بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

وادي الزرقاء

2025-11-12 900 قراءة مختلفات عماد عيساوي
في بعض الفترات، لا يكون التاريخ سلسلة من الأحداث،
بل سلسلة من الجروح.
والقرن السابع عشر في تونس لم يكن زمن بناء، بل زمن انهيار بطيء لدولةٍ تآكلت من الداخل.
كانت سلالة المراديين التي أسسها مراد باي الأول (1613) تحكم البلاد باسم العثمانيين، لكنها تعيش وهم الاستقلال.
كانوا بايات بإذن السلطان، لكنهم يتصرفون كملوكٍ على شعبٍ أنهكته الضرائب والحروب القبلية.

من رحم هذا الانقسام، وُلد مراد الثالث سنة 1680،
ليكون آخر البايات المراديين،
وأكثرهم إثارة للجدل، وعنفًا، ودراميةً في نهايته.

في منتصف القرن السابع عشر، كانت تونس تتنقل بين حكم أبناء العمومة من آل مراد كمن يتنقل بين فصول حرب أهلية مؤجلة.
بعد مقتل مراد باي الثاني، تنازع أبناؤه السلطة: محمد، وعلي، ورمضان.
ووسط هذا الانقسام الدموي، نشأ الصبي مراد الثالث، ابن محمد،
في بيتٍ تحكمه الخيانة وتغذيه الطموحات.

حين اغتيل أبوه، تولاه عمّه رمضان بالرعاية،
لكن السياسة لا تعرف القرابة.
خاف رمضان من الصبي، من نظراته الطويلة نحو السيف،
فألقاه في السجن، وحاول أن يعميه كي لا يرى طريق الحكم.
لكن الفتى هرب بمساعدة بعض أتباع والده، إلى جبال الوسلات،
حيث يعيش رجال القبائل الذين لا يعترفون إلا بالقوة.

هناك، بين صخور الجبال، بدأ يتعلم فلسفة البقاء.
وحين خرج، لم يخرج كلاجئ، بل كقائد متمرّد.
من معاقله في جبال الوسلات، كوّن مراد جيشًا صغيرًا من رجالٍ غاضبين.
استولى على القيروان سنة 1699، وجعل منها مركزًا لحركته.
أرسل رسائل إلى الديوان في تونس، يعدهم بالأمان والعدل،
لكن ما إن اقترب من العاصمة حتى انقلبت الرسائل إلى تهديد.
حين دخل المدينة، هرب عمه رمضان،
وفي الطريق أُمسك به وقُتل.
تُوِّج مراد بايًا بقرار من الديوان، لكنه لم ينس شيئًا،
فأول أوامره كانت نبش قبور أعمامه وإطلاق النار على رفاتهم.
كانت تلك لحظة رمزية، فكل رصاصة في العظام القديمة
كانت إعلانًا لميلاد سلطةٍ بلا ذاكرة.

في العام الأول من حكمه، بدأ مراد الثالث بإعادة ترتيب الحكم.
لكن تونس لم تكن دولة موحدة، بل فسيفساء من الولاءات:
قبائل المخزن، شيوخ القيروان، تجار الساحل، وجيش الأتراك الإنكشارية في العاصمة.
كلٌّ له مصلحته وسلاحه.

ولأن مراد لم يكن سياسيًا بل مقاتلاً،
واجه الجميع بالعنف نفسه.
فرض الضرائب بالقوة، قمع العصيان بالقتل،
وأهان شيوخ القبائل الذين كانت ولاءاتهم هي عماد النظام.
هنا بدأت أول الشرارات:
قبائل المخزن التي كانت درعه في البداية، تمرّدت عليه،
ونهبت القيروان انتقامًا من جبروته.

كان ذلك عام 1700، حين بدأت الشرعية المرادية تتآكل من الداخل.

في لحظة ما، بدا مراد الثالث وكأنه يريد أن يعيد للتاريخ التونسي مجده القديم.
تحدث في مجالسه عن الحفصيين، وعن قسنطينة، وعن الجزائر.
أراد أن يمدّ حدود تونس غربًا لتصبح مملكة مغاربية.

في ذلك العام نفسه، تحالف مع بعض قادة المغرب ضد الجزائر،
وأرسل جيشه لمهاجمة قسنطينة.
كانت المغامرة تشبه انتحارًا سياسياً:
ففي تلك الحملة، انهزم جيشه أمام قوات البايلك الجزائري،
وخسر معظم ضباطه، واضطر إلى الانسحاب.

الهزيمة لم تكن عسكرية فقط، بل رمزية.
فقد أدرك الجميع أن باي تونس تحدّى السلطان دون أن يملك جيش السلطان.
وأن استقلاله المزعوم ليس سوى عاصفة في فنجان.

بعد الهزيمة، عمّت الفوضى.
ارتفعت الأسعار، توقفت التجارة، وبدأت القبائل تتناحر.
في العاصمة، ازداد نفوذ الإنكشارية الذين كانوا ولاؤهم الحقيقي للباب العالي، لا للباي.
وأصبح مراد محاصرًا في قصره، يخاف حتى من حراسه.

حين أرسل نائبه إبراهيم الشريف إلى إسطنبول لتجنيد قوات جديدة،
لم يكن يدرك أنه يوقّع على حكم موته.
ففي إسطنبول، أقنع العثمانيون إبراهيم الشريف بأن خلاص تونس يمرّ عبر إزاحة مراد.
وأعطوه الضوء الأخضر ليعود “منقذًا

في صباح 9 يونيو 1702،
كان مراد الثالث يمتطي جواده في موكب رسمي.
بجانبه مملوكه المخلص إبراهيم الشريف، الذي عاد من إسطنبول محمّلًا بالولاء المزدوج.
في لحظة غدرٍ باردة، أدار الشريف بندقيته نحو صدر سيده،
وأطلق الرصاصة التي أنهت الحكم المرادي.

لم يُقتل مراد وحده،
بل ذُبحت بعده عائلته كلها، حتى الأطفال.
كانت تلك نهاية عائلةٍ بدأت بالسيف، وانتهت به.

في القراءة السيميائية للتاريخ، لا يُنظر إلى مراد الثالث كواقعة سياسية،
بل كـ علامة ثقافية تلخّص مرحلة انهيار المعنى في الدولة.

السيف في يده لم يكن أداة، بل رمزًا: فقد صار الحاكم نفسه “سيفًا”، أي مجرد أداة للعنف.

نبش القبور لم يكن جنونًا فرديًا، بل رسالةً ضمنية إلى الشعب: أن الماضي عدو المستقبل.
لقبه “بو بالة” أصبح في الوعي الجمعي التونسي رمزًا للطغيان الغريزي، حيث تتحول السلطة إلى قسوة خالصة.

اغتياله على يد مملوكه يرمز إلى تحلل البنية السلطانية القديمة: موت الأب على يد الابن، وتبدل الأدوار في لحظة انقلاب رمزية.
بهذا المعنى، يمثّل مراد الثالث النهاية السيميائية للدولة التقليدية في تونس
نهاية الحاكم الوراثي الذي يستمد شرعيته من الدم لا من العقل.
بعد مقتله، تولّى إبراهيم الشريف الحكم لبضع سنوات،
ثم أطاحت به الثورة الحسينية بقيادة حسين باي الأول سنة 1705.
كانت تلك اللحظة بداية عهد جديد لتونس:
عهد الدولة الحسينية التي ستستمر حتى منتصف القرن العشرين.
لقد كانت دماء مراد الثالث الولادة الدموية للحداثة السياسية التونسية.
من فوضاه خرج النظام، ومن جنونه خرج القانون،
ومن سقوطه خرج السؤال الذي سيلاحق كل حكام تونس بعده:
كيف نحكم من دون أن نصير نسخة من مراد بو بالة؟

في النهاية، مراد الثالث ليس مجرد بايٍ عابر في التاريخ،
بل رمز لسؤالٍ أكبر:
هل يمكن أن تبقى السلطة عاقلة في بلدٍ مريض بالخوف؟
لقد أراد مراد أن يصنع دولة قوية،
لكنه صنع أسطورة عنف ما زالت ترفرف في اللاوعي السياسي التونسي.
فكل طاغية بعده، وكل من آمن أن السيف هو الطريق إلى المجد،
كان من حيث لا يدري يكرر مشهد وادي الزرقاء.
ا

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال