بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

حين تتواطأ البيداغوجيا الحديثة مع الذكاء الاصطناعي: من تجديد التعلّم إلى أتمتة الوهم - حفريات في وعود التحوّل الرقمي وحدود التجديد التربوي

2026-10-20 11 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تمهيد: حين يصبح التجديد وعدًا قابلًا للأتمتة

ليس أخطر ما يمكن أن يحدث للتربية أن تدخلها التكنولوجيا، ولا أن تستعين بمستحدثات الذكاء الاصطناعي في التدريس والتعلّم، بل أن يتحوّل دخول هذه الأدوات إلى دليل ضمني على حدوث التجديد نفسه، وأن يُختزل التغيير التربوي في تحديث الوسائل، بينما تظل العلاقات البيداغوجية، وأنماط إنتاج المعرفة، وشروط الفهم، ومواقع الفاعلين داخل القسم أسيرة منطق لم يتغيّر إلا في مظهره.

تلك إحدى المفارقات التي تستحق الحفر: أن تتقدّم لغة التجديد أسرع من التجديد ذاته، وأن تتكاثر المفاهيم التي تعد بمتعلّم مستقلّ، ناقد، مبدع، وقادر على بناء معارفه، في الوقت الذي قد تُستخدم فيه أكثر الأدوات التقنية تطوّرًا لإنتاج الإجابة الجاهزة، واختصار مسارات التفكير، وتسريع إنجاز المهمات، وتوفير حلول تبدو مكتملة قبل أن يخوض المتعلّم تجربة البحث والتردّد والخطأ والمراجعة.

لقد دخل الذكاء الاصطناعي إلى المجال التربوي محمّلًا بوعود واسعة: تفريد التعلّم، وتكييف المحتويات، ومراعاة الفروق الفردية، وتخفيف أعباء المدرّس، وتوسيع فرص الوصول إلى المعرفة. وهي إمكانات لا يصحّ إنكارها أو التقليل من شأنها. لكن السؤال السوسيولوجي لا يبدأ عند تعداد ما تستطيع التكنولوجيا إنجازه، بل عند مساءلة الشروط التي تجعل هذا الإنجاز تحوّلًا تربويًا فعلًا، أو تجعله مجرّد إعادة إنتاج للممارسات القديمة بأدوات أكثر سرعة وإقناعًا.

فهل يكفي أن يصبح إعداد النشاط أسرع حتى يصبح التعلّم أعمق؟ وهل يكفي أن ينتج الذكاء الاصطناعي مسارات تعليمية متعدّدة حتى يتحقّق التفريد البيداغوجي؟ وهل يمكن أن نعلن انتقالنا إلى مدرسة الإبداع والتفكير النقدي، بينما تتزايد قدرة الأدوات الرقمية على تقديم الإجابات التي كان يفترض أن يتعلّم الناشئة كيف يبحثون عنها، ويفحصونها، ويختلفون بشأنها، ويبرّرونها؟
ولا ينحصر الإشكال في العلاقة بين التكنولوجيا والممارسة الصفية، بل يمتد إلى البيداغوجيات التي رُفعت طويلًا بوصفها بدائل عن التعليم التقليدي، وفي مقدمتها بيداغوجيا المشروع، وبيداغوجيا الإدماج، والبيداغوجيا الفارقية. فهذه المقاربات تحمل وعودًا بتعلّم أكثر نشاطًا، وكفايات أكثر قابلية للتوظيف، واستجابة أوسع لاختلاف المتعلمين. غير أن اعتمادها لا يضمن، في حد ذاته، تحقّق هذه الوعود؛ مثلما أن إدماج الذكاء الاصطناعي لا يضمن أن تصبح الممارسة أكثر حداثة أو إنصافًا أو عمقًا.

من هنا، لا يتعلّق الأمر بإدانة الذكاء الاصطناعي، ولا بإعلان فشل البيداغوجيات الحديثة، بل بالحفر في منطقة التقاء وعودهما، حيث يمكن للخطاب البيداغوجي أن يمنح التكنولوجيا شرعية تربوية مسبقة، فيما تمنح التكنولوجيا الخطاب البيداغوجي صورة التجديد المرئي والملموس.
وعند هذه النقطة تحديدًا، يصبح التواطؤ مفهومًا تحليليًا محتملًا، لا اتهامًا أخلاقيًا ولا افتراضًا لوجود اتفاق واعٍ بين فاعلين؛ إنه تضافر ممكن بين منطقين قد ينتجان، رغم اختلاف منطلقاتهما، نتائج متشابهة: تحسين صورة التعلّم من دون تغيير شروطه العميقة.

1. من تجديد الوسائل إلى تجديد المعنى: الصندوق الأسود للتغيير التربوي

تحتل مفاهيم التفكير النقدي، والاستقلالية، والإبداع، وحلّ المشكلات، والعمل التعاوني، وبناء الكفايات مكانة مركزية في الخطاب التربوي المعاصر. وقد أسهمت تيارات بيداغوجية متعددة في مساءلة مركزية المدرّس، وفي تجاوز التصورات التي تختزل التعليم في نقل المعارف واستظهارها.
لكن انتقال المفاهيم من مجال التنظير إلى الممارسة المؤسسية لا يحدث بصورة آلية. فالمؤسسة التعليمية لا تستقبل الأفكار الجديدة في فراغ، بل تعيد تأويلها وفق برامجها، وتوزيع الزمن المدرسي، وأنماط التقويم، وثقافة العمل، وانتظارات الأولياء، وآليات الرقابة والمساءلة.

هنا تكتسب أطروحة بيير بورديو وجان كلود باسرون أهمية خاصة؛ فالمدرسة ليست فضاءً محايدًا تنتقل داخله المعارف بمعزل عن العلاقات الاجتماعية، بل مؤسسة يمكن أن تسهم، من خلال آلياتها الثقافية والتصنيفية، في إعادة إنتاج تفاوتات قائمة (Bourdieu & Passeron, 1970).
لا يعني ذلك أن كل تجديد بيداغوجي يعيد إنتاج الهيمنة بالضرورة، بل إن أي تجديد يحتاج إلى أن يُفحص في ضوء شروط إدماجه المؤسسي، والموارد المتاحة لتنفيذه، والآثار الفعلية التي يخلّفها في المتعلمين.

قد يتغيّر شكل النشاط، وتُستبدل الورقة المطبوعة بشاشة، ويُستعاض عن الشرح المباشر بمورد تفاعلي، ويُطلب من التلميذ إنجاز مشروع جماعي بدل الإجابة عن أسئلة الكتاب. ومع ذلك، قد يظل منطق الممارسة على حاله: إنجاز المطلوب، واحترام النموذج المنتظر، والوصول إلى إجابة يقبلها المدرّس، ثم الانتقال إلى المطلوب التالي.
في هذه الحالة، لا يكون التجديد غائبًا تمامًا، بل يكون قد تعرّض لعملية تكييف مؤسسي جعلته قابلًا للاندماج في النظام القائم من دون أن يزعزع قواعده الأساسية.

وقد ربط جون ديوي التعلّم بالتجربة والاستقصاء والتفكير التأملي، مؤكدًا أن الخبرة لا تتحول تلقائيًا إلى تعلّم لمجرد أن المتعلم مارس نشاطًا ما؛ إذ يتوقف الأمر على كيفية تنظيم التجربة، والروابط التي يقيمها المتعلم بين أفعاله ونتائجها (Dewey, 1933).
وهذا التمييز أساسي في موضوعنا. فالنشاط ليس دليلًا كافيًا على التعلّم، والتفاعل ليس مرادفًا للفهم، والمنتوج لا يكشف وحده عن المسار الذي أنتجه.

إن الصندوق الأسود للتغيير التربوي يكمن في هذه المسافة بين ما تعلنه المؤسسة عن نفسها، وما يحدث داخل الممارسة اليومية. وعندما يدخل الذكاء الاصطناعي إلى هذا الصندوق، فإنه لا يجد بالضرورة منظومة مستعدة للتحول؛ فقد يجد منظومة قادرة على استيعاب التقنية الجديدة وتوظيفها لخدمة أهدافها القديمة.

2. البيداغوجيات الحديثة تحت المجهر: المشروع والإدماج والفوارق بين وعد التحرير وإمكانات الأتمتة

لا تكتمل مساءلة العلاقة بين البيداغوجيات الحديثة والذكاء الاصطناعي من دون التوقف عند ثلاث مقاربات بارزة في الخطاب والممارسة التربويين: بيداغوجيا المشروع، وبيداغوجيا الإدماج، والبيداغوجيا الفارقية.

تختلف هذه المقاربات في منطلقاتها وأدواتها، لكنها تشترك في محاولة تجاوز حدود التدريس القائم على نقل المعارف المجزأة، وتوسيع مشاركة المتعلم، وتعزيز قدرته على تعبئة موارده، ومراعاة اختلاف حاجاته وإيقاعاته.
غير أن مشروعية هذه المقاصد لا تمنح تطبيقاتها حصانة من النقد، ولا تضمن أن تتحقق الغايات المعلنة بمجرد اعتماد المصطلحات والإجراءات المرتبطة بها. فالمسألة التي تستحق الحفر ليست ما إذا كانت هذه البيداغوجيات صحيحة أو خاطئة في ذاتها، بل ما يحدث لها عندما تنتقل من التصورات النظرية إلى الممارسة المؤسسية، ثم ما يمكن أن يحدث عندما تدخل أدوات الذكاء الاصطناعي إلى هذه الممارسة.

أ. بيداغوجيا المشروع: حين يصبح المنتوج أهم من مسار التعلّم

تقوم بيداغوجيا المشروع على تنظيم التعلّم حول مهمة ذات معنى، تستدعي البحث والتخطيط والتعاون واتخاذ القرار وإنتاج عمل يمكن عرضه ومناقشته وتقويمه. وقد أبرز بلومنفلد وزملاؤها أن التعلّم القائم على المشروع لا يكتسب قيمته من مجرد إنجاز منتوج، بل من العلاقة بين نشاط المتعلم، وبناء المعرفة، والدعم الذي يقدمه المدرّس لاستمرار التعلم وتوجيهه (Blumenfeld et al., 1991).

كما تناول توماس، في مراجعته للأبحاث حول هذه المقاربة، أهمية التمييز بين المشروع بوصفه نشاطًا منتجًا، والمشروع بوصفه إطارًا لتنظيم تعلم المفاهيم والمعارف (Thomas, 2000).
لكن هذه العلاقة بين المنتوج والتعلّم ليست مضمونة تلقائيًا. فقد تنتهي المجموعة إلى إعداد ملصق متقن أو عرض رقمي جذاب أو بحث غني بالمعلومات، من دون أن تكشف جودة المنتوج عن مقدار ما تعلّمه كل فرد، أو عن طبيعة مساهمته في البحث والتحليل والكتابة. وقد يصبح النجاح مرادفًا للإنجاز الظاهر، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بالمسار المعرفي الذي أنتجه.

وقد خلصت مراجعة منهجية إلى نتائج مشجعة بشأن تنمية التفكير الأعلى والتفكير النقدي في بيئات التعلّم القائم على المشروع والمشكلة، لكنها أشارت أيضًا إلى تفاوت تعريف هذه القدرات وطرق قياسها، وإلى نقائص منهجية في عدد من الدراسات (Loyens et al., 2023). ولا تبرر هذه النتائج الحكم بفشل بيداغوجيا المشروع، لكنها تحذّر من افتراض أن اعتمادها يؤدي بالضرورة إلى تنمية التفكير النقدي.

هنا يدخل الذكاء الاصطناعي ليجعل المفارقة أكثر وضوحًا. فهو يستطيع اقتراح موضوع المشروع، وبناء خطته، وتوليد النصوص والصور، وتلخيص المعلومات، وإعداد العرض النهائي. وقد تساعد هذه الإمكانات المتعلمين على استكشاف بدائل متعددة وتطوير أفكارهم. لكنها قد تتيح أيضًا إنتاج مشروع مكتمل المظهر، من دون أن يمارس المتعلم بالقدر الكافي عمليات البحث والاختيار والتبرير والمراجعة التي يُفترض أن يتعلمها.

وعندما يتولى الذكاء الاصطناعي اقتراح الإشكالية، وصياغة الفقرات، وتلخيص المصادر، وإعداد العرض، لا يعود السؤال متعلقًا فقط بمن أنجز المنتوج، بل بطبيعة العمل الفكري الذي ظل المتعلم يمارسه أثناء إنجازه. وقد يتحول المشروع، من فضاء لتعلّم البحث واتخاذ القرار، إلى واجهة أنيقة تخفي تراجع هذه الممارسات.

إن الوهم لا يكمن في استعمال الذكاء الاصطناعي لإنجاز مشروع، بل في اعتبار جودة المنتوج دليلًا كافيًا على تحقق التعلم. ولذلك ينبغي أن يشمل التقويم مسار الإنجاز، وقدرة المتعلم على تفسير اختياراته، ومناقشة مصادره، وتعديل إنتاجه، وإعادة توظيف ما تعلمه في وضعية جديدة.

ب. بيداغوجيا الإدماج: حين تُختزل تعبئة الموارد في إنتاج الإجابة المنتظرة

ترتبط بيداغوجيا الإدماج بمحاولة تجاوز اكتساب المعارف والمهارات بصورة مجزأة، نحو تعبئتها وتنسيقها في وضعيات مركبة. وقد تناول كزافييه روجييه هذا التصور من خلال بناء الكفايات وإدماج المكتسبات في وضعيات ذات معنى، بدل الاكتفاء بتراكم الموارد المنفصلة (Roegiers, 2000).
وتكمن أهمية هذا التوجه في التمييز بين معرفة عناصر متعددة، والقدرة على توظيفها في معالجة مشكلة. غير أن هذا الطموح قد يتعرض للاختزال عندما تتحول الوضعية الإدماجية إلى قالب متكرر، ويصبح النجاح مرتبطًا باتباع خطوات مألوفة، أو بإنتاج إجابة تتوافق مع معايير محددة، من دون فحص كافٍ لقدرة المتعلم على تحليل الوضعية واختيار الموارد المناسبة وتبرير الحل.

إن وجود شبكة تقويم لا يمثل في ذاته مشكلة؛ فالمعايير تساعد على توضيح التوقعات وتحسين الحكم على الأداء. لكن الإشكال يظهر عندما تتحول الشبكة من أداة لفهم التعلم إلى قائمة من المؤشرات التي ينبغي استيفاؤها شكليًا. عندئذ قد يتعلم المتعلم كيف ينتج إجابة مقبولة في نمط مألوف من الوضعيات، من دون أن يمتلك بالضرورة القدرة على نقل كفايته إلى وضعيات مختلفة.

وهنا يفرض الذكاء الاصطناعي سؤالًا إضافيًا. فهو قادر على تحليل نص الوضعية، واستخراج عناصر المطلوب، واقتراح خطوات الحل، وصياغة إجابة متماسكة. وقد يكون استخدامه مفيدًا في مقارنة الاستراتيجيات أو تفسير الأخطاء أو مناقشة بدائل الحل. لكنه قد يؤدي، إذا حلّ محل الممارسة الذهنية المطلوبة، إلى إنتاج إجابة تُظهر الموارد مجتمعة من دون أن تثبت أن المتعلم مارس بنفسه عملية تعبئتها.

إننا أمام فارق حاسم بين إنتاج حلّ صحيح وامتلاك الكفاية التي تسمح بإنتاجه. فقد يكون الناتج سليمًا، لكن مصدر صحته لا يكفي وحده لإثبات أن المتعلم قادر على تحليل المشكلة وحلها بصورة مستقلة.
ويزداد هذا الإشكال أهمية عندما تتداخل الوضعيات الإدماجية مع تقويم يعتمد على مؤشرات محددة مسبقًا. فكلما أصبح شكل الإجابة ومعاييرها متوقعين وقابلين للتكرار، أمكن لأداة توليدية أن تنتج جوابًا يطابق جانبًا كبيرًا من المنتظر، من دون أن نملك دليلًا كافيًا على تحقق الكفاية لدى صاحب الإجابة.
ومن ثمّ، تصبح الحاجة ملحّة إلى تنويع أدلة التقويم، وطلب التبرير، وملاحظة مسار الإنجاز، والتحقق من قدرة المتعلم على نقل التعلم إلى سياق جديد.

ولا يستهدف هذا النقد بيداغوجيا الإدماج في منطلقاتها، بل احتمال اختزالها في إجراءات قابلة للتكرار، ثم استخدام التكنولوجيا لإنتاج مؤشرات نجاح لا تعكس بالضرورة مستوى الكفاية المتحقق.

ج. البيداغوجيا الفارقية: حين يُخلط بين تكييف المحتوى وتحقيق الإنصاف

تنطلق البيداغوجيا الفارقية من الاعتراف بتنوع المتعلمين واختلاف مكتسباتهم وحاجاتهم وطرائق تعاملهم مع المعرفة. وقد أسهمت أعمال كارول آن توملينسون في بلورة مقاربة عملية لتكييف التدريس وفق استعدادات المتعلمين واهتماماتهم وملامح تعلمهم، مع الحفاظ على أهداف تعليمية ذات معنى وتوفير فرص متنوعة للوصول إليها (Tomlinson, 2001).

كما ناقش فيليب بيرنو التمايز البيداغوجي في سياق البحث عن استجابات تربوية تقلل من آثار تفاوتات المتعلمين بدل أن تتركها تتفاقم داخل المؤسسة (Perrenoud, 1997).
لكن مراعاة الفروق لا تعني مجرد إنتاج نصوص متفاوتة الصعوبة، أو تمارين بأعداد مختلفة، أو تعليمات أكثر تبسيطًا. فالاختلاف بين المتعلمين أوسع من مستوى القراءة أو سرعة الإنجاز؛ إنه يرتبط بالمكتسبات السابقة، واللغة، والتمثلات، والثقة بالنفس، والظروف الاجتماعية، وطبيعة الصعوبات التي يواجهها كل متعلم.

وهنا تبدو أدوات الذكاء الاصطناعي واعدة: يمكنها اقتراح أمثلة إضافية، وإعادة صياغة التعليمات، وتوليد تمارين متدرجة، وتقديم شروح متعددة للمفهوم الواحد. لكن القدرة على تنويع المحتويات لا تعني امتلاك معرفة دقيقة بحاجات المتعلم، كما أن الاستجابة الآلية لا تعوّض التشخيص التربوي المستمر وملاحظة المدرّس للسياق.

ويظهر خطر آخر عندما تتحول الفروق إلى تصنيفات شبه ثابتة. فإذا استمر المتعلم الذي يواجه صعوبة في تلقي مهام مبسطة، بينما وُجّه غيره باستمرار إلى أنشطة أكثر تحديًا، فقد يتحول التكييف من وسيلة لفتح فرص التقدم إلى آلية تعيد توزيع التوقعات على نحو غير منصف. وقد تُقدَّم هذه العملية باعتبارها تفريدًا للتعلم، رغم أنها قد تضيق إمكانات بعض المتعلمين بدل توسيعها.

وتزداد المسألة تعقيدًا عندما تتدخل الخوارزميات في تصنيف المتعلمين أو اقتراح مساراتهم. فالتوصية الآلية ليست حكمًا تربويًا معصومًا، والبيانات المتاحة لا تختزل شخصية المتعلم ولا قدراته الكامنة ولا إمكانات تطوره.
كما لا تتحقق العدالة بمجرد حصول كل متعلم على مسار خاص؛ إذ تتصل العدالة أيضًا بمدى توافر الأجهزة والاتصال والموارد، وبنوعية الدعم البشري، وبقدرة المؤسسة على متابعة التقدم وتعديل المسار. وقد شددت اليونسكو على ضرورة أن يكون إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم متمحورًا حول الإنسان، وأن يراعي الإنصاف والخصوصية والملاءمة التربوية، بدل افتراض أن التقدم التقني يضمن وحده تحسن النتائج (Miao & Holmes, 2023).

وعليه، فإن السؤال ليس كم مسارًا تستطيع الأداة إنتاجه، بل ما إذا كانت هذه المسارات توسّع فرص التعلم فعلًا، وتتيح لكل متعلم تحديًا مناسبًا، وتحافظ على حقه في التقدم والمشاركة في الخبرة المشتركة. فالتفريد الذي لا يستند إلى تشخيص دقيق قد يتحول إلى تخصيص آلي، والإنصاف الذي لا يراعي شروط الوصول قد يظل وعدًا لا يتحقق.

د. من البيداغوجيا إلى الأتمتة: أين يتكوّن الوهم؟

تكشف المقاربات الثلاث عن مفارقة مشتركة، رغم اختلاف غاياتها: ففي بيداغوجيا المشروع قد يُخلط بين جودة المنتوج وعمق التعلم؛ وفي بيداغوجيا الإدماج قد يُخلط بين صحة الحل وامتلاك الكفاية؛ وفي البيداغوجيا الفارقية قد يُخلط بين تنويع المحتويات وتحقيق الإنصاف.
وعندما يدخل الذكاء الاصطناعي إلى هذه المساحات، فإنه لا ينتج الوهم بالضرورة، لكنه قد يجعل مظاهره أسرع إنتاجًا وأكثر إقناعًا: مشروعًا متقنًا، وإجابة مكتملة، ومسارًا يبدو مخصصًا، وتقويمًا ينتج مؤشرات كثيرة. وقد تصبح المخرجات أكثر وضوحًا وقابلية للعرض والقياس، فيما تظل العمليات المعرفية التي يفترض أن تدعمها أقل ظهورًا.

إن الأتمتة تصبح إشكالًا تربويًا عندما تجعل إنتاج الدليل الظاهري على النجاح أسهل من التحقق من النجاح نفسه. ولذلك ينبغي أن يُقوَّم المشروع من خلال مساره ومشاركة أفراده، وأن يُفحص الإدماج عبر قدرة المتعلم على تحليل الوضعية وتعبئة موارده وتبرير الحل، وأن يُحكم على التفريق بمدى توسيعه فرص التقدم لا بعدد المحتويات التي ينتجها.

ولا تكون مهمة الذكاء الاصطناعي أن ينجز بدل المتعلم ما يفترض أن يتعلمه، بل أن يساعده على بلوغ مستوى أعلى من الفهم، وأن يتيح للمدرّس موارد إضافية لملاحظة الصعوبات وتعديل الممارسة. أما إذا اكتفينا بإضافة الأدوات إلى الإجراءات القائمة، فقد ننجح في تحديث واجهة البيداغوجيا، بينما نظل عاجزين عن إثبات أن شروط التعلم قد تغيرت فعلًا.

3. البيداغوجيات الحديثة: حين تتحوّل المفاهيم إلى شعارات

لا تكمن المفارقة في أن نتحدث عن الإبداع والاستقلالية والتفكير النقدي، بل في أن تتحوّل هذه المفاهيم إلى مفردات متداولة تفقد تدريجيًا قدرتها على مساءلة الواقع الذي تستعمل لوصفه.
فقد يصبح المتعلم «فاعلًا» لأنه ينجز نشاطًا، و«مستقلًا» لأنه يعمل على حاسوبه، و«ناقدًا» لأنه يعلّق على مورد رقمي، و«مبدعًا» لأنه ينتج نصًا أو عرضًا بمساعدة أداة ذكية. لكن هذه الأوصاف لا تكتسب معناها التربوي بمجرد إطلاقها؛ إذ ينبغي فحص ما إذا كان المتعلم قد امتلك فعلًا القدرة على الاختيار والتبرير والمقارنة وبناء موقف مستقل.

إن الفارق كبير بين أن ينجز المتعلم مهمة، وأن يمتلك شروط فهمها؛ وبين أن ينتج نصًا متماسكًا، وأن يكون قادرًا على تفسير أفكاره والدفاع عنها؛ وبين أن يستعمل أداة بكفاءة، وأن يفهم حدودها وإمكانات الخطأ فيها.

وقد نبّهت أعمال بيرنو إلى أن بناء الكفايات لا يتحقق بمجرد إضافة أنشطة إلى البرنامج، بل يتطلب تنظيمًا للتعلم يسمح للمتعلم بتعبئة موارده في وضعيات ذات معنى (Perrenoud, 1997). وهذا ما يجعل السؤال عن الذكاء الاصطناعي سؤالًا عن طبيعة الكفاية ذاتها: هل نريد متعلمًا قادرًا على إنتاج جواب مقبول، أم متعلمًا قادرًا على تعبئة المعرفة، وتفسير اختياراته، واختبار الفرضيات، وتحمل مسؤولية أحكامه؟

حين تتحوّل البيداغوجيا إلى قاموس من الشعارات، يصبح من السهل أن تستوعب أي أداة جديدة. يكفي أن تُقدَّم الأداة باعتبارها محفزًا للإبداع، أو وسيلة للتعلم النشط، أو رافعة للاستقلالية، حتى تُمنح شرعية تربوية لا تستند بالضرورة إلى فحص دقيق لما يحدث أثناء استخدامها.

وهنا لا يعود السؤال: هل تتوافق هذه التكنولوجيا مع الخطاب البيداغوجي الحديث؟ بل يصبح: ما الذي يحدث للكفايات التي يعلن الخطاب أنه يريد بناءها عندما تُمارَس التربية من خلال هذه التكنولوجيا؟
فقد تخدم الأداة مفهوم الاستقلالية حين تساعد المتعلم على استكشاف مصادر متعددة ومقارنة تفسيرات متعارضة. وقد تُضعفها حين يصبح الرجوع إليها بديلًا عن المحاولة الذاتية. وقد تدعم التفكير النقدي حين تُستخدم لاختبار الحجج وكشف التناقضات. وقد تفرغه من مضمونه حين يُقبل إنتاجها بوصفه جوابًا مكتملًا لا يستدعي الفحص.

ليست المشكلة، إذن، في المفهوم البيداغوجي ذاته، بل في الفجوة بين المعنى الذي يحمله نظريًا، والوظيفة التي يؤديها داخل ممارسة محددة.

4. الذكاء الاصطناعي: من مساعد على التفكير إلى بديل عنه

يمتلك الذكاء الاصطناعي التوليدي قدرة على إنتاج النصوص، واقتراح الأنشطة، وتقديم الشروح، وتوليد الأمثلة، وإعادة صياغة المحتويات، وتكييف مستوى اللغة، والمساعدة في بناء أسئلة وتقويمات متنوعة. وهذه إمكانات قد تكون مفيدة للمدرّس والمتعلم، خصوصًا عندما تُوظّف في إطار واضح الأهداف، وتخضع مخرجاتها للفحص والتعديل والتحقق.

لكن القدرة على إنتاج جواب ليست مرادفة للقدرة على بناء المعرفة، كما أن الطلاقة اللغوية لا تضمن صحة المحتوى، ولا تكشف وحدها عن مقدار الفهم الذي تحقق لدى المتعلم.
إن الخطر لا يكمن في أن يقدم الذكاء الاصطناعي إجابة، بل في أن تختفي الحدود الفاصلة بين الإجابة التي تساعد على التفكير، والإجابة التي تعفي منه. فعندما يُطلب من التلميذ تفسير ظاهرة، ثم يتلقى تفسيرًا جاهزًا، قد يتحول النشاط من ممارسة للاستقصاء إلى عملية نقل أو انتقاء. وعندما يُطلب منه إنتاج نص، ثم يكتفي بإعادة صياغة نص مولّد، قد يصبح الناتج أفضل من حيث الشكل، من دون أن يكون ذلك دليلًا على تطور قدرته على الكتابة.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في المراحل التعليمية الأولى، حيث لا يقتصر الهدف على الوصول إلى إجابة صحيحة، بل يشمل بناء اللغة، وتطوير القدرة على التعبير، وتكوين عادات القراءة والكتابة، وتعلّم تنظيم الأفكار، وتحمّل صعوبة المحاولة.
فالتلميذ الذي يواجه صعوبة في كتابة فقرة يحتاج أحيانًا إلى نموذج، وإلى مفردات مساعدة، وإلى أسئلة موجّهة، وإلى مراجعة تدريجية. وقد يتيح له الذكاء الاصطناعي بعض هذه المساند. لكن إذا قفزنا مباشرة من الصعوبة إلى النص المكتمل، فإننا نكون قد أزلنا العقبة الظاهرة، من دون أن نعرف إن كان المتعلم قد اكتسب القدرة التي كان النشاط يستهدف بناءها.

من هنا يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات للاستخدام: استخدام يوسّع إمكانات التعلّم، واستخدام يختصر بعض مراحله من دون أن يلغيه، واستخدام يستبدل الممارسة المطلوبة بناتج جاهز. ولا يمكن تصنيف الأداة نفسها ضمن مستوى واحد في كل الظروف؛ إذ تتحدد وظيفتها من خلال طبيعة المهمة، وعمر المتعلم، ودرجة استقلاليته، وطريقة توجيه المدرّس، وكيفية التحقق من الفهم.
وقد دعت اليونسكو إلى مقاربة متمحورة حول الإنسان في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والبحث، مع التشديد على حماية المعطيات الشخصية، وملاءمة الاستخدام للعمر، والتحقق من السلامة والجدوى التربوية والأخلاقية للأدوات (Miao & Holmes, 2023).

إن الرهان ليس في إبعاد الذكاء الاصطناعي عن التفكير، بل في منع تحوّله إلى بديل عن الممارسة التي تساعد التربية على بنائها.

5. تفريد التعلّم: هل تكفي الإجابات المتعددة لصناعة متعلّم مستقل؟

يبدو تفريد التعلّم من أكثر الوعود جاذبية في الخطاب المتصل بالذكاء الاصطناعي. فالأداة قادرة على تقديم شروح بمستويات مختلفة، واقتراح تمارين إضافية، وتغيير صياغة التعليمات، وتوليد أمثلة متنوعة، ومساعدة المدرّس على إعداد موارد تراعي بعض الفروق بين المتعلمين.

لكن التفريد البيداغوجي ليس مجرد إنتاج نسخ متعددة من النشاط نفسه، ولا يعني أن يحصل كل متعلم على إجابة مصمّمة وفق مستوى لغوي معين.
فالفروق الفردية لا تختزل في سرعة الإنجاز أو عدد الأخطاء. إنها تتصل أيضًا بالمكتسبات السابقة، واللغة، والخبرات، والتمثلات، والثقة بالنفس، وظروف التعلم، وطبيعة الصعوبات، والعلاقة بالمعرفة. وهي عناصر لا يمكن افتراض أن الأداة تعرفها بدقة لمجرد أنها تلقت بعض المعطيات عن المتعلم.

ثم إن تفريد المسار لا يضمن بذاته جودة التعلم. فقد يحصل المتعلم على تمارين مناسبة لمستواه، لكنه يظل محتاجًا إلى التفاعل مع الآخرين، ومقارنة وجهات النظر، والتفاوض حول المعنى، واختبار أفكاره في وضعيات اجتماعية حقيقية.
وقد أكدت اليونسكو، في تقرير الرصد العالمي للتعليم لسنة 2023، أن قيمة التكنولوجيا التربوية ينبغي أن تُفحص في ضوء الأدلة، والإنصاف، والملاءمة، والاستدامة، وأن تكون مكملة للتفاعل الإنساني لا بديلًا عنه (UNESCO, 2023).

إن التفريد الذي يعزل المتعلم عن التجربة المشتركة قد يرفع من ملاءمة بعض الأنشطة، لكنه لا يعوّض بالضرورة التعلم الذي يحدث عبر الحوار، والتعاون، ومواجهة اختلافات الآخرين.
كما أن قدرة الأداة على تكييف المحتوى لا تعني أن المؤسسة أصبحت قادرة على معالجة التفاوتات الاجتماعية التي تؤثر في التعلم. فالتلميذ الذي يفتقر إلى الاتصال المستقر بالإنترنت، أو إلى جهاز مناسب، أو إلى فضاء هادئ للعمل، لا يستفيد من الإمكانات نفسها التي يستفيد منها تلميذ تتوفر له هذه الشروط.

وبذلك قد تتحول التكنولوجيا، التي يُنتظر منها تقليص الفوارق، إلى وسيط جديد تتوزع عبره فرص التعلم بصورة غير متكافئة.
إن السؤال الحقيقي ليس كم مسارًا يستطيع الذكاء الاصطناعي إنتاجه، بل ما إذا كان كل متعلم يحصل على شروط فعلية تمكّنه من الاستفادة من هذه المسارات، وما إذا كانت المؤسسة قادرة على ملاحظة حاجاته وتعديل ممارساتها على أساس ما تتعلمه من التجربة.

6. المدرّس بين التحرر من الأعباء وإعادة تشكيل العمل:

يُقدَّم الذكاء الاصطناعي أحيانًا باعتباره فرصة لتخفيف الأعباء المهنية عن المدرّس: إعداد جذاذات، واقتراح أنشطة، وتوليد تمارين، وتكييف نصوص، وبناء شبكات تقويم، وتوفير تغذية راجعة أولية.
ولا شك في أن بعض هذه الاستخدامات قد يوفّر وقتًا وجهدًا، إذا ظل المدرّس قادرًا على مراجعة المخرجات وتعديلها والتحقق من ملاءمتها.

لكن المسألة تتجاوز مقدار الوقت الذي يمكن توفيره. فهي تتصل أيضًا بكيفية إعادة توزيع العمل والمسؤولية داخل المؤسسة التعليمية.
فإذا استُخدم الوقت الموفّر لفهم الصعوبات، ومتابعة المتعلمين، وبناء أنشطة ذات معنى، وتبادل الخبرات المهنية، فقد تكون التكنولوجيا قد ساعدت على توسيع المساحة المتاحة للعمل التربوي الحقيقي.

أما إذا أدّى توفير الوقت إلى رفع سقف المطلوبات، وتسريع وتيرة الإنتاج، وتكثير الوثائق والأنشطة المنتظرة، فقد لا يتحرر المدرّس من العبء، بل يعاد تنظيم العبء حول توقعات أعلى للإنتاجية.
وهنا يكتسب تحليل ميشال فوكو لآليات المراقبة والتطبيع أهمية تفسيرية؛ إذ لا تعمل السلطة دائمًا عبر المنع المباشر، بل قد تعمل من خلال المعايير، والتصنيفات، وآليات القياس، وتعريف ما يُعد أداءً مقبولًا (Foucault, 1975).

لا يعني ذلك أن كل استعمال للذكاء الاصطناعي يمثل أداة مراقبة، بل إن إدماجه في بيئة مؤسسية شديدة التركيز على المؤشرات والإنجازات قد يمنح آليات القياس إمكانات جديدة: مزيدًا من البيانات، وسرعة أكبر في إنتاج التقارير، وقدرة أوسع على المقارنة والتصنيف.

وقد يصبح المدرّس مطالبًا بإنتاج موارد أكثر، وتقديم تغذية راجعة أسرع، وإظهار آثار قابلة للقياس لكل نشاط، لأن الوسائل التي تساعده على العمل باتت متاحة. لكن وفرة الوسائل لا تعني وفرة الزمن المهني، ولا تلغي الحاجة إلى الحكم التربوي والخبرة والسياق.

كما أن الاعتماد غير النقدي على المخرجات المولّدة قد يضعف تدريجيًا بعض الممارسات المهنية، إذا تحوّل إعداد النشاط من عملية تفكير وتخطيط إلى اختيار سريع بين اقتراحات جاهزة.
وفي المقابل، يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي فرصة لتطوير الممارسة المهنية، حين يستخدمه المدرّس شريكًا في توليد الفرضيات، واختبار صيغ مختلفة للأنشطة، ومراجعة وضوح التعليمات، وتحليل احتمالات الخطأ، من دون أن يتنازل عن مسؤوليته في اتخاذ القرار.

فالمدرّس ليس مجرد منفذ لمحتوى، ولا وسيطًا تقنيًا بين التلميذ والمعلومة. إنه فاعل مهني يقرأ الوضعيات، ويفهم العلاقات، ويقدّر الحاجات، ويتخذ قرارات لا يمكن اختزالها في تطبيق وصفة عامة.

7. أتمتة الوهم: حين تصبح حداثة الوسيلة دليلًا على جودة التعلّم

يستمد مفهوم «أتمتة الوهم» معناه من احتمال أن تتحوّل الوعود التربوية إلى عمليات قابلة للإنتاج التقني، من دون أن يتحقق مضمونها بالضرورة.
يمكن أتمتة إنتاج الأنشطة، وتوليد الأسئلة، وتقديم الشروح، وإعداد التقارير، وصياغة التغذية الراجعة. لكن لا يمكن استنتاج حدوث الفهم من وجود هذه المخرجات وحدها، كما لا يمكن اعتبار كثرة الموارد دليلًا كافيًا على تحسّن التعلم.

إن الوهم لا يكمن في أن التكنولوجيا لا تنفع، بل في القفز من قدرتها على إنجاز بعض المهام إلى الاعتقاد بأنها حققت الغايات التربوية المرتبطة بتلك المهام.
وهذا ما يجعل التمييز بين النشاط والتعلم ضرورة منهجية. فقد يكون التلميذ نشطًا في واجهة رقمية، ينتقل بين الأسئلة، ويختار الإجابات، ويتلقى التصحيحات، بينما يظل فهمه للمفاهيم محدودًا. وقد ينتج المتعلم نصًا متماسكًا، لكن قدرته على إنتاج نص مشابه بصورة مستقلة لم تتطور بالقدر نفسه. وقد تبدو التغذية الراجعة دقيقة، لكنها لا تكون مؤثرة ما لم يفهم المتعلم الخطأ، ويستوعب سببه، ويستخدم المعلومة في تعديل أدائه.

تتقاطع هذه المسألة مع نقد إيفان إيليتش للمؤسسات التي قد تتحول فيها الوسائل المنظمة للتعلم إلى غايات قائمة بذاتها، بحيث يُخلط بين ما يقدّمه النظام وما يكتسبه الإنسان فعلًا (Illich, 1971).

ومع ذلك، لا ينبغي تحويل هذا النقد إلى حكم شامل على التكنولوجيا أو المؤسسة. فالأدوات قد توسّع فرص الوصول إلى المعرفة، وتساعد بعض المتعلمين على تجاوز عوائق حقيقية، وتوفر للمدرّس إمكانات لم تكن متاحة من قبل. لكن هذه الإمكانات تظل رهينة كيفية توظيفها، والغايات التي تنظّمها، والنتائج التي يثبتها التقويم.

إن أتمتة الوهم تبدأ عندما يصبح إنتاج المظهر المطلوب أسهل من التحقق من الغاية المقصودة: نشاط يوحي بالتفكير النقدي، ونص يوحي بالإبداع، ومسار يوحي بالتفريد، وواجهة توحي بالتفاعل، وبيانات توحي بالتحكم في التعلم.

وفي هذه الحالة، لا تختفي البيداغوجيا القديمة بالضرورة، بل قد تتلقى وسائل جديدة تجعل بعض ممارساتها أكثر كفاءة وأشد إقناعًا. فالجواب الجاهز يمكن أن يصبح أسرع، والتصنيف أكثر تفصيلًا، والتقويم أكثر انتظامًا، وإنتاج الوثائق أكثر وفرة، بينما تظل أسئلة الفهم والاستقلالية والمعنى مؤجلة.

ليس كل ما يمكن أتمتته جديرًا بالأتمتة، وليس كل ما يمكن قياسه قادرًا على التعبير عن القيمة التربوية التي نريد قياسها.

8. من سلطة الكتاب المدرسي إلى سلطة الخوارزمية: من ينتج المعرفة التي نتعلمها؟
لم يكن الكتاب المدرسي، في تاريخ التعليم الحديث، مجرد وعاء بريء للمعرفة؛ فقد أسهم في تنظيم المحتويات، وترتيبها، وتحديد ما يُقدَّم للمتعلم بوصفه معرفة مدرسية مشروعة. ومع تطور الوسائط الرقمية، لم تختفِ مسألة السلطة المعرفية، بل اتخذت أشكالًا أخرى.

فالذكاء الاصطناعي التوليدي لا يعرض دائمًا المعرفة في صورة مصدر واضح يمكن تتبع مساره؛ إنه ينتج إجابات قد تبدو متماسكة، حتى عندما تتضمن أخطاء أو تعميمات أو معلومات غير دقيقة. ومن ثمّ، قد يجد المتعلم نفسه أمام خطاب يمتلك قوة الإقناع اللغوي من دون أن يمتلك بالضرورة قوة الدليل.

وهنا يبرز سؤال جديد: كيف يتعلم الناشئة التمييز بين المعلومة والتفسير، وبين الادعاء والحجة، وبين الإجابة المحتملة والمعرفة التي يمكن التحقق منها؟
إن التفكير النقدي لا يعني الاعتراض الدائم، ولا التشكيك في كل شيء، بل القدرة على فحص مصادر المعرفة، ومقارنة الأدلة، وتحديد حدود الادعاءات، والتراجع عن الحكم حين تظهر معطيات أقوى.

وقد أتاح مفهوم الوعي النقدي لدى باولو فريري مدخلًا لفهم التربية بوصفها ممارسة تتجاوز استقبال العالم كما يُقدَّم للمتعلم، نحو قراءته وفهم علاقات القوة التي تنظّم التجربة الإنسانية (Freire, 1970).

وفي سياق الذكاء الاصطناعي، يمكن ترجمة هذا الرهان إلى ممارسات صفية بسيطة وعميقة في آن واحد: مقارنة إجابتين مختلفتين، والبحث عن مصدر يدعم ادعاءً، واكتشاف تناقض في تفسير مولّد، وطلب تبرير اختيار معين، وإعادة بناء جواب بعد فحصه.

ليس الهدف أن يتحول التلميذ إلى خبير تقني، بل أن يظل فاعلًا في علاقته بالمعرفة، وألا تتحول سهولة الحصول على الإجابة إلى سبب للتنازل عن حقه في السؤال والفهم والحكم.

كما ينبغي ألا نغفل أن الأدوات الرقمية لا تعمل خارج السياقات الاقتصادية والثقافية واللغوية. فالمحتويات التي تنتجها قد تعكس اختلالات موجودة في البيانات والتصميم، وقد لا تستجيب بالقدر نفسه لمختلف اللغات والسياقات. ولذلك لا يمكن التعامل مع مخرجاتها باعتبارها معرفة محايدة أو منفصلة عن شروط إنتاجها.
إن سلطة الخوارزمية لا تكمن فقط في احتمال الخطأ، بل أيضًا في قدرتها على تقديم جواب سريع ومقنع يجعل التحقق يبدو عملًا زائدًا. ومهمة التربية ليست منع المتعلم من الاستفادة من هذه السرعة، بل بناء القدرة على استخدامها من دون الخضوع لسلطتها.

9. التقويم في عصر الذكاء الاصطناعي: هل نقيس التعلّم أم نقيس جودة الناتج؟

يفرض الذكاء الاصطناعي على التقويم التربوي أسئلة لا يمكن تجاهلها. فإذا أصبح من الممكن توليد نصوص وحلول وإجابات بمساعدة أدوات ذكية، فإلى أي مدى يظل الناتج النهائي دليلًا كافيًا على ما تعلّمه المتعلم؟ وكيف يمكن التمييز بين ما أنجزه بنفسه، وما أنجزه بمساعدة خارجية، وما لم يستوعبه رغم جودة المنتج الذي قدّمه؟

لا يتعلق الأمر هنا بافتراض الغش كلما استُخدمت التكنولوجيا، بل بمراجعة العلاقة بين المهمة التقويمية والقدرة التي يُفترض أنها تقيسها.
إذا كان الهدف هو تنمية القدرة على الكتابة، فإن النص النهائي ليس المؤشر الوحيد الممكن. يمكن النظر أيضًا في المسودات، والتعديلات، والاختيارات اللغوية، وقدرة المتعلم على شرح ما كتبه، وإعادة صياغة جزء منه، وتوظيف المهارة في وضعية جديدة.
وإذا كان الهدف هو حل المشكلات، فإن الوصول إلى الحل لا يكفي دائمًا؛ إذ يمكن أن يكشف شرح المسار، ومناقشة البدائل، وتبرير الاختيار، عن مستوى الفهم بصورة أوضح.

أما إذا كان الهدف هو تعلّم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي استخدامًا نقديًا، فإن الاستعانة بها ليست خروجًا عن المهمة، بل قد تكون جزءًا من موضوع التقويم نفسه، شرط تحديد المطلوب ومعايير الحكم بوضوح.

تتقاطع هذه الرؤية مع أعمال بلاك وويليام حول التقويم من أجل التعلّم، التي أبرزت أهمية التغذية الراجعة واستخدام الأدلة المتاحة لتحسين عملية التعلم، بدل الاقتصار على إصدار حكم نهائي على الأداء (Black & Wiliam, 1998).

ومن هذا المنظور، لا يستدعي الذكاء الاصطناعي التخلي عن التقويم، بل التفكير في ما نريد تقويمه فعلًا، وفي الأدلة التي تسمح لنا بالاستدلال على تحقق التعلم.
وقد تصبح بعض المهام التقليدية أقل قدرة على كشف مستوى الفهم إذا أمكن إنجازها بسهولة عبر أدوات خارجية. لكن هذا لا يعني أن الحل يكمن في العودة إلى ممارسات قديمة أو منع كل استخدام للتكنولوجيا. فقد يكون الأجدى تنويع الأدلة، وإدماج التفسير الشفهي، وملاحظة مسار الإنجاز، وطلب المقارنة والتبرير، وتصميم وضعيات تقيس الفهم في سياقه.

إن السؤال الذي ينبغي أن يوجّه التقويم ليس: هل يبدو الناتج جيدًا؟ بل: ما الذي يسمح لنا هذا الناتج، إلى جانب الأدلة الأخرى، باستنتاجه عن تعلّم صاحبه؟

10. المدرسة التونسية أمام الوعد الرقمي: بين الإمكانات وشروط التحقق

لا يمكن نقل النقاش حول الذكاء الاصطناعي إلى المدرسة التونسية باعتباره وصفة جاهزة، ولا يمكن افتراض أن الأدوات نفسها ستنتج النتائج ذاتها في مختلف السياقات التعليمية.
فإدماج التكنولوجيا يتطلب النظر في البنية التحتية، والاتصال، وتكوين المدرّسين، وتوافر الموارد، والخصوصية، واللغة، وكثافة الأقسام، والزمن المدرسي، وطبيعة البرامج، وأنماط التقويم، والفوارق بين البيئات الاجتماعية.

ولا تكفي الدعوة إلى الابتكار لتجاوز هذه الشروط. كما لا يكفي توفير أدوات رقمية حتى يصبح استعمالها ذا معنى تربوي. فالتكنولوجيا قد تساعد على معالجة بعض الصعوبات، لكنها قد تضيف أعباء جديدة إذا أُدخلت من دون إعداد، أو إذا تحوّل استخدامها إلى مطلب إداري لا يراعي اختلاف الإمكانات بين المؤسسات والفاعلين.

وقد شدّد تقرير اليونسكو العالمي لرصد التعليم لسنة 2023 على أن الأدلة المتاحة بشأن القيمة المضافة للتكنولوجيا في التعليم ليست متكافئة في جودتها، وأن قرارات إدماجها ينبغي أن تستند إلى الملاءمة والإنصاف والأدلة والاستدامة، لا إلى جاذبية التجديد وحدها (UNESCO, 2023).

ومن هنا، فإن السؤال في السياق التونسي ليس ما إذا كان ينبغي للمدرسة أن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي، بل كيف تفعل ذلك من دون أن تتحول التكنولوجيا إلى طبقة إضافية من الانتظارات المفروضة على المدرّس والمتعلم.

كيف يمكن، مثلًا، الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تكييف نص قرائي مع مستويات مختلفة، من دون إفقار محتواه أو إلغاء التحدي المعرفي الذي يحتاجه المتعلم؟ وكيف يمكن استخدامه في إعداد أنشطة للغة الفرنسية، من دون أن يتحول إلى مصدر لأمثلة غير ملائمة للسياق اللغوي أو الثقافي؟ وكيف يمكن توظيفه لمساعدة التلميذ على مراجعة إنتاجه الكتابي، من دون أن يحلّ محل الممارسة التي يحتاج إليها كي يتعلم الكتابة؟

وكيف يمكن أن نتحدث عن تكافؤ الفرص الرقمية إذا كانت شروط الوصول إلى الأدوات والقدرة على استخدامها تختلف من تلميذ إلى آخر؟ ومن يتحمل مسؤولية التحقق من المحتوى الذي تقدمه هذه الأدوات؟ وما حدود مشاركة المعطيات المتعلقة بالمتعلمين؟ وكيف نمنع تحول البيانات التعليمية إلى وسيلة للتصنيف غير المنصف أو إلى مصدر لأحكام آلية يصعب تفسيرها؟

هذه ليست اعتراضات على التجديد، بل شروط لجعله قابلًا للفحص والمساءلة. فالمقاربة النقدية لا تبدأ برفض التكنولوجيا، وإنما برفض منحها شرعية مطلقة قبل اختبار آثارها.
كما أن إصلاح التعليم لا يمكن أن يُختزل في تحديث الوسائل، مهما بلغت أهميتها. فالممارسة التربوية تتشكل من تفاعل البرامج، والزمن، والتكوين، والموارد، والعلاقات، والتقويم، والاختيارات المؤسسية. وأي معالجة تتجاهل هذه العناصر قد تنتهي إلى تحميل المدرّس مسؤولية إخفاقات لا يملك وحده شروط تجاوزها.

إن المدرسة لا تحتاج إلى أن تبدو حديثة فحسب، بل إلى أن تمتلك القدرة على معرفة ما الذي تغيّر فعلًا في تعلّم أبنائها، ولمن حدث هذا التغيّر، وتحت أي شروط، وبأي كلفة، وبأي آثار جانبية محتملة.

11. نحو حفرية في شروط التجديد: من الإيمان بالأداة إلى مساءلة أثرها

لا تقود هذه الحفرية إلى الدعوة لإقصاء الذكاء الاصطناعي من المدرسة، كما لا تقود إلى استبدال الحماسة التقنية بتشاؤم شامل. إن ما تقتضيه هو تعليق الحكم المسبق، وإخضاع الوعود إلى أسئلة قابلة للفحص، والتمييز بين ما يمكن للأداة إنجازه وما يحتاج إلى شروط تربوية واجتماعية أوسع.

يمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي على إنتاج موارد أكثر تنوعًا، وتوفير أمثلة إضافية، ومساندة المدرّس في بعض مهامه، وإتاحة فرص جديدة للتدريب والمراجعة. لكن القيمة التربوية لهذه الإمكانات لا تُستنتج من وجودها، بل من آثار استخدامها في وضعيات محددة.

ولهذا ينبغي أن تتجاوز مساءلة التجديد مستوى الخطاب إلى مستوى الممارسة: ما المهمة التي نريد إنجازها؟ ما الكفاية التي نريد بناءها؟ ما الدور الذي يؤديه الذكاء الاصطناعي؟ ما الذي يظل المتعلم مطالبًا بإنجازه بنفسه؟ كيف نتحقق من الفهم؟ وما الذي يحدث عندما تُستخدم الأداة، مقارنة بوضعية مشابهة لا تُستخدم فيها؟

ولا تقتضي هذه الأسئلة إعداد تجارب معقدة في كل مرة، لكنها تستدعي ثقافة مهنية تحترم الملاحظة، وتوثّق النتائج، وتقارن بين البدائل، وتراجع الافتراضات في ضوء ما يحدث بالفعل.
فقد يكون استخدام الأداة مفيدًا في مهمة، وغير مناسب في أخرى. وقد ينجح مع متعلم ويحتاج إلى تعديل مع غيره. وقد يوفّر الوقت في مرحلة، لكنه يستدعي جهدًا إضافيًا للتحقق من المخرجات في مرحلة أخرى. وهذه التباينات ليست عيوبًا ينبغي إخفاؤها، بل معطيات تساعد على بناء معرفة تربوية أكثر دقة.

كذلك لا يمكن فصل التجديد عن شروطه الاجتماعية. فالاستفادة من الأدوات تتطلب تكوينًا ملائمًا، وإمكانات متاحة، وحماية للمعطيات، ووضوحًا في المسؤوليات، ووقتًا يسمح للمدرّس بالتجريب والتأمل. وإذا غابت هذه الشروط، فقد تتحول الدعوة إلى الابتكار إلى خطاب جديد يحمّل الأفراد مسؤولية نتائج لا تتحكم فيها إرادتهم وحدها.

إن الرهان، في النهاية، ليس في إثبات أن الذكاء الاصطناعي قادر على أداء مهام كانت المدرسة تنجزها بوسائل أخرى، بل في تحديد ما إذا كان استخدامه يوسّع قدرة المتعلم على الفهم، ويمنحه أدوات أفضل للحكم، ويعزّز استقلاليته، ويتيح للمدرّس ممارسة أكثر وعيًا بمسؤوليته المهنية.

وإذا لم نطرح هذه الأسئلة، فقد يصبح التجديد سلسلة من الأدوات المتعاقبة التي تغيّر واجهة الممارسة، فيما تستمر بنيتها العميقة في إنتاج النتائج نفسها.

خاتمة: حين يصبح الوهم أكثر حداثة

ليس الذكاء الاصطناعي نقيضًا للتربية، كما أن البيداغوجيات الحديثة ليست ضمانة تلقائية لتحقق التعلم. فكلاهما يكتسب معناه من الشروط التي تنظّم استخدامه، ومن التصورات التي توجهه، ومن النتائج التي يمكن ملاحظتها وفحصها.

لكن اجتماع خطاب بيداغوجي يَعِد بالاستقلالية والإبداع، مع أدوات قادرة على إنتاج الإجابات والنصوص والحلول بسرعة، يفتح احتمالًا يستحق الحفر: أن تصبح الوسائل التي صُممت لتوسيع إمكانات التعلم قادرة، في بعض سياقات استخدامها، على اختصار التجربة التي تمنح التعلم معناه.

وعندها قد تتسع المسافة بين جودة الناتج وجودة التعلم، وبين كثافة النشاط وعمق الفهم، وبين وفرة الأدوات وقدرة المتعلم على الاستغناء عنها حين يحتاج إلى التفكير بنفسه.

إن التواطؤ الذي نعنيه هنا ليس مؤامرة بين البيداغوجيا والآلة، بل احتمال التقاء بين وعود التجديد ومنطق الكفاءة السريعة، حين يُختزل النجاح في ما يمكن إنتاجه وعرضه وقياسه، بدل النظر في التحول الذي يحدث داخل المتعلم وفي علاقته بالمعرفة.

فقد يكون المشروع متقنًا، من دون أن نعرف ما تعلّمه كل مشارك في إنجازه. وقد تكون الإجابة الإدماجية صحيحة، من دون أن تثبت امتلاك صاحبها القدرة على تعبئة موارده بصورة مستقلة. وقد تكون الأنشطة مكيّفة وفق مستويات متعددة، من دون أن تتحقق العدالة في فرص التقدم. وقد يصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على تحسين المظاهر الثلاثة، من دون أن يضمن وحده تجاوز حدودها العملية.

وهكذا لا يكون السؤال الحاسم ما إذا كانت المدرسة قد دخلت عصر الذكاء الاصطناعي، بل ما إذا كانت قد امتلكت الأدوات الفكرية والمهنية والمؤسسية التي تسمح لها باستخدامه من دون أن تتنازل عن غاياتها.

فقد تكون الآلة قادرة على توليد آلاف الأنشطة، لكن وفرة الأنشطة لا تضمن حدوث التعلم. وقد تنتج إجابات بليغة، لكن البلاغة لا تكفي لإثبات الفهم. وقد تساعد على تفريد الموارد، لكن التكييف التقني لا يعوّض العدالة في شروط التعلم. وقد تخفف بعض الأعباء عن المدرّس، لكنها لا تعفي المؤسسة من مراجعة ما تطلبه منه، ولا تعفي المجتمع من التفكير في المدرسة التي يريدها.

إن الحفر يبدأ عندما نتوقف عن التعامل مع حداثة الوسيلة بوصفها برهانًا على حداثة الممارسة، وعندما نرفض الخلط بين ما تستطيع التكنولوجيا إنتاجه وما ينبغي للتربية أن تبنيه.
فليس كل تجديد تحوّلًا، وليس كل تسريع تقدمًا، وليس كل ناتج متقن دليلًا على تعلم متحقق.

وربما كان التحدي الأعمق أمام المدرسة اليوم أن تتعلم كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي، من دون أن تسمح له بأن يحدد وحده معنى التعلم؛ وأن تستفيد من إمكاناته، من دون أن تتنازل عن حق المتعلم في المحاولة والخطأ والبحث والتفسير؛ وأن تجعل من التكنولوجيا وسيلة لتوسيع التجربة الإنسانية، لا بديلًا عنها.
فحين يصبح إنتاج الوهم أكثر سرعة، وأكثر إتقانًا، وأكثر قابلية للعرض والقياس، لا تعود مهمة الحفر كشف ما تخفيه المدرسة خلف خطابها فحسب، بل مساءلة ما قد تخفيه التكنولوجيا خلف نجاحاتها الظاهرة.

فالحفر لم ينتهِ… بل ربما بدأ للتو.

حدود الحفرية ومقتضيات التحقق الميداني:

لا يدّعي هذا المقال أن البيداغوجيات الحديثة أو الذكاء الاصطناعي يؤديان بالضرورة إلى إضعاف التعلّم، كما لا يفترض أن الممارسات المدرسية تستبطن جميعها الآليات النقدية التي تناولها. إنه يقترح فرضية سوسيولوجية مفادها أن التقاء خطاب التجديد البيداغوجي بمنطق الكفاءة التقنية السريعة قد يفضي، في شروط مؤسسية معينة، إلى اتساع المسافة بين المخرجات الظاهرة والتحولات الفعلية في التعلّم. وتظل هذه الفرضية مفتوحة على التحقق الميداني، من خلال ملاحظة الممارسات الصفية، وتحليل أنشطة المتعلمين ومسارات إنجازهم، ومقارنة النتائج المعلنة بأدلة الفهم وتملّك الكفايات، مع مراعاة اختلاف السياقات وشروط الاستخدام. فالحفرية لا تستبدل الحكم المسبق بحكم مضاد، بل تجعل ما يبدو بديهيًا موضوعًا للفحص والمساءلة.


المراجع:

1. Black, P., & Wiliam, D. (1998). “Assessment and Classroom Learning.” Assessment in Education: Principles, Policy & Practice, 5(1), 7–74.

2. Blumenfeld, P. C., Soloway, E., Marx, R. W., Krajcik, J. S., Guzdial, M., & Palincsar, A. (1991). “Motivating Project-Based Learning: Sustaining the Doing, Supporting the Learning.” Educational Psychologist, 26(3–4), 369–398.

3. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La Reproduction : éléments pour une théorie du système d’enseignement. Paris : ditions de Minuit.

4. Dewey, J. (1933). How We Think: A Restatement of the Relation of Reflective Thinking to the Educative Process. Boston: D. C. Heath and Company.

5. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir : naissance de la prison. Paris : Gallimard.

6. Freire, P. (1974 [1970]). Pédagogie des opprimés. Paris : François Maspero.

7. Illich, I. (1971). Une société sans école. Paris : ditions du Seuil.

8. Loyens, S. M. M., van Meerten, J., Schaap, L., et al. (2023). “Situating Higher-Order, Critical, and Critical-Analytic Thinking in Problem- and Project-Based Learning Environments: A Systematic Review.” Educational Psychology Review, 35, Article 39. https://doi.org/10.1007/s10648-023-09757-X

9. Perrenoud, P. (1997). Construire des compétences dès l’école. Paris : ESF éditeur.

10. Perrenoud, P. (1997). Pédagogie différenciée : des intentions à l’action. Paris : ESF éditeur.

11. Roegiers, X. (2000). Une pédagogie de l’intégration : compétences et intégration des acquis dans l’enseignement. Bruxelles : De Boeck.

12. Thomas, J. W. (2000). A Review of Research on Project-Based Learning. San Rafael, CA: Autodesk Foundation.

13. Tomlinson, C. A. (2001). How to Differentiate Instruction in Mixed-Ability Classrooms (2nd ed.). Alexandria, VA: ASCD.

14. Miao, F., & Holmes, W. (2023). Guidance for Generative AI in Education and Research. Paris: UNESCO.

15. OECD. (2023). OECD Digital Education Outlook 2023: Towards an Effective Digital Education Ecosystem. Paris: OECD Publishing. https://doi.org/10.1787/c74f03de-en

16. UNESCO. (2023). Global Education Monitoring Report 2023: Technology in Education — A Tool on Whose Terms? Paris: UNESCO.

17. UNESCO. Guidance for Generative AI in Education and Research.
https://www.unesco.org/en/articles/guidance-generative-ai-education-and-research

18. UNESCO. Global Education Monitoring Report 2023 — Technology in Education.
https://gem-report-2023.unesco.org/

19. OECD. Digital Education Outlook 2023: Towards an Effective Digital Education Ecosystem.
https://doi.org/10.1787/c74f03de-en
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال