كلما قرأتُ عن تلك الحروب القديمة، أشعر أنّ تونس لم تكن تُحارب جيرانها فقط،بل كانت تُحارب مصيرها.
منذ أربعة قرون، والقدر نفسه يطاردها بوجهٍ جديدٍ كل مرة:
وجهٌ من الشرق، أو من الغرب، أو من داخلها.كأنّها مكتوبة أن تبقى في حالة يقظة،تعيش كما يعيش القلب بين الأمل والخيانة.
في القرن السابع عشر، حين كانت الجزائر تُدار بالمدافع وتعيش من الغزو،كانت تونس تبني ببطءٍ ما يشبه الدولة
تزرع في الرمال فكرةَ القانون، وتنحت في الصمت ملامح المدينة.
لم تكن ثرية، لكنها كانت أنيقة الفكر.
ولذلك أرادها الدايات غنيمة.
ففي 1694، تحرّك حاج شعبان داي الجزائر نحو الكاف،
دخلها كما يدخل الليل إلى بيتٍ بلا أبواب،ثم وصل إلى العاصمة ونهبها باسم الخلافة.
كانوا يقولون “جئنا نعيد النظام”،لكنهم جاؤوا لينهشوا دولةً ناعمة الفكر،كانت تحلم أن تكون ابنة البحر لا ضحيته.
ومنذ ذلك اليوم، عرفت تونس أن الخطر لا يأتي من الخارج فقط،بل من اللغة التي تبرّر الخارج.من أولئك الذين يقاتلونك باسم الدين،ويغزونك باسم الأخوّة،ويأخذونك باسم التاريخ.
تونس فهمت مبكرًا أن الأخ الذي يحمل السيف لا يختلف كثيرًا عن الغريب.
وأن الطغيان لا يحتاج إلى عدوّ، بل إلى مبرّر.
في 1735، حين تآمر علي باشا على حسين باي،
فتح الباب للجزائريين من جديد.
جاؤوا كحلفاء ودخلوا كأوصياء.
وحين تذوق الشعوب طعم الاحتلال الداخلي،
تصبح كلّ غزوةٍ ممكنة.
فرضوا الجزية، ونصّبوا البايات كما يُنصَّب وُكلاء المستعمرين.
ثم جاءت 1756، حين زحف حسن باي قسنطينة على رأس جيشه،
احتل الكاف وتونس، وجعل البلاد تدفع الجزية كما تدفع الشعوب الضعيفة فواتير الكرامة.
كانت تلك اللحظة التي أدركت فيها تونس أنّ الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع،
وأن السيادة ليست علمًا، بل وعيًا.
لقد بدت الجزائر في تلك الأزمنة دولةً من مدافع،تعيش على الرهبة لا على الفكرة،بينما كانت تونس تحاول أن تُبقي الدولة دولةً، لا قبيلةً تحمل راية السلطان.كانت الجزائر تؤمن أن القوة تخلق الشرعية، وتونس كانت تؤمن أن الشرعية تخلق القوة.
وحين تصطدم الفكرتان، تولد المأساة.
ومع ذلك، لم تنكسر تونس.
كانت تعرف أنّ الهزيمة العسكرية ليست إلا مرحلة في تدريب الروح.
دفعت الجزية كما يدفع الفيلسوف ثمن كتبه،لا استسلامًا بل انتظارًا لزمنٍ يفهمها.
وحين جاء حمودة باشا في مطلع القرن التاسع عشر،أدار ظهره للجزائر وقال: كفى.
كانت كلمة صغيرة، لكنها بحجم ثورة.
رفض الجزية، أعاد بناء الجيش والإدارة،وأعلن أن زمن الخضوع انتهى.
لم تكن تلك مجرد واقعة سياسية، بل ولادة لوعيٍ جديدٍ اسمه تونس.
من يومها صارت تونس تعرف نفسها كأمة،تكتب تاريخها لا في السيوف، بل في العقول.
هذه الحروب ليست حكاياتٍ عن غزوٍ وانسحابٍ فقط،
بل هي كتابٌ عن العلاقة بين الفكر والسيف،بين الوعي والقدر.
الجزائر، في تلك المرحلة، كانت تعيش بمنطق الغنيمة،وتونس بمنطق الكيان.
ولذلك حين انهارت الإيالات العثمانية بعد قرن،كانت تونس أول من استطاع أن يتحول إلى دولة حديثة،لأنها كانت الوحيدة التي عاشت فكرة الدولة قبل أن تعيشها أوروبا في مغربها.
قد يقول البعض إن التاريخ انتهى،
لكن التاريخ لا ينتهي، إنه يغيّر شكله فقط.فكل دايٍّ قديم له وجهٌ جديد اليوم،وكل جزية قديمة تُدفع الآن بصيغة قروضٍ واتفاقيات.ولعلّ ما لم يفهمه الدايات هو أن تونس بلد لا يُحكم بالقوة،بل بالإعجاب،بلدٌ إذا احتللته بالمدافع،
احتلك بالذاكرة.
لقد خرجت تونس من تلك القرون الثلاثة مجروحةً،
لكنها خرجت أيضًا أكثر فطنةً من الجميع.فهمت أن القوة دون فكرٍ انتحار،وأن الدولة التي لا تعرف نفسها،تُؤكل بأيدي جيرانها قبل أعدائها.ومنذ ذلك الزمن، وهي تعيش كما تعيش زهرةٌ وسط الحديد تسقي جذورها بالدم أحيانًا،
لكنها تبقى واقفةً لأن الوقوف فيها غريزة،والكرامة عادة.
إن حروب الدايات ضد تونس ليست فصلًا من التاريخ فقط،بل مرآةٌ لما نحن عليه اليوم.
كل مرة تتنازع فيها العربيات على النفوذ،تعود أرواح أولئك الدايات،يحملون أسماء جديدة، ورايات جديدة،لكنهم هم أنفسهم:
الذين يبيعون شقيقهم ليشتروا مجدًا زائفًا.ولعلّ تونس، كما دائمًا، ستظلّ تعلمهم معنى النجاة بالعقل،ومعنى أن تكون دولة لا قطيعًا.
تونس خُلقت لتذكّر العالم بمعنى الدولة.ولذلك، كلما انهار جدار في هذه المنطقة،
كانت تونس وحدها تُصلح الجدار.كأنّها الأم التي تُخيط عباءة العرب كلما تمزقت.وهكذا ستبقى،تدفع ثمن وعيها دائمًا،لكنها لا تتنازل عنه أبدًا.لأن الأمم تموت حين تفقد ذاكرتها،وتونس، ببساطة، لا تعرف الموت.
الطغيان لا يحتاج إلى عدوّ، بل إلى مبرّر
2025-11-12
807 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال