بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الأحباس في تونس: الملحمة الموؤودة بين قداسة الوقف ومقصلة الدولة

2026-04-25 190 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
لا يمكن فهم تاريخ تونس الحديث دون الغوص في تلك المقبرة العقارية الكبرى التي تسمى الأحباس فهي لم تكن مجرد نظام لتوزيع الأراضي أو تنظيم المواريث بل كانت هي الجغرافيا المقدسة التي شيد عليها المجتمع التونسي استقلاله الوجودي لقرون قبل أن تأتي الدولة القومية لتمارس عليها طقوس الذبح البيروقراطي.
الحكاية ليست مجرد أرقام أو فصول قانونية جافة بل هي ملحمة صراع بين مجتمع كان يمتلك روحه عبر ملكية الأرض ودولة أرادت أن تمتلك كل شيء تحت ذريعة التحديث واللحاق بركب العصر.

تبدأ القصة من تلك اللحظة التي استقرت فيها أولى حبات الرمل في أسوار القيروان حيث لم تكن الأحباس فعلاً دينياً معزولاً بل كانت بياناً سياسياً واقتصادياً مبكراً يعلن أن الأرض لله ومنفعتها للناس بعيداً عن تقلبات الأمراء ونزوات السلاطين.
في العهد الحفصي تحول هذا النظام إلى غول مؤسساتي ناضج حيث نجد هيكلية إدارية معقدة تفوق في دقتها أجهزة الدول الحديثة من القاضي المشرف إلى الناظر التنفيذي وصولاً إلى شاهد الحبس الذي كان يمثل عين الرقابة المالية الصارمة.
كانت الأحباس هي التي تبني المستشفيات التي تسمى بيمارستانات وهي التي تفتح المدارس والكتاتيب وهي التي تضمن أن يجد طالب العلم مأوى وكساء مما خلق نوعاً من المجتمع المدني الفطري الذي لا ينتظر منة من ميزانية الدولة أو عطاء من بيت المال.
مع دخول العثمانيين تعقد المشهد أكثر بظهور الأحباس الخاصة أو الذرية والتي كانت في جوهرها استراتيجية دفاعية تتبعها العائلات التونسية لحماية ثرواتها من مصادرات السلطة أو تفتت الميراث عبر الأجيال.
كان الحبس هو الملجأ الأخير للملكية الفردية في وجه عواصف السياسة وهو ما جعل الخارطة العقارية التونسية تتحول إلى غابة كثيفة من الحقوق المتشابكة حيث تلتقي رقبة العقار المجمدة مع المنفعة الجارية في نسق اقتصادي فريد. وعندما تأسست جمعية الأوقاف في منتصف القرن التاسع عشر كانت تونس تحاول ترميم هذا البنيان العملاق ليواجه رياح التغيير القادمة من الشمال لكن الوقت كان قد فات وكانت الأطماع الاستعمارية قد بدأت ترسم خرائطها على جلود الفلاحين التونسيين.
حين حط الاستعمار الفرنسي رحاله في عام 1881 اصطدم بجدار الأحباس الصلب حيث اكتشف المعمرون أن أجود الأراضي التونسية محبسة ومحرمة على البيع والشراء مما جعلها خارج الدورة الرأسمالية التي يقدسها العقل الأوروبي.

هنا بدأت عملية الالتفاف الكبرى عبر نظام الإنزال وهو العقد الذي حول المعمر الفرنسي إلى مالك فعلي للمنفعة مقابل رتبة مالية تافهة تآكلت مع الزمن بفعل التضخم.
كانت فرنسا تدرك أن تحطيم الأحباس هو المدخل الوحيد لتحطيم الشخصية التونسية المرتبطة بالأرض وبدأت في نزع ملكيات شاسعة مثل أوقاف سيدي عمر بوحوال وغيرها لتمنحها لشركات الاستعمار الزراعي مما حول الفلاح التونسي من سيد في أرضه المحبسة إلى خماس أو عامل يومي في ضيعات الغرباء.
لكن المأساة الحقيقية أو ربما الانعطاف التاريخي الأكبر حدثت في فجر الاستقلال.
دخل الحبيب بورقيبة في مواجهة مباشرة مع هذا الإرث ليس بدافع الإصلاح الفلاحي فحسب بل بدافع تصفية مراكز القوى التقليدية التي كان يرى فيها تهديداً لشرعيته المركزية.
في 31 ماي 1956 تم إعدام جمعية الأوقاف بجرة قلم
وتحولت الأحباس العامة إلى ملك للدولة وهو ما يعني في العمق تأميم الدين وتدجين رجاله.
فقد جامع الزيتونة استقلاله المالي التاريخي وتحول الشيوخ والعلماء إلى موظفين في طابور البيروقراطية الحكومية ينتظرون حوالاتهم المالية من خزينة الدولة التي صادرت أوقافهم.
ولم يتوقف النهم التحديثي عند هذا الحد بل امتد ليشمل الأحباس الخاصة في جويلية1957 حيث تم تفكيك الملكيات العائلية الكبرى تحت شعارات تحرير الأرض ومنع حرمان الإناث من الإرث.
كان بورقيبة يمارس نوعاً من الجراحة القيصرية للمجتمع التونسي، يريد اقتلاعه من جذوره التقليدية ليلحقه بالنموذج الرأسمالي الغربي لكنه في الطريق إلى ذلك دمر منظومة التكافل الاجتماعي التي كانت تحمي الفقراء والطلبة والمرضى لقرون.
تحولت الأراضي المحبسة إلى مشاع إداري تلاعبت به لجان التصفية التي ترأسها الولاة وضاعت في زحام الأوراق والمحسوبيات آلاف الهكتارات التي آلت في النهاية إلى المقربين من الحزب الحاكم أو ذابت في غياهب الإهمال.

إن النظر اليوم إلى الأرشيف الوطني التونسي وما يحتويه من ثمانية عشر ألف ملف وسجل يكشف حجم الكارثة المعرفية والعقارية التي خلفها قرار التصفية.
هذه السجلات ليست مجرد وثائق صفراء بل هي شواهد على جريمة اغتيال ذاكرة المكان حيث نجد تفاصيل دقيقة عن كل شجرة زيتون وكل بئر وكل زاوية كانت تمثل نبض الحياة في الريف والمدينة.
تحولت تونس من دولة الوقف التي يدير فيها المجتمع شؤونه بنفسه إلى دولة الإدارة التي تبتلع كل شيء ولا تعطي إلا بالقطارة.
الجدل الذي يتجدد اليوم حول العودة لنظام الأوقاف ليس مجرد حنين للماضي بل هو اعتراف ضمني بفشل الدولة الوطنية في تعويض ذلك الفراغ الروحي والمادي الذي تركه غياب الأحباس.
لقد كانت الأحباس هي الضمانة التاريخية ضد الجوع والجهل وكانت هي السد المنيع في وجه التفتت القبلي والعائلي وحين تم هدم هذا السد اندفعت مياه التغريب والتبعية لتغرق المجتمع في دوامة الاستهلاك والارتهان للبنوك.

قصة الأحباس في تونس هي قصة المجتمع الذي تم تجريده من سلاحه المالي لصالح غول الدولة وهي الدرس القاسي الذي يخبرنا أن التحديث الذي يبنى على أنقاض الهوية والذاكرة العقارية هو تحديث هش يترك خلفه آلاف النزاعات القضائية التي لا تزال تئن في ردهات المحاكم شاهدة على أن الحق الوقفي لا يموت بالتقادم وأن الأرض التي حبست لله لا يمكن أن تظل حبيسة في مكاتب البيروقراطيين إلى الأبد.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال