بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

خير الدين باشا... هو العبد الذي فهم الحرية أكثر من سادته

2025-11-05 1131 قراءة مختلفات عماد عيساوي
في التاريخ التونسي، لا توجد شخصية تشبه خير الدين باشا.
إنه ليس بطلاً ولا خائناً، ولا يمكن وضعه في خانة المصلحين ولا في خانة العبيد.
إنه الاستثناء الوحيد في سلالة المماليك، العبد الذي نظر في المرآة، فوجد نفسه أذكى من سيده، وأصدق من دولته، وأعمق من زمانه.
ولد بلا أصل، فعاش يبحث عن معنى.
ولأن الدولة الحسينية لم تكن تؤمن بالمعنى، بل بالولاء، عاش غريبًا فيها كما يعيش المفكر داخل قفص من الذهب.

ولد خير الدين في القوقاز، في منطقة أبخازيا أو شركيسيا، بين عامي 1820 و1822، في زمنٍ كانت فيه تجارة الرقيق الأبيض جزءًا من الجغرافيا السياسية العثمانية.
خُطف صغيرًا من حضن أمه، وبيع في إسطنبول، ومنها إلى تونس، ليُهدى إلى الجنرال حسين، أحد كبار المماليك في قصر أحمد باي الأول (1837–1855).
في باردو، حيث يُصنع الرجال من الطاعة، تربّى خير الدين على ثلاث لغات:
التركية ليتحدث مع السلطة،والعربية ليخاطب العلماء،والفرنسية ليفهم الأعداء.
كان يدرك مبكرًا أنّ العبيد ليسوا دائمًا في السجون، وأنّ الحرية تبدأ في الرأس.
رآى القصر من الداخل، وعرف أن الدولة التي تحكم بالحراب لا يمكنها أن تحكم بالعقل.
ومن هنا، بدأ تمرّده الصامت: تمرّد على طبقة، لا على شخص.

كانت تونس حينها تعيش عصر المماليك الذهبي عصر العبيد الذين صاروا وزراء، والخصيان الذين صاروا مؤرخين، والخدم الذين صاروا أعيانًا.
من يوسف صاحب الطابع إلى مصطفى خزندار، كان البلاط يعجّ برجالٍ لا وطن لهم إلا سيدهم، ولا إيمان إلا في توقيعه.
في تلك الدولة، كان الحاكم بحاجة إلى عبيدٍ أذكياء أكثر من حاجته إلى أحرارٍ مشاغبين.
فالمملوك يُنفّذ ولا يُجادل، بينما الحرّ يسأل: لماذا؟
وهكذا، قامت الدولة الحسينية منذ 1705 على معادلة رهيبة:
كلما زاد عدد العبيد حول الحاكم، قلت الحاجة إلى الشعب.
حين مات مصطفى خزندار، كان القصر بحاجة إلى عقلٍ جديد.
دخل خير الدين إلى المشهد السياسي، ففاجأ الجميع بذكائه وجرأته.
لم يكن مجرّد مملوك آخر يسعى إلى رضا الباي، بل كان مشروع دولة متنقلًا.
في سنة 1857، بعد “عهد الأمان”، شارك في تأسيس المجلس الأكبر، أول محاولة لصنع مؤسسات مدنية.
وفي عهد الصادق باي (1859–1882)، صار رئيسًا للوزارة، وشرع في إصلاح التعليم والمالية والإدارة.
لكنه، بخلاف أسلافه من المماليك، لم يكن يرى في أوروبا عدوًا فقط، بل مدرسة للتقدّم،
ولا في الدين عائقًا، بل روحًا يجب أن تُترجم إلى عقل.
كتب كتابه الأشهر:
«أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» (1867)،
وفيه أعلن أن التخلّف ليس قدَرًا إلهيًا، بل نظام عبودية مقنّع، وأنّ الحرية ليست شعارًا، بل مشروع دولة عقلانية.
قال بوضوح ما لم يقله أحد قبله في تونس:
"إنّ الأمة التي تترك جهلها يحكمها، تستحق أن تُستَعبد مرّة بعد مرّة."

حين بدأ خير الدين يُطالب بالشفافية والمحاسبة، تحالف ضده المماليك الكبار،
وعلى رأسهم مصطفى خزندار، الوزير الأول الذي نهب خزينة الدولة،
ومصطفى بن عياد، والجنرال حسين نفسه،
الذين رأوا في فكره خطرًا على النظام الذي يُطعمهم من فسادهم.
لم يكن الصراع بين "إصلاحي" و"فاسد" فقط،
بل بين عبدٍ أراد أن يتحرر بعقله، وعبيدٍ خافوا أن يخسروا امتيازات العبودية.
ففي تونس، كانت العبودية مريحة أكثر من الحرية.
العبد يُطاع ويُطعم ويُعفى من التفكير،
أما الحرّ فيدفع ثمن كلمته رأسًا.
أُقصي خير الدين سنة 1877، بعد أن حاول تنظيم المالية ومنع بيع الأراضي للأجانب،
ثم نُفي إلى إسطنبول، ليصبح هناك صدرًا أعظمًا (1878–1879).
لكنه اصطدم مجددًا بالسلطان عبد الحميد الثاني، واستقال.
ومات في المنفى سنة 1889، كما يموت المفكرون عادة: صامتين، ومهزومين، ولكن خالدين.

إنّ مأساة خير الدين ليست في نفيه، بل في أنه وُلِد في زمنٍ لم يكن مستعدًا لفكره.
كان يريد أن يبني دولة مؤسسات في مجتمع قبلي،
وأن يزرع العقل في تربةٍ لم تعرف إلا الطاعة.
كان أول من حاول إدخال مفهوم "الملكية الجماعية للوطن"،
حين كان الوطن يعني فقط القصر والحديقة والباي.
لكنّ مشروعه فشل لأن الدولة نفسها كانت مريضة بعقدة الأصل:
لا تقبل الحرّ إن كان بلا نسب، ولا العبد إن صار مفكرًا.

يختلف خير الدين عن بقية المماليك في أنه امتلك وعيًا طبقيا نادرًا.
لم يهرب من أصله، بل تجاوزه بالفكر.
لم يسعَ إلى أن يصبح بايًا، بل إلى أن يجعل من الباي مواطنًا.
فشل؟ نعم.
لكن فشله هو أعظم انتصار لتاريخ تونس الفكري.
لأنه أول من كشف أنّ العبودية الفكرية أخطر من العبودية الجسدية،
وأنّ النخبة المطيعة أخطر من الاستعمار نفسه.

بعد قرن تقريبًا، سيأتي الحبيب بورقيبة (1903–2000)،
ابن الطبقة المتوسطة، ليرفع نفس شعار الإصلاح والحداثة،
لكن بفارق رهيب: بورقيبة لم يكن عبدًا، بل كان مُستعمَرًا مقلّدًا.
كلاهما بنى الدولة بالعقل لا بالسلاح،
كلاهما صدّق أنّ الشعب يمكن تربيته كما يُربّى الطفل،
لكن أحدهما (خير الدين) كان مملوكًا يحلم بالتحرر،
والآخر (بورقيبة) كان محرّرًا يحلم بأن يُصبح بايًّا جديدًا.
في النهاية، انتهى الاثنان إلى النتيجة نفسها:
دولة مدنية بوجهٍ مملوكي،
تُدار بالقوانين لكنها محكومة بالولاءات.

خير الدين باشا هو العبد الذي فهم الحرية أكثر من سادته،
لكن وُلد في بلدٍ لم يكن يريد الحرية أصلاً.
تونس لم تفهمه، لا لأنه غامض، بل لأنها لم تتعوّد أن تفكر.
لقد أراد أن يصنع "تونس العاقلة"،
لكنها كانت ولا تزال تُحب "تونس الهادئة"،
التي يُحكم فيها الناس من فوق، باسم “الإصلاح” تارة، وباسم “الاستقرار” تارة أخرى.

في النهاية، كان خير الدين أول من قال لتونس ما لا تريد سماعه:
أنها تُحب سلاسلها، وتكره مفاتيحها.
أنها تبني نخبتها من عبيدٍ قدامى بأزياء جديدة.
أنها لا تعاقب من ينهبها، بل من يحاول أن يوقظها.
“المملوك الذي حاول أن يصنع دولة أحرار”
هذه هي الجملة التي تختصره.
ولذلك، بقي في الذاكرة غريبًا،
لا كرمز وطني، بل كضميرٍ مبكّر لدولة لم تولد بعد.
لو عاش خير الدين في أوروبا، لكان فيلسوف دولة.
ولو عاش في الشرق، لكان نبيًّا سياسيًا.
لكن لأنه عاش في تونس، فقد كُتب عليه أن يكون عبدًا مرتين:
مرّة في طفولته، ومرّة في ذاكرة وطنٍ لا يحب من يصارحه.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال