بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المدرسة في قبضة علوم التربية: حفريات في قرن من البيداغوجيا

2026-04-13 21 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
ليست المدرسة مؤسسة معزولة عن التحولات الفكرية التي يعرفها المجتمع، بل هي إحدى الساحات التي تتقاطع فيها الخطابات المعرفية والسياسية والثقافية. ففي كل مرحلة تاريخية يُعاد تعريف وظيفة المدرسة وأدوار الفاعلين فيها وفق المفاهيم السائدة في ذلك العصر. غير أن القرن العشرين شهد تحوّلًا لافتًا في طريقة النظر إلى المدرسة؛ إذ لم تعد تُفهم فقط بوصفها فضاءً لنقل المعرفة، بل أصبحت موضوعًا لخطاب علمي متنامٍ هو خطاب علوم التربية. ومع توسّع هذا الخطاب، بدأت المدرسة تُقرأ وتُنظَّم وتُقيَّم عبر منظومة مفاهيم بيداغوجية متزايدة الحضور. لكن هذا التحول يطرح سؤالًا أساسيًا: كيف تشكّل هذا الخطاب؟ وكيف انتقل من موقع تفسير الظاهرة التربوية إلى موقع التأثير في تعريف المدرسة نفسها؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي العودة إلى طبقات هذا التاريخ الفكري، أي إلى ما يمكن تسميته بحفريات قرن من البيداغوجيا، ومن هنا تبدأ القراءة...




المدرسة في قبضة علوم التربية: حفريات في قرن من البيداغوجيا



1. ميلاد علوم التربية: عندما أصبحت المدرسة موضوعًا للعلم

لوقت طويل كانت المدرسة تُعرَّف أساسًا بوصفها مؤسسة لنقل المعارف المنظمة: اللغة، الرياضيات، التاريخ والعلوم. وكان النقاش حولها يدور غالبًا حول طبيعة هذه المعارف وقيمتها الثقافية والاجتماعية. غير أن نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين شهدتا تحولًا مهمًا تمثل في ظهور اهتمام علمي بعملية التعلم نفسها. لم يعد السؤال مقتصرًا على ما يجب تدريسه، بل امتد إلى كيفية التعلم وشروط حدوثه. في هذا السياق بدأت علوم التربية تتشكل بوصفها مجالًا معرفيًا يسعى إلى فهم الظاهرة التربوية. وقد لعبت أعمال جون ديوي (John Dewey، 1938) دورًا مهمًا في ربط التعلم بالتجربة الحية للمتعلم، بينما أبرزت دراسات جان بياجيه (Jean Piaget، 1970) البعد البنائي لعملية التعلم، حيث يُنظر إلى المعرفة بوصفها بناءً تدريجيًا ينشأ من تفاعل الطفل مع محيطه، مما أسس لتحولات أعمق في تصور المدرسة ووظيفتها. غير أن هذا التحول المعرفي حمل في داخله نواة تحول أعمق، سيتم الكشف عن مآلاته لاحقًا، حين تنتقل البيداغوجيا من كونها أداة للفهم إلى كونها أداة لإعادة تشكيل الواقع التربوي نفسه.

2. تشكّل اللغة البيداغوجية: ظهور قاموس جديد للمدرسة

مع توسع البحث العلمي في مجال التربية، بدأ يتشكل تدريجيًا خطاب بيداغوجي جديد يقدم نفسه بوصفه إطارًا نظريًا لفهم التعليم وتنظيمه. ظهرت مفاهيم مثل التعلم النشط، بناء المعرفة، الفروق الفردية، والوضعيات التعليمية، وأصبحت تشكل لغة متنامية الحضور في تحليل الظاهرة المدرسية. ولم يعد المعلم يُنظر إليه فقط بوصفه ناقلًا للمعرفة، بل بوصفه فاعلًا تربويًا ينظم وضعيات التعلم ويواكب بناء المعرفة لدى التلاميذ. وقد تعزز هذا التحول مع انتشار المقاربات السوسيوبنائية التي أبرزت الدور الحاسم للتفاعل الاجتماعي في التعلم، كما يظهر في أعمال ليف فيغوتسكي (Lev Vygotsky، 1978). لكن هذا القاموس الجديد لم يبق في حدود الوصف العلمي، بل بدأ يتجه تدريجيًا نحو التحول إلى لغة معيارية تُستخدم للحكم على الممارسة التعليمية وتقويمها.

3. من الفهم إلى التنظيم: لحظة التحول في الخطاب التربوي

غير أن التحول الأكثر أهمية لم يكن في ظهور هذا الخطاب العلمي حول التربية، بل في انتقاله التدريجي من وظيفة التفسير إلى وظيفة التنظيم. فمع توسع السياسات التعليمية وبرامج التكوين التربوي، بدأت مفاهيم علوم التربية تتحول إلى معايير توجه الممارسة التعليمية نفسها. لم يعد تقييم المعلم يعتمد فقط على تمكنه من المعرفة التي يدرّسها، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بمدى قدرته على تطبيق النماذج البيداغوجية المعتمدة. وهكذا تحولت البيداغوجيا تدريجيًا من خطاب يفسر التعلم إلى جهاز معياري يحدد ما يجب أن يكون عليه التدريس “الجيد”. وهنا يمكن القول إن الفرضية المركزية التي يتجه إليها هذا التحليل بدأت تتبلور: أن هذا التحول لم يكن بريئًا معرفيًا بالكامل، بل إن انتقال البيداغوجيا من مستوى التفسير إلى مستوى التنظيم قد أسهم تدريجيًا في إعادة تشكيل المدرسة نفسها، بحيث لم تعد البيداغوجيا تفسر المؤسسة فقط، بل تعيد إنتاجها وفق منطقها الخاص.

4. الهيمنة البيداغوجية: حين تتحول النظرية إلى معيار

في هذا السياق أخذ الخطاب البيداغوجي يكتسب نوعًا من الهيمنة الرمزية داخل المؤسسة المدرسية. فالمفاهيم التي ظهرت في البداية لفهم التعلم تحولت شيئًا فشيئًا إلى مرجعيات معيارية تضبط العمل التربوي. وأصبح للمدرسة قاموس بيداغوجي متزايد الاتساع يحدد ما ينبغي أن يكون عليه التدريس الفعال والتعلم الجيد. لكن الأخطر من ذلك أن هذه الهيمنة لم تبق في مستوى اللغة، بل امتدت إلى إعادة تشكيل دور المعلم نفسه: من حامل للمعرفة إلى منفّذ لتقنيات، ومن مثقف ناقل للمعنى إلى فاعل يشتغل داخل نموذج جاهز. هنا لا تعود البيداغوجيا مجرد أداة، بل تتحول إلى سلطة صامتة تعيد تعريف المدرسة من الداخل، وتعيد اختزال المعرفة نفسها إلى مجرد محتوى قابل للبرمجة داخل إجراءات. ويمكن قراءة هذا التحول في ضوء التحليل الأركيولوجي للخطابات الذي اقترحه ميشيل فوكو (Michel Foucault، 1969)، حيث لا يتعلق الأمر فقط بتطور معرفي، بل بتشكل نظام خطابي ينتج قواعد جديدة للقول والفهم حول المدرسة.

5. المدرسة بين خطابين: المعرفة أم البيداغوجيا؟

أدى هذا التحول إلى بروز توتر ضمني داخل المؤسسة المدرسية بين منطقين مختلفين. فمن جهة تظل المدرسة مؤسسة لنقل المعارف الثقافية والعلمية. ومن جهة أخرى أصبحت خاضعة لمنظومة مفاهيم بيداغوجية تسعى إلى تنظيم عملية التعلم وإدارتها. غير أن هذا التوتر لم يعد مجرد اختلاف في الزوايا، بل أخذ في بعض السياقات شكل إزاحة تدريجية للمعرفة نفسها. فحين تصبح طريقة التدريس أهم من مضمون ما يُدرّس، فإننا لا نكون أمام تطوير للمدرسة، بل أمام إعادة تعريف صامتة لوظيفتها. فالبيداغوجيا هنا لا تنظّم المعرفة فقط، بل تعيد تشكيلها واختزالها في إجراءات، بما يعكس انتقالًا من التعليم إلى التدبير. وهكذا يتحول السؤال من: ماذا ندرّس؟ إلى: كيف نُدير التعلم؟

6. من الخطاب إلى الواقع: المدرسة التونسية نموذجًا

لا يبقى هذا التحول حبيس النصوص النظرية، بل يتجسد بوضوح في الممارسة اليومية داخل المدرسة. ففي السياق التونسي، يمكن ملاحظة كيف تحولت الوثائق الرسمية، وبرامج التكوين، وآليات التفقد إلى حوامل مباشرة لهذا الخطاب البيداغوجي. فالمعلم لم يعد يُقيَّم أساسًا على قدرته في تبسيط المعرفة أو تعميقها، بل على مدى احترامه لخطوات “الوضعية التعليمية” ومطابقته للنموذج البيداغوجي المعتمد. كما أصبحت اللغة المهنية اليومية مشبعة بمفاهيم مثل الكفاءة، الإدماج، التعديل، والدعم، في حين يتراجع النقاش حول طبيعة المعرفة المدرسية نفسها. بهذا المعنى، لا تعكس المدرسة فقط حضور البيداغوجيا، بل تعيش تحت نظامها؛ حيث تتحول الممارسة التربوية إلى تنفيذ لنموذج جاهز، أكثر من كونها فعلًا فكريًا حُرًا يتفاعل مع واقع القسم وتعقيداته.

7. حدود التفسير البيداغوجي: ما الذي يخفيه الخطاب التربوي؟

مع مرور الوقت اتسع حضور الخطاب البيداغوجي إلى درجة أصبح معها قادرًا على تفسير كثير من الظواهر المدرسية: النجاح، الفشل، الانضباط، العلاقة مع المعرفة. غير أن هذا الاتساع يحمل مفارقة مهمة؛ فحين يتحول خطاب واحد إلى إطار شامل لتفسير كل شيء، فإنه قد يخفي في الوقت نفسه جوانب أخرى من الواقع المدرسي. فالاختلالات لا تعود فقط إلى “سوء تطبيق المقاربة”، بل ترتبط أيضًا بشروط اجتماعية وثقافية ومؤسساتية أعمق. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة إدماج التحليل الاجتماعي في فهم المدرسة، كما يظهر في تحليلات بيير بورديو (Pierre Bourdieu، 1970). وهكذا يتبين أن البيداغوجيا، رغم قوتها التفسيرية، قد تتحول أيضًا إلى حجاب مفاهيمي يخفي أكثر مما يكشف.

خاتمة: المدرسة كجهاز لإدارة التعلم

إن قراءة تاريخ علوم التربية بوصفه حفريات في قرن من البيداغوجيا لا تعني التقليل من قيمة هذه العلوم، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن الخطاب البيداغوجي لم يبق مجرد أداة تفسير، بل أصبح جزءًا من النظام الذي يعيد تشكيل المدرسة من الداخل. بهذا المعنى، لا تعيش المدرسة أزمة بيداغوجية فحسب، بل تشهد تحوّلًا في طبيعتها نفسها. وتظل الأسئلة مفتوحة: هل ما زالت المدرسة مؤسسة معرفة؟ أم أنها أصبحت جهازًا لتنظيم التعلم؟ أم أن المعرفة نفسها أعيد تعريفها داخل هذا الجهاز؟ لكن السؤال الأعمق ربما هو: هل يمكن للمدرسة أن تظل مدرسة، حين تصبح كل تفاصيلها قابلة للبرمجة البيداغوجية؟

المراجع:

1. Dewey, J. (1938). Experience and Education.

2. Piaget, J. (1970). Psychology and Pedagogy.

3. Vygotsky, L. S. (1978). Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes.

4. Foucault, M. (1969). L’archéologie du savoir.

5. Bourdieu, P. (1970). La reproduction: léments pour une théorie du système d’enseignement.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال