هؤلاء الذين يرمون بودكاست الكتيبة بحجارة التخوين والعمالة أو يوصمون الإعلامي محمد اليوسفي بالارتزاق هم في الحقيقة يمارسون طقوس الخوف من الحقيقة العارية التي تنهش جسد الدولة.
يفرون من المواجهة الكبرى في ستوديوهات التلفزة الوطنية لأنهم يدركون أن منطقهم يتهاوى عند أول صدام مع العقل الاستقصائي الحر.
تحويل الشاشة الوطنية التي تقتطع تمويلها من خبز المواطن اليومي إلى منصة لتسويق المبتذل هو جريمة سوسيولوجية متكاملة الأركان تهدف إلى استبدال الإنسان السياسي بالإنسان المستهلك.
السلطة التي تخشى «وجيعة الرأس» هي سلطة فقدت بوصلتها التاريخية وتنازلت عن دورها كمدير للتناقضات الوطنية لتكتفي بدور الرقيب على الصمت.
يريدون شعبا يتقن المقارنة بين جودة الطناجر ولا يفقه شيئا في دهاليز الفساد والقذارة التي تنخر بنيان الوطن.
الهروب من حوار الفرقاء ومن ترتيب آليات المساءلة العلنية هو اعتراف صريح بالعجز المعرفي والسياسي حيث يصبح التخوين هو السلاح الوحيد في يد الكهنوت الإعلامي المرتعش.
المجتمع الذي يمنع من رؤية صراعاته الكبرى على شاشته الرسمية سينتهي به الأمر إلى البحث عن الحقيقة في الغيتوهات الرقمية والمنابر البديلة مما يعمق الهوة بين القمة والقاعدة.
إنها الرداءة التي لا تكتفي بقتل الإبداع بل تقتل السياسة في مهدها وتحول الدولة إلى هيكل فارغ يسكنه الخوف وتديره عقلية الباعة المتجولين. الشعب الذي يمول صمت التلفزة الوطنية لا ينتظر منها دروسا في الطبخ بل ينتظر منها تشريحا للواقع الذي يهرب الجميع من مواجهته.
إننا نعيش عصر الانحطاط حيث تصبح الحقيقة مشبوهة ويصبح بيع الأواني هو الملاذ الأخير لكل من يخشى ضجيج الوعي وقوة السؤال.
مواجهة الفساد والإرهاب لا تتم عبر بيانات الشجب والوصم بل عبر مناظرات وطنية كبرى تعيد للجمهور حقه في التقييم وللمواطن حقه في المعرفة وللدولة هيبتها التي لا تسترد إلا بالحقائق لا بالهروب إلى المطبخ.
إنها لحظة الحقيقة التي يرفضون مواجهتها لأنهم يدركون أن الانكشاف أمام الشعب هو نهاية عصر الدجل السياسي والإعلامي الذي اقتاتوا عليه طويلا.
تعليق على مقال