ألقت الحرب على إيران بظلالها النفسية والفكرية على قطاع كبير من المسلمين إلى درجة جعلتهم يصطفون اصطفافا متطرفا مع الشيعة أو ضدهم، فهؤلاء يروّجون أن إيران هي الإسلام أما العرب وأهل السنة فخونة أو أصفار، وأولئك يخرجون الأسطوانة القديمة في تكفير الشيعة كلهم، فهل حقا جميع العرب خونة؟ هل جميع أهل السنة مجرد أصفار عبر التاريخ؟ وهل الانتصار للمشروع الإيراني يقتضي الاصطفاف مع المشروع الصهيوني؟ وهل هذه الحرب تجعلنا ننكر الحقائق التاريخية الثابتة؟ كلنا مبتهجون بالضربات المؤلمة التي أسدتها إيران للكيان الصهيوني لكن يجب التذكير بجهاد الجزائر العربية المسلمة التي مرغت أنف فرنسا في التراب، ولا ننسى أن أول من قصف تل أبيب هو العراق في 1991، وأن العرب السنة هم الذين تصدوا للغزو الأمريكي للعراق في 2003، وجاهدوا جهادا كبيرا، بينما أيّد الشيعة الغزو، وأفتى علي السيستاني بعدو جواز قتال الغزاة، أما أفغانستان السنية فبلاؤها الحسن في جهاد الروس ولأمريكان ما زال في الأذهان، أما الشعب العربي المسلم في سورية فقد واجه النظام الطاغي والجيش الروسي والميليشيات الشيعية وانتصر عليهم وحرر البلاد والعباد...هذا التذكير الموجز ضروري في وجه الشعوبية الجديدة والتشيع السياسي الذي يفضي إلى لتشيع العقدي، بينما يقتضي الشرع والمنطق الوقوف مع المظلوم لأنه مظلوم من غير توجيه اتهامات جزافية بلا تثبت، ولا بد في هذا السياق من تصحيح أخطاء ودحض افتراءات على مستوييْن: معنى فارس، ومزاعم أن أغلبية علماء المسلمين أعاجم وليسوا عربا.
- ما هي فارس ومن الفرس المذكورون في الحديث النبوي الذي ينوّه بسلمان وذويه؟ أما بلاد فارس فلم تكن في الماضي وإلى زمن النبوة هي إيران الحالية بل كانت تشملها وتمتد إلى أفغانستان وأجزاء من باكستان وتركمانستان وأوزبكستان وأرمينيا وأذربيجان وشرق تركيا، وكانت – بعد الفتح - بلادا سنية خالصة، ولم تتشيع إيران وبعض المناطق القريبة منها إلا في القرن السادس عسر على يد الصفويين...فالبشريات النبوية لا علاقة لها لا بإيران الحالية ولا بالشيعة.
- ما حقيقة أن معظم العلماء ليسوا عربا؟ سرت هذه المقولة سريانا غريبا مع أنها لا تصمد أمام الحقيقة التاريخية العلمية، وقد كانت هفوة وقع فيها ابن خلدون رحمه الله في تاريخه، وهذا ما ينبغي تجليته بالعودة إلى تحقيقات المؤرخين الراسخين، فالعلامة ابن خلدون هو مؤسس علم الاجتماع والعمران، له قدم راسخة فيه، وقد ضمّنه مقدمة تاريخه، فيما أصبح مشهورا باسم "المقدمة"، وهو مرجع أساسي قوي في هذا الفن، لكن هذا الحكم لا ينسحب على كتاب التاريخ لأن ابن خلدون ليس من علماء الرجال (كالذهبي وابن حجر وابن عبد البر) ولا هو من علماء الأنساب (كابن حزم)، وهو عارف بأحداث المغرب لكنه عالة على ابن الأثير في أكثر أحداث المشرق، وهذا ما جعله يجازف بإطلاق ان أغلبية العلماء من العجم وذلك استنادا إلى نسبتهم إلى البدان، كالنيسابوري والخرساني والمروزي والسجستاني ونحو ذلك، لكن التحقيق العلمي يدلّ على أن أكثر هؤلاء عرب أقحاح استقرت قبائلهم وعائلاتهم في بلاد العجم مع الفتوحات الإسلامية فأصبحوا ينسبون إليها كموطن مولد او استقرار وليس كنسب أصلي، فالإمام أحمد – مثلا – عربي أصيل من بني شيبان لكنه من عائلة استقرت في مرو، فهو مروزي لكنه شيباني عربي، وكذلك الأمر بالنسبة للإمام مسلم، وحتى الإمام البخاري فهو وإن كان أعجميا إلا أنه من موالي العرب لذلك يقال عنه الجعفي، اما الإمام أبو داود فهو من سجستان لكنه عربي من قبيلة أزد المعروفة، والإمام ابن ماجة وإن كان أعجميا إلا أنه مولى لقبيلة ربيعة العربية، والإمام أبو الفرج الأصفهاني من مواليد أصفهان لكنه عربي أموي قرشي، وقد رأينا تعميما غير دقيق يقول إن كل علماء العربية أعاجم، وهذا خطأ، فالخليل بن أحمد عربي أزدي بصري، وهكذا... وإني أحيل طلبة العلم على كتاب "عروبة العلماء" للمؤرخ العراقي ناجي معروف، فهو فريد في بابه، نافع لقارئه، لأنه بحث حول عروبة العلماء المنسوبين إلى البلاد العربية، يبرهن على أن حملة العلم في الإسلام جلّهم العرب لا الموالي، وهذا بناء على بحث موضوعي عن إنتساب العرب إلى المواطن الأعجمية، وقد أورد أسماء مجموعة كبيرة من العلماء العرب عبر العصور في مختلف العلوم والآداب ممن يظنهم الناس أعاجم.
إن هذا التفصيل مطلوب ولا ينفي أن في كبار علمائنا أعاجم، لكن الذي ينتظم الجميع عربا وعجما كان الانتماء للإسلام واللغة العربية التي أتقنوها وأبدعوا فيها وتركوا من أجلها لغاتهم الأصلية.
عبد العزيز كحيل
تصحيح أخطاء و ردّ افتراءات
2026-04-15
243 قراءة
مقالات رأي
عبد العزيز كحيل
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال