بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

"قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما"

2026-02-10 12 قراءة مقالات فكر عبد العزيز كحيل
"قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما"
تشير هذه الآية إلى الدين الرباني الأصيل الذي لا يقبل الله من الناس غيره، لكننا في هذا الزمان، وبفعل الحملة الغربية الشرسة على الإسلام نرى امتداد تديّن يمكن تسميته بالتدين الشكلي، العاطفي، الطقوسي...و هو تديّن مغشوش يُحشر إليه المسلمون حشرا بطرق شتى، فهم اليوم – كما يقول علي عزت بيجوفيتش – "لا يؤمنون بقداسة القرآن كمنهج، بل يؤمنون بقداسة القرآن كشيء، ألسنا نرى كيف يثيرهم إحراق القرآن ولا يثيرهم خرق تعاليم القرآن، ويحفظون القرآن لكن لا يعملون بما في القرآن؟"
والاستثمار الجنوني الشكلي في العبادات منهج استبدادي قديم، فمثلا بدل أن يكون الحج رمز وحدة المسلمين ضد عدوهم فهو يُفرغ من مقتضياته الواقعية الرسالية ليصبح صورة دون مضمون، ومَن خلفه يشوشون على الحجاج بشعارات مضللة لا تمتّ بصلة إلى تعظيم شعائر الله، فتتحدث القنوات الفضائية والمنابر المسجدية مطولا عن الكسوة الجديدة للكعبة، ولا تتطرق إلى حرمة دم المسلم المهراق الذي هو أعظم من الكسوة ومن البيت الحرام ذاته كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تجليات هذا التديّن الوافد أن يصبح الحكام المطبّعون والمتصهينون – على لسان علماء السلاطين - أولياء أمور تجب طاعتهم والدعاء لهم بطول البقاء، ويصبح رجال الله المقاومون إرهابيين يجب التحذير منهم لأنهم خطر على بلاد المسلمين !!! وكأن هؤلاء "العلماء" تخرجوا من جامعة تل أبيب الإسلامية التي أنشئت عام 1956بمبادرة من الموساد وبإشراف منه إلى اليوم، وهم الذين يشغلون المسلمين بالفتاوى الشاذة والموضوعات الفارغة التي تفرق الصف والكلمة، وتبعد المسلمين عن الحق، وعن الله، وعن قضايا الامة الكبرى، إسلام لا يزعج ظالما، ولا يقاوم محتلا، ولا يقلق مستبدا، في أجوائه نكون أمام هذا المشهد المؤسف الغريب: الحُكام يظلمون، ويفسقون، ويخونون الله ورسوله، ويبيعون قضايا الأمة في سوق النخاسة والخيانة، وأولئك الشيوخ يبررون ذلك بالقرآن والسنة، العلماء الربانيون والدعاة الأحرار في السجون مغيَبون، وهم في القصور يعتلفون، يشغلون الناس بكلام مجتر تجاوزه الزمن عن شرك القبور، وهم مساهمون في انتشار شرك القصور، فضحتهم معركتنا مع العدو الذي يسعى إلى تحريف الدين من الداخل بواسطة هؤلاء الذين لا تجد في كلامهم أي إشارة إلى أخلاق الرجولة والشرف، لأنهم فاقدون للرجولة والشرف، معادون لهما.، وتحريف دين الله جريمة كبرى لا يسكت عنها المسلم فضلا عن أن يتأقلم معها لأن هذا يقود إلى الاستحمار الديني، فعلى سبيل المثال العالم كله بمسلميه وكافريه متضامن مع غزة إلا الوهابية شيوخا وأتباعا... لماذا؟ لأنهم تربوا على خصلتيْن: في عقولهم إغلاق وفي قلوبهم قسوة... هكذا قام وعاظ الحكام بتحريف المفاهيم الدينية وتفسيرها تفسيرا سلبيا يفرغها من مضمونها لصالح الانظمة المستبدة، فقد جمعوا بين تقديس الحكام وشيطنة الأصوات الإسلامية الأصيلة الحرة المنافحة عن حياض الدين، وبالتالي أسقطوا قيمة العدل، وهذا شيء غريب عن ثقافتنا... يقول عبد الرحمن الكواكبي.رحمه الله: "الاستبداد يقلب الحقائق في الأذهان، فيسوق الناس إلى اعتقاد أن طالب الحق فاجر، وتارك حقه مُطيع، والمُشتكي المُتظلم مُفسِد، والنبيه المُدقق مُلحد، والخامل المسكين صالح، ويُصبح -كذلك- النُّصْح فضولا، والغيرة عداوة، الشهامة عتوّا، والحميّة حماقة، والرحمة مرضا، كما يعتبر أن النفاق سياسة، والتحايل كياسة، والدناءة لُطْف، والنذالة دماثة"، وصدق في قوله لكن الكارثة تكمن – مرة أخرى – في "علماء" يروجون الدين الانبطاحي الذين يفعل عكس حقائق القرآن والسنة والسيرة، ويقنع الناس بمحاسن الانسحابية والسلبية والاكتفاء بالدين الفردي الذي لا يشيّد حياة كريمة ولا يورث مكانا في الجنة.
إن الدين الذي لا يحيي القلب، ولا ينير العقل، ولا يقوّم السلوك، ولا يرفع الهمة، ولا يقوي العزيمة، ولا يصون الكرامة، ولا يحرر من الاستغلال والاستعباد والاستحمار والاستغباء هو – مع الأسف – مخدر وأفيون، يتولى الكهنوت الديني تسويقه باسم القرآن والسنة، وإيثار السلامة، وترك الأمر لأهله، أي تسليم الأمة قوادها للحاكم المتغلب، وعدم منازعته فيه، ولا المطالبة بأي حق من حقوقها إلا ما "تفضل" هو بإعطائها إياه في شكل فتات متساقط من موائده المتخمة، تفضلا منه ومنة، يجب ان تشكره عليه، وتلهج بذكره، وتسبح بحمده.
إن الدين القيم الذي هدانا الله إليه في حاجة إلى خطاب يصنع الوعي، على أنقاض الخطاب الديني المبدل الذي يصنع التخدير، ويستميت في تزييف الوعي، وليس قادرا على تحريك القلوب، ولا على إنارة العقول، بل يسعى إلى تغييب التفكير، والقفز على الواقع، والاستغراق في الماضي بطريقة تشوه ماضينا المجيد، وتجعله إما مثاليا لا يصدق الناس وقائعه، أو مادة لامتداد الخلاف والتنازع في حياتنا، ويكفي الخطاب المبدَل إثما أنه يتجاهل مخاطر الاستبداد، بل يبرره باجترار حجة خوف الفتنة رغم هشاشتها شرعا وعقلا.

عبد العزيز كحيل

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال