في شهر الثورة التونسية ، لا يعود التاريخ مجرّد تاريخ، بل يتحوّل إلى مرآة تُجبرنا على النظر طويلاً في وجوهنا، كما هي، بلا مساحيق ولا شعارات. ذكرى الثورة التونسية ليست احتفالًا بقدر ما هي سؤال مفتوح، سؤال عن المعنى، عن المسار، وعن تلك المسافة الشاسعة التي نشأت بين فعل الثورة ومنطق الحكم.
خرجت الثورة من رحم الضرورة، لا من كتب الأيديولوجيا. كانت صرخة جائعة قبل أن تكون بيانًا سياسيًا، وكانت تمرّدًا على الإذلال أكثر مما هي مشروعًا للسلطة. في لحظتها الأولى، كانت صافية مثل الألم، واضحة مثل الغضب، وبسيطة مثل مطالب الناس: كرامة، حرية، وعدالة. لكن ما إن سقط رأس النظام، حتى بدأت الجدلية القاسية بين الثورة والحكم، بين منطق الشارع ومنطق الدولة، بين الحلم الخام وآلة السلطة الثقيلة.
الثورة فعل هدم، أما الحكم فهو فن البناء. الثورة تندفع، والحكم يتأنّى. الثورة أخلاقية في جوهرها، والحكم براغماتي في طبيعته. هنا تحديدًا بدأ الافتراق. فالثورة التي لم تتحوّل إلى رؤية دولة، بقيت معلّقة في الهواء، بينما الدولة التي لم تستوعب روح الثورة، استعادت أدواتها القديمة بأسماء جديدة.
لم تجد الثورة طريقها إلى الحكم، لا لأنها كانت مخطئة في مطالبها، بل لأنها لم تمتلك اللغة التي يتحدّث بها الحكم. الحكم لا يعيش على النوايا الطيبة، بل على التوازنات، على المؤسسات، على القدرة على تحويل الغضب إلى سياسات، والشعارات إلى قوانين. وفي غياب هذا التحويل، تسرّبت الثورة من بين الأصابع، مثل ماءٍ لم يُحسن أحد جمعه.
تقدّمت إلى واجهة الحكم قوى لم تصنع الثورة، لكنها أحسنت قراءة فراغ ما بعدها. قوى أتقنت الخطاب، وورثت الدولة أكثر مما غيّرتها. فصار الحكم استمرارًا مقنّعًا، لا قطيعة جذرية. تغيّرت الوجوه، لكن البنية بقيت على حالها، وبقيت الدولة تنظر إلى المجتمع بعين الريبة، بينما ينظر المجتمع إلى الدولة بعين الخيبة.
في هذه الجدلية، تحوّلت الثورة إلى ذاكرة، والحكم إلى واقع صلب. والذاكرة، مهما كانت نبيلة، لا تحكم. تُلهم، تُذكّر، تؤنّب، لكنها لا تُدير ميزانية، ولا تُصلح إدارة، ولا تبني اقتصادًا. وهنا وقع الالتباس الكبير,ظنّ البعض أن استدعاء الثورة يكفي للحكم باسمها، بينما الثورة في جوهرها كانت ضد هذا المنطق نفسه.
فلسفيًا، يمكن القول إن الثورة لحظة صدق مطلق، بينما الحكم سلسلة من أنصاف الحقائق. الثورة تقول “لا” بلا تردّد، أما الحكم فيتعلّم كيف يقول “نعم، ولكن”. وبين الـ”لا” المطلقة و”لكن” المتكرّرة، ضاعت البوصلة. لم تُهزم الثورة في الشارع، بل تآكلت في المكاتب، في اللجان، في التوافقات الرمادية التي لا تشبه النار الأولى.
ومع ذلك، لم تمت الثورة. هي لا تموت لأنها لم تكن حدثًا عابرًا، بل وعيًا جديدًا. لكنها وعيٌ لم يجد بعدُ ترجمته السياسية. بقيت الثورة أخلاقًا بلا دولة، وبقي الحكم دولة بلا روح ثورية. وهذا الانفصام هو جوهر الأزمة التونسية: ثورة بلا سلطة حقيقية، وسلطة بلا مشروعية ثورية متجدّدة.
في ذكرى الثورة الخامس عشر ، لا نحتاج إلى تمجيد ولا إلى جلد ذات، بل إلى شجاعة الاعتراف. الاعتراف بأن الثورة لم تفشل، لكنها لم تُنجز. وبأن الحكم لم ينجح، لأنه لم يتصالح مع أصل ولادته. فالثورات لا تُقاس بسقوط الأنظمة فقط، بل بقدرتها على إعادة تعريف الحكم نفسه.
ربما كان الدرس الأعمق هو أن الثورة ليست نهاية الطريق، بل بدايته الأصعب. وأن الحكم، إذا لم يتعلّم التواضع أمام الشارع، سيفقد معناه. وبين هذا وذاك، تبقى تونس معلّقة بين ذاكرة ثورة لم تُستكمل، وحاضر حكم لم يُقنع. والجدلية مستمرة، لأن التاريخ، كما السياسة، لا يعترف بالحلول النهائية، بل فقط بالمحاولات الصادقة.
حين انتصرت الثورة… وتاه الحكم
2025-12-20
695 قراءة
مقالات رأي
محمد علي العقربي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال