لا يبدأ الحل من الحناجر المرتفعة ولا من الشعور الأخلاقي المتخم، بل من لحظة باردة، قاسية، يعترف فيها العقل بأن العالم لا يُدار بالنيات، وأن التاريخ لم يكافئ يومًا أصحاب الشعارات النظيفة، بل أولئك الذين فهموا القذارة ثم قرروا كيف يستخدمونها دون أن تتحول إلى عقيدة.
هنا، تحديدًا هنا، يجب أن نسقط القناع الأخير
لا توجد مقاومة خارج المنظومة، ولا بطولة في العراء، ولا سيادة تُستعاد بالإنشاد.
ما يوجد فقط هو شبكة كثيفة، متداخلة، تُنتج الشر كما تُنتج الخبز، وتعيد تدويره بذكاء يجعل الضحية شريكًا دون أن يشعر.
الشر ليس استثناءً في حياتنا الحديثة، بل هو القاعدة التنظيمية التي تعمل بها الأشياء.
إنه ليس شخصًا ولا مؤامرة تُدار في غرفة مظلمة، بل بنية كاملة، سلسلة طويلة تبدأ من المواد الخام
ولا تنتهي عند المستهلك
تمرّ عبرالمعرفة،المال،التكنولوجيا،الغذاء،الدواء،والتعليم وتُغلق الدائرة على وعي الفرد نفسه.
من يتحدث عن “معارضة” دون أن يفهم هذه السلسلة، كاملة غير منقوصة، من الشريحة الإلكترونية إلى بطاقة الدفع، من الخادم السحابي إلى قاعة الدرس، لا يفعل أكثر من تخفيف ضغط نفسي، كمن يصرخ في وجه إعصار ثم يظن أنه شارك في تغييره.
أول ما يجب فعله، بلا مواربة ولا خطابة، هو تسمية نقاط الاختناق كما هي، دون شيطنة طفولية ولا تبرير جبان
Intel وNvidia
ليستا مجرد شركتين ناجحتين، بل عقدتان عصبيتان في جسد الاقتصاد الرقمي العالمي، تتحكم الأولى في منطق المعالجة، والثانية في خيال الحساب
Amazon وGoogle
ليستا خدمات مريحة، بل أرضية الوجود الرقمي ذاته، حيث تُخزن البيانات، وتُصاغ القرارات،وتُدار الأسواق
Visa وMastercard
لا تنقلان المال، بل تملكان الحق في السماح له بالمرور أو منعه، أي تملكان سلطة سياسية مقنّعة بلغة تقنية.
شركات الغذاء العملاقة لا تبيع الطعام، بل تتحكم في الأمن الغذائي، في الأسعار، في العادات، في هشاشة المجتمعات. شركات الدواء لا تشفي، بل تحتكر المعرفة الطبية وتحدد من يحق له أن يعيش أطول وبأي ثمن.
أما مراكز البيانات وأنظمة المراقبة، فقد تجاوزت مرحلة الخفاء؛ إنها البنية التحتية للسلطة الجديدة، حيث تُقاس الدول بقدرتها على حماية معلومتها لا بقدرتها على رفع علمها.
بعد هذا التشخيص، يسقط الوهم الثاني و هو وهم المقاطعة الشاملة.
لا أحد يخرج من هذه الشبكة دفعة واحدة، ومن يَعِد بذلك إما جاهل أو محتال.
البديل الحقيقي لا يُبنى بالصدام المباشر، بل بالتآكل الذكي. لا يمكنك كسر Intel اليوم، لكن يمكنك إضعاف احتكارها غدًا، عبر إدخال معالجات ARM وRISC-V في قطاعات مختارة، عبر نقل المعرفة، عبر بناء كفاءات محلية، وعبر قبول فكرة أن السيادة ليست مطلقة، بل تراكم جزئي بطيء.
لا يمكنك حذف Google أو Meta من حياة الناس، لكن يمكنك تقليص سلطتهما القانونية والاقتصادية، بفرض سيادة رقمية حقيقية، بإجبار البيانات الحساسة على البقاء داخل الحدود، بفرض ضرائب رقمية لا تُهدر في الموازنات الجوفاء،بل تُعاد إلى مختبرات وبرامج تطوير محلية، تُبنى بصمت، بعيدًا عن الاستعراض.
المال، هنا، هو المنطقة التي يجب أن تُنزع عنها القداسة الزائفة. البنوك الكبرى ليست مؤسسات مالية محايدة، بل أدوات تنظيم للقوة العالمية
JPMorgan وGoldman Sachs
لا تمولان المشاريع، بل تحددان من يستحق التمويل أصلًا.
من يتعامل مع هذه الحقيقة بخطاب أخلاقي، يخسر قبل أن يبدأ.
الحل لا يكون في مطاردة موظف أو شيطنة مصرف، بل في بناء بدائل وظيفية
أنظمة دفع محلية، شبكات تسوية إقليمية، استعمال ذكي للعملات المحلية، وربما نعم عملات رقمية للبنوك المركزية،لا كزينة تكنولوجية، بل كأدوات لتقليص نقاط الضغط.
عندما تقلل اعتمادك، حتى بنسبة محدودة، تتحول من تابع إلى طرف قابل للتفاوض، وهذا وحده كسر في ميزان القوة.
الغذاء والطاقة لا يقلان أهمية، بل ربما يتقدمان في لحظات الأزمات.
كل سلة مشتريات، كل فاتورة كهرباء، هي علاقة قوة يومية بين الفرد والشبكة.
الحل هنا ليس الخطابة عن الاكتفاء الذاتي، بل إدارة ذكية للهشاشة
مخزونات استراتيجية، عقود طويلة الأجل،استثمارات في الزراعة الذكية، في الطاقة المتجددة،في الإنتاج المحلي والإقليمي.
ليس المطلوب السيطرة الكاملة، بل هامش أمان، لأن الهامش في السياسة هو الفارق بين الصمود والانهيار.
الدواء، بدوره، لا يُقاطع ولا يُلعن، بل يُنتزع.
عبر الرخص الإلزامية، عبر نقل التكنولوجيا، عبر بناء صناعة دوائية محلية حقيقية، لا مصانع تركيب فارغة.
الصحة ليست قضية أخلاقية، بل قضية سيادة صرفة، ومن لا يفهم ذلك يترك شعبه رهينة لحظة مرض.
ثم نصل إلى المعركة التي تُخاض في صمت
المدرسة والجامعة.
هنا يُصنع الفشل طويل الأمد.
المعرفة المستأجرة، المجلات المقفلة، منصات التعليم التي تبيع شهادات بلا عقل، هي أدوات لإنتاج جهل منظم،أنيق،مقبول دوليًا.
لا مقاومة بلا علم، ولا علم بلا استقلال أكاديمي، ولا استقلال بلا تمويل يحمي الباحث من السوق ومن السلطة معًا. الجامعة التي لا ترتبط بسوق محلي وإقليمي، ولا تُحوّل المعرفة إلى قوة إنتاج، ليست مؤسسة تحرر، بل صالون نخبوي.
الأمن السيبراني، أخيرًا، هو خط التماس الحقيقي للسيادة الحديثة.
من لا يملك شيفرته، لا يملك قراره.
من لا يفصل شبكاته الحساسة، لا يملك سرّه.
الحل ليس شراء برامج جاهزة، بل بناء فرق محلية، مراجعة شيفرات، عقل أمني يفهم أن التكنولوجيا ليست محايدة، وأن كل أداة مستوردة تحمل معها تصورًا عن السلطة.
وهنا، بعد كل هذا، تظهر الحقيقة العارية التي لا تُقال في الخطب
لا توجد بطولة نظيفة، ولا مقاومة بلا كلفة، ولا سيادة بلا قذارة محسوبة.
المواطن، الموظف، الطالب، الباحث، لا يملك رفاهية الخروج من المنظومة، لكنه يملك شيئًا أخطر
المعرفة الدقيقة بمفاصلها، وبنقاط ضعفها، وبالمساحات الصغيرة التي يمكن أن يبدأ منها.
من لا يفعل ذلك، سيبقى متفرجًا صاخبًا، يلعن الشبكة كل صباح، بينما الشبكة، بهدوء بارد، تواصل عملها، تبتلع وعيه،وتعيد تدوير غضبه كطاقة بلا أثر.
الدرس النهائي ليس أخلاقيًا، بل وجودي
إما أن تكون فاعلًا، قليل القذارة، كثير العقل، صبورًا حد العناد،أو أن تموت داخل وهم المقاومة، وأنت تظن، حتى اللحظة الأخيرة، أنك حر.
ختاما، لا نحتاج إلى إعلان انتصار ولا إلى بكائية هزيمة. يكفي أن نفهم أن العالم لا يُكسر بالضرب على الطاولة، بل بتحريكها ملليمترًا ملليمترًا حتى يختل توازن الجالسين حولها.
الأذكى ليس من يفضح الشبكة، فالجميع يعرفها، بل من يتقن العيش داخلها دون أن يبتلعها، ومن يعرف متى يُظهر الولاء ومتى يُخفي الحساب، ومتى يبتسم ليكسب وقتًا لا ليمنح ثقة.
السياسة، مثل الشطرنج، لا يكسبها من يكره القطع، بل من يعرف كيف يضحي بها دون أن يُعلن ذلك.
ومن يتوهم أن الصدام فضيلة دائمة،سينتهي شاهدًا نزيهًا على خسارته.
أما من يعمل بصمت، يراكم معرفة، ويبني بدائل صغيرة لا تُستفز ولا تُلاحظ، فهو وحده من يغيّر النتيجة دون أن يوقّع باسمه.
هكذا تُدار المعارك الحقيقية
لا صراخ، لا طهر معلن، لا بطولة مجانية.فقط عقل يحسب،ويد تتحرك ببطء،إلى أن تكتشف الشبكة، بعد فوات الأوان،أنها كانت تفاوض خصمًا وليس تابعًا.
الشرّ ليس استثناء
2026-01-04
158 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال