1_ اهمية الحضور المادي و الثقافي في القارة الافريقية:
_ يمكن اعتبار مضامين الخطاب الملكي بمثابة "بيان قاري جديد" في تاريخ المغرب المعاصر، وانه غير مسبوق من حيث الشكل و المضمون. انه بيان يؤكد على فلسفة جديدة في الدفاع عن القضية الوحدة الترابية، و التي تعتبر اولى الاولويات. وعليه فان "البيان القاري الجديد" ما هو الا خطاب دولة، دولة لا يمكن لاحد الا ان يؤكد على تجذرها في تشكيل وحدة المجتمع المغربي المختلفة اعرافه و تقاليده و اعراقه ومجالاته الجغرافية و اللغوية عبر قرون من الزمن. كما يعكسه بشكل واضح تعبير جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني: ( المغرب شجرة جذورها في إفريقيا وأغصانها تتجه نحو أوروبا). مما يطرح تحديا مستقبليا على مستوى التعبئة الوطنية، أي انه ليكون المغرب في مستوى رهاناته الكبرى، يجب الحسم _فيما بين المكونات الاساسية من مؤسسات عمومية و هيئات حزبية سياسية او نقابية او مدنية في _قواعد مشروعية الدولة سياسيا و ديبلوماسيا بصفة نهائية. تلك الدولة التي تختفي فيها التمييزات بين الدولة و المجتمع، حسب "كارل شميث" لانها ليست الا تنظيما ذاتيا للمجتمع، وهي فكرة اعتبار كل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية مشاكل دولةٍ بشكل مباشر.
_انه اخيتار استرتيجي للعودة الى البيئة السياسية و الجغرافية الحاضنة للوجود المغربي في الزمان و المكان. انه البعد الافريقي الذي اصبح موضوعا فائق الاهمية من حيث الابعاد الاستراتيجية و السياسية بالنسبة للرهان المغربي للعودة الى منظمة الوحدة الافريقية، المؤمنين اغلب اعضائها باهمية المغرب و تجربته السياسية و موقعه الاسترتيجي التفاوضي في الدفع بقضايا القارة الى الامام. وعليه يرى احد الخبراء السينغاليين على ان "خطاب داكار" فرصة للمغرب لكي يدعو شعوب العالم و قادتها الى اعادة قراءة تاريخ المملكة المغربية، لفهم طبيعة انواع التنافس الاوربي حول المغرب بهدف تمزيقه اجتماعيا و تفكيكه سياسيا من طرف القوى الاستعمارية ما بين مؤتمر مدريد 1880و وفي مؤتمر الجزيرة الخضراء1906 . فالمغرب اصبح مدعوا اليوم لتجنيذ ثقافته السياسية و الحقوقية للتعريف بحقه المشروع في الاقاليم الجنوبية و سبتة و مليلية وكل شبر من الارض التي عاش فيه المغاربة عبر التاريخ في تناغم تام بين السلطة المركزية و البنية الاجتماعية العامة.
2_ا لدرس التربوي في ايقاظ العقل الحزبي من سباته السياسوي.
_اما الشق الثاني من الخطاب الملكي من داكار فهو يهم الشأن السياسي الوطني بالدرجة الاولى . ويمكن اعتباره درسا بيداغوجيا في اتمام ما جاء به مضمون الخطاب المتصل بالافتتاح البرلماني الشديد الصرامة اتجاه الممارسة الحكومية ذات المشروعية الانتخابية . بحيث اتضح من خلال منطق الرسائل الموجهة للنخب السياسية وفقا " للمنهجية الديقرطية" سيما عندما يقول بالحرف:( إن المغرب يحتاج لحكومة جادة ومسؤولة. غير أن الحكومة المقبلة، لا ينبغي أن تكون مسألة حسابية، تتعلق بإرضاء رغبات أحزاب سياسية، وتكوين أغلبية عددية، وكأن الأمر يتعلق بتقسيم غنيمة انتخابية.). بحيث تثبت طبيعة الممارسة السياسية طابع المفارقة، بحيث نجد أن اللجان المركزية في الأحزاب أو الائتلافات تقرر مصير المواطنين وراء بابٍ مغلق، وفي الديمقراطية الجماهيرية، حسب "كارل شميث"، حيث تخضع الأحزاب لانضباط حديدي، ليس النقاشُ العام إلا مسرحيةً بحتة. ليس هناك أكثر من «توافقات مكاتب» تختطف إرادة الناس، ويبتعد البرلمان كثيراً عن أن يكون حاضن النقاشات العامة الحقيقية لعجزه عن التوفيق بين المصالح المتناقضة الموجودة في المجتمع، ولا تجد هذه التناقضات طريقة للتعايش إلا عن طريق مفاوضات تجري بعيداً عن أعين الرأي العام. و بالتالي تحتاج الديمقراطية الجنينية الى ضمانة سياسية معتبرة كيلا تنحرف ايديلوجيا الى "حزب وحيد" سواء في شقه الماركسي الكسيح او الاسلاموي العنيف، وحتى لا تقع فريسة لتوجهات تجار الحرب و الفوضى الخلاقة، وان نأخذ بالتنبيه الاخير للدكتور عبد الله العروي مأخذ الجد (ان الدولة الوطنية عموما، تواجه مخاطر تفكك تحت ضغط عوامل اجنبية قد تتدثر في " ايديولوجيا حقوق الانسان"
_ يستفاد من الدرس البيداغوجي الملكي ان هناكا جدلا قويا ما بين ترسيخ المسار الديمقراطي والتنموي وطنيا، وتعزيز السياسة الإفريقية، و اللذين يساهمان في تحصين الوحدة الوطنية والترابية، على اساس ان الدولة لن تكون "سياسية" الا عندما تكون قادرة على التمييز بين العدو و الصديق، في الداخل و الخارج. بحيث ان كل مجتمع ما هو الا تجمع من الافراد تطبعهم علاقات معينة و على الغالب اما ان تكون تنافسية او تعاونية او هما معا، لان الاختلافات و التوثرات حول المصالح الاقتصادية و المالية ما بين المجموعات يستدعي بالقوة اهمية "التعبئة الوطنية" حسب كارل دوتش، بحيث ان الوطنية تصبح هي التذبير العقلاني للخلافات المجالية _ المنافع، الاسواق، المبادلات، التبادل الرمزي و اللغوي. لينتهي كارل دوتش الى اعتبار الدولة بمثابة الجهاز العصبي للمجتمع. و معناه بالصريح المفيد ان الملكية الدستورية يجب ان تقوي النواة الصلبة للوحدة السياسية بنوع من الصلابة القانونية و التشريعية امام مشكلات التقاطع بين بعض المصالح الحزبية ذات "الطبيعة الدعوية" و السياسات العمومية المؤسساتية، أي ملكية قادرة على حماية الشعب من السياسات الشعبوية ذات المشروعية العددية، و ان تكون اكثر صلابة و قوة للحفاظ على التوازن في ما بين الثنائيات المغربية ذات الجذور السوسيولوجية العميقة في تاريخ الامة المغربية خصوصا و ان المغرب اختار التدبير الجهوي للمجالات الترابية: البدو/ الحضر، العرب/ الامازيغ، التقدميون/ المحافظون، الاسلامويون/ الحداثيون. بمعنى ضرورة اعتبار ان الشعب متنوع في معطياته الجغرافية و متعدد في اسئلته و طموحاته و انتظاراته الاقتصادية و الاجتماعية التي تحتاج الى حلول فورية. فهو اذن في امس الحاجة الى فلسفة تربية جديدة أي تعليم ديمقراطي جيد و تنشئة اجتماعية في تثمين معتبر للمكتسبات و بحثا حثيثا عن الحلول الاجرائية القمينة بالمواجهة لاكراهات العولمة و ما يتهدد الدولة الوطنية من مخاطر.
تعليق على مقال