التأمل في مسيرة هذا الرجل الحائز على جائزة روما الكبرى يكشف لنا عن عملية اغتيال ممنهجة للمكان التونسي
حيث تحول كاكوب من ابن للأزقة التونسية إلى جلاد لذاكرتها العمرانية.
وجد في نرجسية الحبيب بورقيبة ضالته المنشودة فقدم له عمارة الشمس التي لم تكن في جوهرها سوى عمارة التباهي فوق أنقاض الجوع. كان كاكوب هو المرآة التي عكست لبورقيبة صورة الإمبراطور الروماني المتجدد فشرع في تدمير النسيج العضوي للمدن التاريخية ليعوضه بكتل خرسانية باردة تفتقر للروح وتحمل ملامح الحداثة الفرنسية الهجينة.
الجريمة الكبرى بدأت في المنستير حيث مسقط رأس الزعيم هناك قام كاكوب بهدم أجزاء واسعة من المدينة العتيقة التي صمدت لقرون ممزقا نسيج البيوت المتلاصقة التي كانت تعبر عن التضامن الاجتماعي والهوية العربية الإسلامية.
استبدل كاكوب هذا التاريخ الحي بشوارع هندسية قاسية ومبان إدارية شاهقة لا تراعي مناخا ولا تراثا محولا المدينة من حصن تاريخي إلى واجهة سياحية بلاستيكية.
إن ضريح بورقيبة الذي صممه كاكوب بكلفة خرافية في زمن كان فيه الفلاح التونسي يئن تحت وطأة التقشف والتعاضد يمثل ذروة الفجور المعماري حيث تحول الفضاء الجنائزي إلى أداة دعائية سياسية تهدف لتأليه الفرد على حساب الجماعة.
لم يكن كاكوب يبني مساكن للناس بل كان يبني قلاعا للسلطة فجعل من قصر قرطاج جزيرة معزولة من الرخام الإيطالي والأثاث المستورد تفصل الحاكم عن رعيته بأسوار من الإسمنت والوهم الجمالي.
المثير للدهشة والريبة هو قدرة كاكوب على التحول الحربائي مع تغير الأنظمة فبعد انقلاب نوفمبر 1987 لم يسقط مهندس بورقيبة بل تمت إعادة تدويره ليكون العقل المدبر لعمران النهب العقاري في عهد زين العابدين بن علي.
انتقل كاكوب من عمارة الزعيم إلى عمارة المافيا حيث هندس مشروع ضفاف البحيرة ليكون المختبر الأكبر لتحويل الأرض التونسية إلى مجرد سلعة عقارية للمقربين من السلطة.
في هذا المشروع طمس كاكوب النظام البيئي للبحيرة وصمم فضاء أمنيا بامتياز يسهل مراقبته ويمنع أي تفاعل شعبي عفوي مكرسا نمطا من العمران الإقصائي الذي يجعل من العاصمة مدينة طبقية بامتياز.
نجح كاكوب في فرنسة المشهد البصري التونسي عبر ما كان يسمى بالنمط الأندلسي الهجين وهو في الحقيقة قشرة تزيينية سطحية تخفي خلفها تغريبا معماريا كاملا.
هذا التشويه لم يكن مجرد ذوق فني بل كان استراتيجية سياسية تهدف لمحو الهوية التونسية الأصيلة واستبدالها بهوية وظيفية تخدم السياحة الخارجية والوجاهة الرئاسية.
تونس التي صممها كاكوب هي تونس الفنادق والمنتجعات والقصور المرمريّة وهي صورة زائفة تخفي وراءها خرابا عمرانيا في الأحياء الشعبية والجهات الداخلية التي بقيت خارج حسابات ريشته الفاخرة.
إن فك ارتهان المكان التونسي يتطلب أولا كسر تلك الأغلال الخرسانية التي صاغها كاكوب والعودة إلى عمران يحترم الإنسان والتربة والذاكرة بعيدا عن بهرجة القصور التي بُنيت بدموع المحرومين.
ثمة سر ينام في أدراج الأرشيف الفرنسي المشفّر لا يجرؤ أحد على نبشه اليوم وهو أن كاكوب لم يكن مجرد معماري يسهر على راحة الزعيم أو يرضي نرجسيته بل كان ضابط إيقاع في شبكة معقدة تربط بين المصالح الاستخباراتية الفرنسية وبين العائلات المالية التي أدارت تونس كإقطاعية خاصة تحت مسمى الدولة الوطنية.
والأدهى من ذلك هو ما تهمس به الصالونات السياسية المغلقة حول قيامه بتدمير متعمد ومنهجي لمواقع أثرية بونيقية ورومانية نادرة تحت ذريعة التحديث العمراني
لا لشيء إلا لدفن كنوز تاريخية وطمس شواهد حضارية كان من شأنها أن تعيد صياغة السردية الوطنية بعيدا عن صنمية الفرد ليحول تونس إلى مساحة بيضاء خالية من الذاكرة يرسم عليها أوهامه الكولونيالية.
كان كاكوب في الحقيقة هو القناة الخلفية لغسيل أموال الصفقات العمومية الكبرى إذ كانت عقود استيراد الرخام الفاخر والمرمر النادر من إيطاليا والبرتغال مجرد غطاء لتهريب مئات الملايين من الفرنكات والدولارات نحو حسابات سرية في سويسرا مما يجعل منه الشريك الصامت والمحرك الفعلي لأكبر عملية نهب منظم ومشرعن عرفها تاريخ تونس الحديث محولا المعمار من فن للبناء إلى تكنولوجيا للجريمة المنظمة تمارس سطوتها تحت رداء الحداثة المزيّفة وبتوقيع ريشة فرنسية لا ترى في تونس سوى غنيمة حرب باردة.
كاكوب هو الشاهد والفاعل في تزوير وجه الدولة وبقاؤه في صدارة المشهد المعماري لنصف قرن هو الدليل القاطع على أن الاستبداد في تونس كان يملك مهندسا وفيا يتقن تحويل الخرسانة إلى وسيلة لترسيخ التبعية.
تعليق على مقال