف البسيطة الصافية) وفي اجتهاداته، وأنكروا عليه فتواه في الطلاق بالثلاث وكادوا يكفرونه بسببها، وها هي كل قوانين الأحوال الشخصية في الدول الإسلامية تأخذ بها.
ويحسن أن أنقل كلام بعض تلامذته عنه، أقصد الذهبي والمزي، مع العلم أنهما من أكبر المحدثين المتخصصين في الجرح والتعديل، وكلامهما علمي موضوعي بحت، لا علاقة له بعاطفة ولا انحياز، قال الذهبي: "فلو حُلفت بين الركن والمقام لحلفت أني ما رأيت مثله، وأنه ما رأى مثل نفسه"، وقال أيضاً في علمه بالسنة: " يصدق أن يقال كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث"، وقال المزي: "لا أعرف أعلم بالكتاب والسنة من ابن تيمية".
إن ابن تيمية ليس فردا بل هو مدرسة متكاملة، مثله مثل الغزالي، فقد كان فقيها، محدثا، مفسرا، فيلسوفا، عارفا بالفرق والمذاهب والأديان والصوفية والفلسفة والكلام، ناقش الفلاسفة فكان سيد الفلسفة، وناقش الشيعة وأهل الكتاب كما في "منهاج السنة" و"الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" و "الرد على المنطقيين"...ويكفيه فخرا أن إطلاق لقب شيخ الإسلام يدل عليه، وهو لقب كرّمه به أكبر علماء عصره، أما من يربطون بين ابن تيمية والوهابية فعليهم أن يقرؤوا ما قاله رحمه الله: "من لا يغار إذا انتهكت محارم الله، ولا يغضب لها، ولا يأمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر، ولا يجاهد في سبيل الله فهو فاسق مارق، وإن كان أظهر الإسلام فهو منافق وإن كان له نصيب من الزهد والعبادة"، والوهابية على نقيض كل هذا...
وأختم بالإحالة على كتاب "ابن تيمية حياته وعصره وآراؤه الفقهية " للشيخ محمد أبو زهرة الذي لا يمكن لأحد أن يتمه بالانحياز للحنابلة او ابن تيمية او الوهابية.

عبد العزيز كحيل

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال