إننا لا نتحدث هنا عن مجرد اختلاس أو سرقة عابرة في ليل بهيم بل نتحدث عن الخطيئة الكبرى، عن لحظة الانفجار العظيم للفساد الهيكلي الذي صاغ جينات الدولة التونسية الحديثة.
نحن نتحدث عن محمود بن عياد ذاك الرجل الذي لم يسرق الخزينة فحسب بل سرق المستقبل وتركنا نتسول على أبواب البنك الدولي منذ ذلك الحين وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ولد هذا المسخ المالي في جربة سنة 1810 في تلك الجزيرة التي علمت الناس كيف ينسجون الأحلام من خيوط الصوف لكنه اختار أن ينسج الأكفان لبلاد بأكملها.
نشأ في كنف عائلة أدمنت القرب من نار السلطة ،تلك النار التي تحرق الفقراء وتدفق الذهب في جيوب المقربين.
كان والده محمد بن حميدة مجرد ترس في آلة الباي لكن الابن محمود كان يمتلك بصيرة الشياطين أدرك مبكراً أن تونس في القرن التاسع عشر لم تكن دولة بالمعنى السياسي بل كانت ضيعة خاصة تتقاسمها عمامة المشير وحذاء القنصل الفرنسي.
تبدأ المأساة الحقيقية حين تحول بن عياد من موظف يجمع الفتات إلى مهندس يدير العدم. فهم أن السيطرة على البطون هي الطريق الأقصر للسيطرة على العقول فدخل لعبة اللزامة بكل ثقله.
تخيلوا هذا المشهد السريالي الذي يقطر مرارة
الفلاح التونسي الذي يكافح العطش والجراد والضرائب يأتي بمحصوله فيقوم بن عياد بوضعه في مكيال مغشوش يأخذ عشرين مكيالاً ويسجلها عشرة في دفاتر الدولة التي عميت أبصارها وأبوابها. كان يسرق في وضح النهار وتحت حماية الصهر القوي مصطفى خزندار ذلك اليوناني الذي جاء كعبد وأصبح سيداً للمآسي التونسية.
هكذا نشأ تحالف المماليك واللصوص حيث الدولة هي البقرة الحلوب التي تُذبح في النهاية.
ولم يكتفِ بن عياد بسرقة القمح بل ابتكر مؤسسة دار المال
والتي كانت بمثابة أول بنك مركزي لإصدار العملة الورقية في تونس ،كانت هذه المؤسسة هي الثقب الأسود الحقيقي حيث قام بن عياد بإصدار أوراق مالية بفوائد فاحشة وأقرضها للدولة التي كانت هي أصلا صاحبة المال.
كان هذا التلاعب المالي يهدف إلى سحب العملات الذهبية والفضية من السوق وتخزينها في حسابات خاصة في مرسيليا وباريس تمهيدا لعملية الهروب الكبير
سنة 1847 وهي في الحقيقة لم تكن إلا ثقباً أسود لامتصاص ما تبقى من سيولة في عروق الأمة.
كان يقرض الدولة أموالها بفوائد فاحشة ويزور أذون الخزينة ويتلاعب بميزانية الجيش حتى صار العسكر يأكلون الخبز اليابس بينما يشتري هو القصور في باريس وإسطنبول.
الأنثربولوجيا السياسية لهذا الرجل تخبرنا أنه كان النموذج الأول للمواطن العالمي الخائن. في الوقت الذي كان فيه التونسيون يموتون بالأوبئة والمجاعة كان هو يخطط لهروبه الكبير. لم يكن هروباً عفوياً بل كان عملية تجميل سياسي تحت إشراف القنصل الفرنسي ليون روش.
هذا القنصل الذي كان يمثل وجه الاستعمار الناعم نصح بن عياد بأن يحول ثروته المنهوبة إلى الذهب والعملة الصعبة ويهربها إلى بنوك مرسيليا وباريس.
وفي السادس عشر من جوان 1852 وقعت الواقعة التي اهتزت لها أركان تونس. غادر السمسار الكبير على متن سفينة فرنسية حاملاً معه ستين مليون فرنك فرنسي.
هل تدركون حجم هذا الرقم؟
إنه لم يكن يسرق فائض الميزانية بل سرق أربع مرات ميزانية الدولة السنوية.
أفرغ تونس من دمها وتركها هيكلاً عظمياً يصارع الريح. والأدهى من ذلك أنه حصل على الجنسية الفرنسية بأمر إمبراطوري ليتحول اللص في ليلة وضحاها إلى مواطن فرنسي محمي لا تطاله يد القضاء التونسي الكليل.
ما حدث بعد ذلك في المحاكم الفرنسية هو قمة الكوميديا السوداء التي تفضح النفاق الغربي.
حين تجرأت الدولة التونسية ورفعت دعوى ضده تلاعب القضاء الفرنسي بالحقائق كما يتلاعب الساحر بالبيض.
انتهى الأمر بصدور حكم يطالب تونس بدفع تعويضات للص الذي سرقها
كانت تلك اللحظة هي الإعلان الفعلي عن سقوط السيادة الوطنية قبل سقوطها عسكرياً بـ29 عاماً. بن عياد في باريس لم يكن مجرد لاجئ بل كان ملكاً غير متوج، اشترى فندق كولوا وأنشأ بسّاج بن عياد ذاك الممر الذي ما زال يحمل اسمه إلى اليوم في قلب باريس كشاهد أبدي على أن المال المنهوب يبني حضارة للآخرين ويهدم وطناً للأصليين.
كان يعيش حياة البذخ الأسطوري يوزع الرشاوى على الصحفيين والسياسيين الفرنسيين ليلمعوا صورته بينما كانت تونس تغرق في ديون قرض الستين المشؤوم سنة 1863 ثم الكومسيون مالي سنة1869 وهي اللجنة الدولية التي وضعت تونس تحت الوصاية المالية المباشرة.
محمود بن عياد لم يمت في القاهرة سنة 1880 كما تزعم السير التاريخية الباردة بل هو حي يرزق في كل مسؤول يوقع اتفاقية قرض لا تعرف تونس كيف ستسدده وهو موجود في كل مدير مؤسسة عمومية يرى في المنصب غنيمة حرب وهو كامن في كل قائد يهرب أموال الشعب إلى الجنان الضريبية خلف البحار.
شرعن بن عياد مفهوم الدولة السائبة وأسس لعقيدة أن التونسي لا يأتمن بلاده بل ينهبها ليؤمن لنفسه قبراً فخماً في الخارج.
مأساة تونس الحقيقية ليست في ندرة الموارد بل في وفرة بنو عياد، هؤلاء الذين يتقنون لغة المستعمر أكثر من لغة أمهم والذين يعرفون دروب المطارات أكثر مما يعرفون أزقة القرى المنسية.
تلك الستين مليوناً التي طارت في سماء 1852 هي التي فتحت الطريق لباردو 1881وهي التي جعلت تونس رجل شمال إفريقيا المريض.
التاريخ لا يعيد نفسه بل نحن الذين نعيد تدوير المجرمين ونمنحهم في كل مرة أسماء جديدة وياقات بيضاء وحصانات قانونية بينما يبقى الشعب واقفاً في سوق السابع بانتظار عدالة لن تأتي لأن القاضي في باريس واللص في قصره والوطن في مهب الريح.
تعليق على مقال