بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

اللغـة الوطنيـة و مواقـع الانترنـت في تونس‏

2007-10-22 11372 قراءة مقالات فكر فتحـي قاره بيبـان
1
اللغـة الوطنيـة و مواقـع الانترنـت في تونس‏
إن تصفح المواقع التونسية غير الحكومية على شبكة الانترنت يصيب المرء بذهول وحيرة. ‏فجلّ هذه المواقع لا تعترف ‏باللغة العربية ولا تستعملها، وكأنها ليست لغتها ولغة البلاد التي ‏تنتسب إليها ولغة أبناء الوطن الذين تتواصل معهم.‏

و كمثال على ذلك نشير إلى أنه ما من أحد من مزودي خدمات الانترنت للقطاع الخاص ‏الخمسة يستعمل اللغة العربية في ‏موقعه ولا يعرضها حتى كاختيار لتصفح الموقع ضمن ‏لغات أخرى بل كلهم يستعملون الفرنسية فقط. ومن بين 42 موقعا ‏لأدلة تونسية على ‏الانترنت تسنى لي تصفحها، وجدت عناوينها معروضة في موقع لأحد مزودي خدمات ‏الانترنت، لم أجد ‏سوى موقع واحد فقط يستعمل العربية وموقع واحد آخر يعرضها كخيار ‏ضمن خيارات لغوية أخرى للتصفح، أي أن نسبة ‏استعمال العربية في هذه المواقع أقل من 5 ‏في المائة.‏

إن تفضيل أصحاب هذه المواقع للغة الفرنسية في تحرير مواقعهم على لغتهم العربية يمكن ‏اعتباره كنتيجة من نتائج السياسة ‏اللغوية التي انتهجت بعد الاستقلال وخلال العهد البورقيبي. ‏فقد وقع تهميش العربية ودورها في المعاملات والتعليم. و ‏أصبحت الفرنسية تدرس إجباريا ‏في المدارس لتكون بعد ذلك اللغة التي يقع بها تلقي المعرفة العلمية وغير العلمية، وأصبح ‏‏يرتبط بها كل ارتقاء علمي واجتماعي للفرد. وانحصر دور العربية في مجال أدبي ضيّق ‏يكاد لا يتجاوزه.‏

وقد أنتج ذلك جيلا ارتبطت ثقافته باللغة الفرنسية واستعمالها بشكل كبير. و عندما يتحدث ‏عدد من أفراد هذا الجيل عن ‏العربية يتحدثون عنها وكأنها لغة من اللغات لا غير، و ليست ‏اللغة التي تشكل هويتهم وانتمائهم وتستدعي غيرتهم وحميّتهم. ‏ولم يجد قسم كبير من هذا ‏الجيل حرجا ولا ممانعة من مجتمعه في استعمال الفرنسية كلغة بديلة للغته العربية للتواصل ‏مع ‏بني قومه الذين يشتركون معه في نفس اللغة والموطن، أو في الاستعمال المزدوج للغتين ‏والمروق من لغة إلى أخرى ‏والقفز بينهما قفز لاعب مختال.‏

و في هذا الوضع جاء انتشار الانترنت في العالم وفي تونس كنتيجة من نتائج التفاعل بين ‏المجتمعات. فالمجتمعات البشرية ‏ككل الكائنات الحية تتفاعل مع بعضها، إلا أن ما يؤول إليه ‏هذا التفاعل وينتج عنه يرتبط بالظروف التي يقع فيها ‏وبالأطراف المتفاعلة ودرجة وعيها.‏

فالتفاعل بين مجتمعات متقاربة في مستوياتها الثقافية و الحضارية و الاقتصادية، كالمجتمع ‏الانكليزي و المجتمع الفرنسي ‏مثلا، يختلف عن التفاعل بين مجتمعات متباينة تباينا شاسعا ‏في المستويات الحضارية و الثقافية و الاقتصادية كالمجتمعات ‏الغربية و مجتمعات العالم ‏الثالث. كما يختلف التفاعل بين مجتمعين أحدهما في وضع المهيمن و الآخر في وضع ‏المهيمن ‏عليه عسكريا أو حضاريا عن غيره.‏

و كثيرا ما ينتج عن التفاعل بين مجتمعين غير متكافئين حضاريا علاقة تفاعل غير متكافئة ‏تجعل المجتمع الأضعف يرى ‏نفسه في مرتبة أدنى بالنسبة للمجتمع الأقوى، و لا يستطيع ‏بموارده الذاتية مواجهته بنديّة، فيميل إلى تقليده و التشبّه به. و ‏يسعى المجتمع الأقوى إلى ‏دعم ذلك كي يضمن تبعية المجتمع الأضعف له و هيمنته عليه.‏

إن التفوّق الذي يمكن أن تبرز به ثقافة أجنبية في المجالات المعرفية و التقنية على ثقافة ‏محلية لا تصحّ مواجهته من طرف ‏أبناء الثقافة المحلية بالارتماء في أحضان الثقافة الأجنبية ‏و رموزها اللغوية و التنكر للذات و مقوماتها، فذلك يؤدي إلى ‏الاغتراب الثقافي و فقدان ‏الهوية و الثقة في النفس و الذوبان في الآخر. و هذا من أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعا ‏من ‏المجتمعات. ‏

و لكن الحلّ يكمن في إثبات الذات ببذل الجهد و الاستفادة من إنتاج الثقافة الأجنبية انطلاقا ‏من الثقافة المحلية ومقوماتها التي ‏أبرزها اللغة. فاللغة هي الترسانة الثقافية التي تبني الأمة ‏وتحمي كيانها. وقد قال فيلسوف الألمان فيخته: "اللغة تجعل من ‏الأمة الناطقة بها كلاً ‏متراصاً خاضعاً لقوانين. إنها الرابطة الحقيقية بيـن عالم الأجسام وعالم الأذهان".‏

واللغة باعتبارها أداة التواصل بين أبناء الوطن الواحد و أداة التعبير عن الذات و الهوية لا ‏تستبدل إلا إذا استبدلت الذات ‏نفسها. وقد ورد في القرار الرئاسي للتعريب (أكتوبر 1999): ‏‏"إن اللغة العربية من مقومات الانتماء الحضاري وهي رمز ‏السيادة الوطنية وركن من ‏أركان الدستور".‏

إن استعمال اللغة الفرنسية بشكل أساسي ومكثف في جلّ المواقع التونسية الخاصة على ‏الانترنت فيه ضرب لقيم الانتماء ‏الوطني والحضاري في الصميم وفصل للمتلقي عن بيئته ‏ومحيطه الوطني والحضاري و ربطه بفضاءات وهويّات أخرى.‏

وقد استمعت في برنامج تلفزي على الفضائية التونسية لمسئولة كبيرة في الإدارة التونسية ‏عن قطاع الانترنت تقول في ‏جواب عن سؤال حول هذه المسألة : أنه علينا لإثبات وجودنا ‏وكسب موضع قدم في شبكة الانترنت أن نفعل ما تفعله ‏المجتمعات الأخرى التي تكتب بلغتها ‏ولا شيء بغير لغتها حتى لو لم يقرأها أحد.‏

و نتمنى أن يكون للمسئولين عن المواقع التونسية الخاصة المستعملة للفرنسية من الوعي ‏والحس الوطني ما يجعلهم ‏يصحّحون الأوضاع اللغوية لمواقعهم كي تصبح معبرة عن ‏انتمائها الوطني والهوية الحقيقية لأبنائها بكل فخر واعتزاز. و ‏ما ذلك بعزيز على أبناء ‏تونس المثقفين الذين أثبتوا طيلة تاريخهم المجيد إخلاصهم ووفائهم الدائم للوطن الذي أنجبهم ‏وللغة ‏التي أرضعتهم.‏

التعليقات والردود

1
أبو سمية
2007-10-22
أنا ارى انه على السلطات الرسمية ان تتدخل للدفع باستعمال العربية على مستوى الانترنت وذلك عن طريق التشجيع أحيانا ‏والفرض احيانا اخرى:‏
‏- المواقع التي تمثل تونس, كمزودي الخدمات مثلا يجب ان يفرض عليهم استعمال العربية كلغة رئيسية في معاملاتهم ‏ومواقعهم.‏
‏- باقي المواقع, يمكن ان يقع ابتكار طريقة يشجع بها اصحاب المواقع لاعتماد اللغة العربية, كحوافز مادية او غير ذلك.‏

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال