بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

جغرافيا الحقد المقدس: تشريح لشرخ تونس الأزلي بين سواحل النور ودياجير الظل

2026-04-23 39 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
جغرافيا الحقد المقدس: تشريح لشرخ تونس الأزلي بين سواحل النور ودياجير الظل
ليس في تونس اليوم ما يستحق أن نلبسه ثوب التحليل الأكاديمي النظيف لأن الجراح التي تنخر جسد هذا البلد لم تعد تحتمل لغة الحياد ولا صيغ التقرير المخبرية.
ما نعيشه اليوم هو نتيجة تراكم تاريخي لشرخ لم يلتئم قط شرخ تأسست عليه الدولة منذ قرون وهو شرخ المخزن والسيبة الذي لم يمت بل تحور وتلون وتبرقع بأقنعة التنمية والحداثة.
ما أكتبه اليوم هو صرخة في وجه الصمت الرسمي المتواطئ، هو رجم بالحجارة لكل من يصر على دفن الرأس في رمال الساحل بينما الداخل يحترق.

لنعد إلى الجذر، إلى اللحظة التي انقسمت فيها تونس إلى جسدين لا يلتقيان على طاولة الوطن.
المخزن لم يكن مجرد جهاز إداري لجمع الضرائب كما يدعون بل كان كيانا طفيليا صمم ليمتص دم الفلاحين والقبائل ويضخه في شرايين العاصمة وقصور البايات.
كان المخزن هو الأداة الناعمة والخشنة لإخضاع التونسي الحر الذي رفض أن يكون مجرد دافع خراج أبد الدهر.
وفي المقابل السيبة لم تكن فوضى ولا تمردا أعمى كما صورته كتب التاريخ التي كتبها المنتصر بل كانت استعصاء الكرامة ورفض الإذعان.
السيبة كانت صيغة تونسية أصيلة للمواطنة القبلية الحرة حيث القبيلة تقول للباي سنطيعك في الروح والانتماء للوطن الكبير لكننا لن نركع لجباة أموالك ولن نسلمك قوت أطفالنا.

هذه المعادلة الدموية المتوترة رسمت حدودا نفسية عميقة فصار ابن العاصمة ومن والاه من أعوان المخزن ينظر إلى ابن الدواخل والجبال نظرة دونية يراه همجيا عاصيا لا يفقه في السياسة بينما نظر ابن السيبة إلى الحضري بوصفه عبدا للمال وسلطة الباي جبانا يبيع حريته بفتات القصر.

ثم جاءت لحظة الانفجار الكبير، ثورة علي بن غذاهم في 1864تلك الهبة التي لا تزال تونس تدفع ثمن قمعها الوحشي حتى اليوم.
في ذلك العام تجرأ المخزن على أن يضاعف ضريبة المجبى والضريبة في منطق الفلاح ليست رقما في ميزانية بل هي لقمة الخبز التي تنتزع من فم الصغار.
انتفضت القبائل، ماجر وفراشيش وجلاص، لا من أجل سلطة ولا من أجل كرسي بل انتفضت لتقول كفى، لتقول إن لحم البشر ليس علفا لدواب الدولة.
أرادوا العدل لا أكثر، أرادوا العودة إلى الشرع الذي يحمي الضعيف لا القوانين الوضعية التي جاءت بها إصلاحات تخدم الأجنبي وتمسح بكرامة المعدمين.
ماذا كانت نتيجة تلك الصرخة المدوية؟
كانت مجزرة حقيقية، عقاب جماعي لم يشهد التاريخ التونسي مثله.
الباي الذي يفترض أن يكون أبا للتونسيين تحول إلى جلاد يسلخ ظهور الشيوخ بالسياط ويسلب الخيام والماشية ويترك العائلات في العراء.
في تلك اللحظة بالضبط انغرست في الروح التونسية شوكة الانقسام العميق وصارت العلاقة بين المركز والهامش علاقة غدر لا علاقة عقد.
ومن يظن أن ذاكرة القبائل نسيت هذا الجلد وهذه الإهانة فهو واهم فالدم المسفوح لا يتبخر بل يتخثر ويتحول إلى موروث غضب ينتقل من جد إلى حفيد ينتظر لحظة الانفجار التالية.

وبعد الاستقلال هل انتهى منطق المخزن؟
كلا وألف كلا، استبدلنا الباي برئيس واستبدلنا البايلك بالدولة الوطنية لكن العقلية بقيت هي هي.
خرج الاستعمار الفرنسي من الباب ودخل الاستعمار الداخلي من الشباك.
الدولة التونسية الحديثة التي يفترض أنها دولة كل التونسيين اختارت طوعا أو كرها أن تكون امتدادا للمخزن القديم بأن تقسم البلاد شطرين: شطر الساحل المبارك وشطر الداخل المنبوذ.
الساحل الشرقي من بنزرت إلى جرجيس صار هو تونس الحقيقية في عيون المخططين، هناك تركزت الفنادق والمصانع والمستشفيات الجامعية والطرقات السيارة وهناك عاش التونسي من الدرجة الأولى.
وفي المقابل تحولت المناطق الداخلية، القصرين وسيدي بوزيد وقفصة وجندوبة إلى مجرد خزان بشري ومعدني مجرد مستعمرة داخلية تمد الساحل بالماء وبالفسفاط وباليد العاملة الرخيصة ثم ترمى بعد أن تستنزف.
ليست تنمية مشوهة كما يحلو للتقنيين أن يسموها، هذا جريمة دولة كاملة الأركان، جريمة تخطيط متعمد لخلق مركز غني وأطراف فقيرة لتكون الأطراف دائما في حالة ضراعة واحتياج لأن الجائع لا يثور والناهك لا يناقش شرعية الحاكم. خلقوا الجوع ثم تفاجأوا بالغضب، خلقوا الظل ثم استغربوا أن سكان الظل لم يعودوا يبصرون الشمس.

الحوض المنجمي هو أصدق شاهد على هذه الخيانة العظمى. مدن المتلوي والرديف وأم العرائس تلك المدن التي شيدت على عرق الرجال في أعماق المناجم والتي أخرجت من جوفها ثروات مولت بها الدولة مشاريع الساحل طيلة عقود ماذا كان جزاؤها؟
جزاؤها أن تترك لتغرق في غبار الفسفاط القاتل، أن يموت شبابها بالسرطان والبطالة معا، أن تتحول إلى مدن أشباح لا تجد فيها ماء صالحا للشرب ولا مستشفى لائقا يعالج أبناءها. وعندما صرخ شباب الرديف في 2008 صرخة اليأس الذي يشبه صرخة أجدادهم في زمن بن غذاهم
بماذا أجابهم المخزن الحديث؟
أجابهم بالرصاص وغازات أكلت وجوههم واتهموهم في وطنيتهم وفي عقيدتهم ووصفوهم بالمندسين والخارجين عن القانون. أليس هذا هو تماما منطق المخزن القديم؟
منطق المحلة التي تحاصر القبيلة وتحرق خيامها إن امتنعت عن دفع المجبة؟
نحن لم نتقدم قيد أنملة منذ 1864 نحن فقط استبدلنا الخيل بالشاحنات الأمنية والسيوف بالغاز المسيل للدموع أما العقلية الأمنية القمعية فبقيت متحجرة في جمجمة الدولة.

وفي خضم هذه المأساة جاءت الضربة القاضية من بوابة الخيارات الاقتصادية العبثية التي لا تمت للواقع بصلة.
راهنت الدولة على السياحة وحدها وولت ظهرها للفلاحة التي هي أصل الشعب وأساس سيادته.
السياحة بالنسبة لهم لم تكن قطاعا اقتصاديا طبيعيا بل كانت وهما كبيرا ومخدرا جماعيا.
كيف لدولة عاقلة أن تبني اقتصادها على مزاج السائح الأوروبي القلق؟
كيف لدولة أن تراهن بمستقبل ملايين البشر على قطاع يرتبط كلية بالخارج بالنشرات الإخبارية في برلين وباريس ويهتز لأي عملية إرهابية أو أي حادث عابر؟
حولوا البلاد إلى فندق كبير على البحر بينما تركوا السهول الداخلية وملايين الهكتارات الزراعية تصحر وتضمحل.

أرادوا تونس غانية للسياح ونسوا أن تونس كانت ومازالت أم الفلاحين.
النتيجة كانت كارثة مركبة، صناعة سياحية هشة لا تنتج ثروة حقيقية دائمة بل تنتج خدما وأعمالا موسمية مهينة لشباب الأرياف الذين جرفهم النزوح نحو السواحل.
هذا الشاب الذي كان جده يفلح الأرض بعزة وكرامة ويطعم العائلة صار اليوم نادلا في فندق يبتسم ابتسامة صفراء لسائح لا يحترمه أو صار حارس أمن خصوصي يحمي ممتلكات الأثرياء.
هذا هو الانحطاط الذي أوصلتنا إليه سياساتهم تحويل الإنسان التونسي من سيد أرضه ومنتجه إلى خادم على هامش اقتصاد الريع.
وفي مقابل هذا الدعم اللامحدود للسياحة التي نهبت الشريط الساحلي بمبانيها الاسمنتية ومشاريعها العشوائية
تم تهميش الفلاحة بشكل ممنهج ومقصود.
الفلاح التونسي الذي كان ذات يوم عمود البلاد الفقري صار اليوم منسيا ومحتقرا يغرق في الديون ولا يجد من يسمع شكواه.
الدولة التي كان يجب أن تحميه فتحت له أبواب الجحيم برفع الدعم عن الأسمدة والبذور وتركته فريسة للوبيات الاستيراد والتوزيع التي تتحكم في الأسواق.
وسطاء الموت هؤلاء يشترون منه محصوله بثمن التراب ليبعوه في أسواق العاصمة بأسعار خيالية والفلاح المسكين بين المطرقة والسندان لا قوة له على المساومة ولا حول له على التوقف عن الإنتاج لأنه لا يملك بديلا.
هذه السياسة الشيطانية أدت إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية الصامتة وهي تهجير الفلاحين القسري من أراضيهم.
نعم إنه تهجير قسري لا يختلف في جوهره عن التهجير الذي مارسه المستعمر ولكنه يمارس هذه المرة بأيدي تونسية وبأدوات اقتصادية خبيثة.
الملايين من أبناء الأرياف شدوا الرحال نحو المدن الساحلية الكبرى ليس حبا في أضوائها بل هروبا من موت بطيء في قراهم المنكوبة.

وهنا نصل إلى الوجه الأكثر قذارة للشرخ المجالي وهو ما حدث في المدن نفسها.
هذه الجحافل البشرية التي نزحت من الدواخل لم تجد في العاصمة والمدن الكبرى سوى جدار من الازدراء الطبقي المقيت.
تشكلت في المدن هوية جديدة ولكنها خبيثة
هي هوية البلدية كما يسمون أنفسهم، حماة النقاء الحضري المزعوم.
البلدية هم الصنف الاجتماعي الذي ورث عقلية أعوان المخزن يرون في أنفسهم سادة البلاد وأصلاءها وفي كل من نزح إليهم مجرد همجي دخيل، مجرد أفاقي كما ينعتونه بازدراء.
لا يرون في أخيهم التونسي الذي هجرته سياسات الدولة المنحرفة إلا تهديدا لنمط عيشهم وتهديدا لأمنهم.
هذه النظرة الدونية الاستعلائية خلقت في المدن جيتوات حقيقية، مناطق للأغنياء وأبناء البلاد المزعومين ومناطق ظل داخل المدن نفسها، هي الأحواز والأحياء الشعبية الطرفية التي تكدس فيها النازحون.
في هذه الأحياء، دوار هيشر والتضامن والملاسين يعاد إنتاج الريف في قلب المدينة لكن بصورة مشوهة، يعاد إنتاج قيم التضامن والعائلة طمعا في النجاة بينما تغيب أبسط مقومات الحياة الحضرية من ماء وكهرباء وصرف صحي.
إنها مدن داخل المدينة لا تراها عيون البلدية ولا تصلها أصواتهم.
البلدية يتحدثون عن أحواز بالتقزز ويصفون سكانها بكل نقيصة متناسين أن هؤلاء هم من يخدمونهم في بيوتهم، هم عمال نظافة مدنهم وبناة عماراتهم، هم الجيش الاحتياطي للرأسمال المتوحش الذي ينتظر الفتات.

هذا النزوح وهذا التريف للمدن لم يكن ليحدث لو أنه كانت هناك تنمية فعلية في الدواخل لكن الدولة المتخاذلة أرادت أن تحشر كل التونسيين في الشريط الساحلي لخدمة اقتصاد الخدمات الرديء. وهؤلاء النازحون ومع مرور الزمن تحولوا إلى كائنات ممزقة الهوية يعيشون في المدينة بأجسادهم لكن قلوبهم وأرواحهم لا تزال معلقة بدواويرهم الأصلية التي هجروها قسرا.
هذا الانفصام خلق إنسانا تونسيا جديدا غاضبا ومتصدعا إنسانا لا يشعر بالانتماء لا إلى هذا المكان ولا إلى ذاك.
الجيل الجديد من أبناء النازحين، الشباب الذي ولد في أحزمة البؤس هذه، لم يعد يقبل أن يكون خادما ذليلا كما كان آباؤه.
هذا الشباب رأى النور، رأى أضواء المدينة الساطعة وأبراجها وفنادقها الفخمة على مرمى حجر من أكواخهم لكنه يشعر أنه ممنوع من دخول هذه الجنة بجواز سفر طبقي.
هذا التناقض الصارخ بين الثراء المقيت والبؤس المدقع في نفس الرقعة الجغرافية هو الذي فجر البركان في 2011. الشرارة انطلقت من سيدي بوزيد، من قلب المناطق المنسية لكنها سرعان ما أشعلت كل الأكواخ وكل الأحواز وكل مناطق الظل الممتدة عبر الخريطة التونسية.
خرج أهل الأطراف ليقولوا بصوت واحد نحن موجودون نحن بشر، ونحن نريد بلدنا لا بلدكم أنتم.

ونحن اليوم بعد سنوات من تلك الهبة نرى الدولة لم تتعلم الدرس بعد، إنها تدور في نفس الحلقة المفرغة، تعيد إنتاج أزماتها بغباء منقطع النظير.
العقلية المخزنية لا تزال مهيمنة على القرار، أمننة كل الملفات الاجتماعية، معالجة البطالة بالرصاص الحي، معالجة الاحتجاجات السلمية بالاعتقالات والتلفيق.
بدل أن تستثمر الدولة في الفلاحة وفي السيادة الغذائية ها هي تهرول وراء صندوق النقد الدولي لتبيع ما تبقى من ممتلكات الشعب وتفرض مزيدا من التجويع على البسطاء.
بدل أن تنشر التنمية في الدواخل ها هي تواصل تركيز المشاريع الوهمية في الساحل بينما العائلات في جندوبة والقصرين تغرق في الظلام والفقر.
تونس لن تتعافى ولن تنهض حتى نقتلع من الرأس فكرة المخزن إلى الأبد، حتى نؤمن أن الدولة ليست جهازا لضمان امتيازات فئة على أخرى، بل هي أداة للعدالة وإعادة توزيع الثروة.
يجب أن نعترف أن مشكلتنا ليست تقنية وليست نقصا في المال فقط بل هي مشكلة فلسفية وسياسية في تعريف الدولة نفسها.
من هي الدولة؟ ولمن هي؟
إن كانت الدولة هي استمرارا للمخزن البايوي فلتقلها صراحة ولتخبر أهل الدواخل والأحواز أنهم مجرد رعايا درجة ثانية لا حقوق لهم خارج الخدمة والضرائب.
وإن كانت دولة المواطنة التي ناضل من أجلها الشعب فعليها أن تبدأ فورا في ردم هذه الفجوة التاريخية، أن تعتذر رسميا لأبناء القبائل المقهورة، أن تكفر عن خطيئة التهميش، أن تعيد توزيع الاستثمارات بشكل عادل وأن تعيد الاعتبار للفلاحة وللأرض التي هي أساس الكرامة.

لقد صبر الفلاح وصبر العامل المنجمي وصبر شاب الحوض المنجمي وصبر ساكن الكوخ في حي التضامن طويلا، صبر حتى ظن الحكام أن الصبر ضعف وأن السكوت موت.
لكن التاريخ علمنا أن براكين الشعوب لا تموت بل تخبو لتثور من جديد.
التحذير الأخير الذي يجب أن يدوي في آذان كل من يتلبس بجلباب المخزن اليوم أن رياح السيبة لم تعد مجرد ممانعة ضريبية كما في زمن البايات بل هي اليوم رياح غضب عاتية قادرة على اقتلاع كل شيء.
إما أن ننخرط جميعا في بناء دولة لكل التونسيين، دولة العدالة الاجتماعية العادلة، دولة الشمال والجنوب والشرق والغرب سواء بسواء أو أن نتحضر جميعا لانهيار قادم لا يبقي ولا يذر.
الكرة في ملعب النخبة الحاكمة وعليها أن تختار بين أن تكون جزءا من الحل التاريخي أو أن تتحمل وزر انهيار وطن بأكمله.

إنني أصرخ في هذه السطور صرخة الأجداد المقهورين صرخة بن غذاهم التي لم تمت، أصرخ بها في وجه كل أصنام الوهم والفساد.
تونس لا تريد حلولا ترقيعية ولا صدقات من صناديق دولية تونس تريد ثورة في المفاهيم، ثورة تعيد الاعتبار للإنسان أينما كان، في القصرين وفي المرسى، في الرديف وفي حلق الوادي.
تونس التي نحلم بها هي التي لا تعرف معنى كلمة ظل لأن الشمس تضرب أرضها بعدل كامل هي التي فيها فلاحتها بخير وسياحتها متواضعة في خدمة الإنسان لا العكس، هي التي يلتقي فيها ابن البلْدية وابن الأحواز على طاولة الوطن كندين للكرامة لا سيد ومسود.
هذا ليس حلما شعريا، هذا مشروع نضالي طويل وهذا هو السلاح الذي نحمله، الكلمة الصادقة التي تكشف القيح وتحرق النفاق.
وإلى أن تشرق شمس هذا اليوم سنبقى نكتب ونفضح ونعارض بشراسة من لا يملك سوى الحقيقة، حقيقة أن تونس للجميع أو لا تكون.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال