بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الحالة الإسلامية الحركية في تونس بين الفهم التداولي والوعي المعياري

2025-10-25 596 قراءة مقالات فكر صابر النفزاوي
1
الحديث عن الحالة الإسلامية الحركيّـة في تونس يقتضي أوّلًا ضبط المفاهيم والتمييز بين ”الإسلاميّة” كمرجعيّـة شاملة وبين التنظيمات الحزبية التي تتبنّى الإسلام كإطار مرجعي أو خطاب تعبوي، فإذا أردنا إصابة شيء من الدقّة التحليلية فإنّ الواقع التنظيمي يكاد لا يمثّله اليوم -بالمعنى الحركي الجذري- سوى حزب التحرير الذي -رغم نقائصه واختلافنا التصوري معه- حافظ بشكل ”نموذجي” على وضوح خطابه العقائدي والسياسي دون مساومه على الثوابت الكبرى على عكس أغلب التشكيلات الأخرى التي انخرطت إمّا في لعبة “التدجين السياسي” أو تبنّت خطابًا هجينًا يراوح بين المرجعية الإسلامية والاندماج في الأفق العلماني للدولة الحديثة !..

لكن حين يُطرح نقاش في الساحة الإعلامية والسياسية والفكرية المحليّة حول ”الإسلاميين” فإنّ الاسم الذي يقفز مباشرة إلى الأذهان هو ”حركة النهضـة” دون غيرها، حتى غدت -في المخيال العام- العنوان شبه الحصري لـ”التجربة الإسلامية” التونسيّة، وبطبيعة الحال هذا الانطباع السائد هو نتـاج مباشر لتشويش مفهومي وقيمي له وجهان؛ وجه مقصود ومغرض اشتغلت عليه المنظومة الحاكمة والنخب الإعلامية والثقاافية منذ عقود حيث حُصرت “الإسلاميّة” في صورة واحدة قابلة للتفاوض والاحتواء أي “الإسلامية النهضوية” التي جرى دفعها تدريجيًّا نحو التماهي مع منطق الدولة الوطنية العلمانية لتصبح نسخة قابلة للتداول السياسي دون أن تهدّد البنية العميقة للنظام، وبهذا حُجبت بقية التيارات الإسلامية الجذرية أو الثوريّة عن المجال العام وتمّ إقصاؤها أو وصمها بالمروق والتطرّف ..

الوجه الثاني للتشوّش الدلالي قائم على الفهم المغلوط أو الفضفاض؛ فالكثير من المتابعين حتى من داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية يتعاملون مع “الإسلامية” كتصنيف عـائم/غـائم يشمل كل من يرفع شعارًا دينيًّا أو يعلن انتماءً مرجعيًّـا للإسلام دون التفريق بين من يتخذ الإسلام إطارًا قيميا عامًا وبين من يتبنّاه مشروعًا سياسيا تغييريا متكاملاً، والنتيجة أنّ مفهوم “الإسلامية” يتعرّض إلى تسطيح وتمييع يساوي بين من يقبل بالديمقراطية كمرجعية فوقية حاكمة وبين من يطرح الإسلام باعتباره المرجعية العليا للشرعية والسيادة، لنجد أنفسنا أمام مصطلح ”الإسلاميون الديمقراطيون” الذي كان نوح فيلدمان من كبار منظّريه من خلال كتابه «ما بعد الجهاد» ..

وتتجاوز خطورة هذا التشويش الجانب النظري لتمتدّ إلى المستوى العملي والسياسي حيث يتمّ تحميل “الإسلاميين” -بالمعنى العام- نتائج خيارات ”النهضة” وحدها، سواء في مشاركتها في الحكم أو في إدارتها للصراع السياسي فتتشوّه صورة ”الإسلاميّـة” برمّتها في الوعي الجمعي،، وهكذا يتمّ الخلط بين إسلامية مهادِنة ومتصالحة مع النظام الدولي العلماني، وبين ”إسلامية جذرية” تسعى إلى إعادة التأسيس السياسي على أساس الشريعة والسيادة الإلهية ..

المطلوب إذن تحرير المصطلح من هيمنة التوظيف الإعلامي المسيَّس الذي يختزل “الأدلوجة الإسلاميّة” في حزب بعينه، ما يتطلّب بدوره التمييز بين مدارس ”الإسلام الحركي” حيث نقف على مفترق مزدوج نلقى فيه مدرسة اندماجية مساوِمة يصفونها بـ”الإصلاحيّـة” ( النهضة نموذجا) ومدرسة جذرية مبدئية رافضة للعلمنة (حزب التحرير مثالا)، مع التأكيد على أنّ الأولى لا تُلغي الثانية ولا تختزلها ..

غير أنّ الخطأ المنهجـي الذي يقع فيه بعض المتابعين (ووقعتُ فيه أنا شخصيًّـا) هو التعامل مع حركة النهضة باعتبارها حزبًا ”علمانيًّـا بالمطلق” وذلك لمجرّد رصد انخراطها في قواعد اللعبة الديمقراطية أو ممارستها لبراغماتية سياسية واسعة، وهذا التوصيف رغم ما يستند إليه من شواهد واقعية على تحوّلات النهضة يبقى في رأيي اختزاليا ومضلّلًا لسبب بسيط وهو أنّ هذا الحزب -مهما بلغت مساحة انخراطها في الأفق العلماني للدولة الوطنية- ما زال يُعرِّف نفسه في التداول العام وفي وعي أنصارها وخصومها على حدّ سواء وبعيدا عن تنظير الوثائق الرسمية (مُخرجات المؤتمر العاشر) كـ”حركة إسلاميّـة”،، فالنهضة مازالت تحتفظ بالرمزية الإسلامية في خطابها وشعاراتها وتوجهها الاتصالي، وهو ما يجعلها -موضوعيًّا- جزءًا من التصنيف الأوسع لـ”الإسلاميين”، حتى وإن كانت ضمن شريحة الإسلاميين المندمجين/المساومين، أعتقد أنّ تجاهل هذا البُعد التداولي في التصنيف يقود إلى تشويه النقاش نفسه إذ يُحوِّل الحركة إلى حزب “علماني صرف” لا رابط له بالإسلام وهو ما يناقض تاريخها ومسارها وطبيعة موقعها في المخيال الجمعي وحتى المزاج الطاغي على قواعدها على الأقل من المنظور الاجتماعي المحافظ ..

ثمّ إنّ القول بعلمانية النهضة المطلقة يغفل حقيقة أنّها لم تصل قطّ إلى القطيعة الكاملة مع ”المرجعية الإسلامية” لا نظريا ولا فعليا بل ظلّت أسيرة حالة الازدواج أو ”الفصام المرجعـي” فهي من جهة تُظهر التزامًا بالديمقراطية والدولة المدنية بحدودها العلمانية، ومن جهة أخرى لا تستطيع -لأسباب فكرية ورمزية وتنظيمية- أن تنزع عنها اللبوس الإسلامي سواءً في خطابها التعبوي أو في شعور قواعدها بالانتماء إلى ما يسمّى “الإسلام السياسي”، هذه المفارقه هي التي تفسّر كثيرًا من التناقضات في مواقفها وخطابها !..

وهنا تبرز الحاجة الملحّة إلى تحرير المفاهيم والتمييز بين ما يمكن تسميته بـ”المعنى الواسع للإسلامي” وما يمكن اعتباره “المعنى الضيّق”؛ فالأول يشمل كل من يعلن انتماءه المرجعي أو الرمزي إلى الإسلام، ولو على سبيل الشعار أو الهوية العامة، أما الثاني فيتعلّق بمن يجعل الإسلام إطارًا تغييريًّا شاملًا ومشروعًا سياسيا كاملاً يهدف إلى إعادة بناء الشرعية والسيادة على أساس الشريعة..

ولعلّ هذا التمييز يقارب -على سبيل القياس- التمييز الفقهي المعروف في مقام الاعتقاد بين ”الإيمان المطلق” الذي لا يتحقق إلا باجتماع أصوله وفروعه واستجماع شروطه، وبين ”مطلق الإيمان” الذي يكفي فيه تحقّق القدر الأدنى من التصديق والانتماء دون بلوغ الكمال,، وبهذا الاعتبار يمكن القول إنّ النهضة تقع ضمن دائرة “مطلق الإسلاميين” بالمعنى الواسع ..

فهذا التفريق إذن ضروري ليس فقط لفهم موقع النهضة داخل المكوّن الإسلامي إنما أيضًا وخاصةً لحماية السجال العام من الخلط والتسطيح الذي يجعل من كل اختلاف في الدرجة اختلافًا في النوع فيشوّه إدراكنا للحالة الإسلامية في البلاد ويفتح الباب أمام الاستغلال الإعلامي والسياسي !..

من هنا فإنّ توصيف النهضة باعتبارها حزبًا “إسلاميًّـا متعلمِنًـا” قد يكون أدقّ أو أقرب إلى الدقة من تصنيفها حزبًا علمانيًّـا محضًا،، فهي تمثّل ”الإسلاميّـة المساومة” التي قَبِلت بالانخراط في النظام الدولي والإطار الإمّاننتي/العلماني، لكنها -في الوقت ذاته- لا تزال تحتكر في التداول العام -هنا والن- عنوان “الإسلاميين”..

إنّ إدراك هذه الحقيقة ضروري لتفادي الانزلاق إلى مقولات حادّة تخلط الأوراق؛ فلو وصفنا النهضة بالعلمانية المطلقة سنقع في الخطأ نفسه الذي وقعت فيه المنظومة حين اختزلت ”الإسلاميين” كلهم في النهضة نفسها،، المطلوب إذن مقاربة ناضجة تُبقي النهضة ضمن الخارطة الإسلامية لكن مع الحرص على التعامل النقدي الصارم معها حمايةً لـ”الوعي السياسي الإسلامي المعيـاري” !..

التعليقات والردود

1
فوزي
2025-10-25
مفهوم الاسلامي
اولا هذا مقال متميز
ثانيا نعم، اوافقك أستاذ صابر في زاوية تناول الموضوع المتعلق بمساحة للفعل الاسلامي في زاوية السياسة
والحقيقة مساحة السياسة هي تفريع من مشروع فكري، وضبابية او الخلل في المشروع الفكري لدى اي تنظيم ينتح عنه عدم الدقة المفهومية لدى المتابعين

ابدي ان مشكلة النهضة من حيث مدى دقة تصنيفها بالمشروع الاسلامي هو امر لاحق عن مشكلة المشروع الذي تحمله والذي لايبدو جذريا وانما يسلم بالموجود في تاسيساته الاولى ويبني فوقه مشاريعه، مما ينتهي به لمجرد عنصر من الواقع يتعارك على القبول به باعتماد مسطرة سادة ذلك الواقع

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال