إن النظر في أحوال الملل لا يستقيم إلا بالتمييز بين ما جاء به الوحي وما صنعه البشر حوله وبين حقيقة الشريعة وتأويل الناظرين فيها. فإن الخلط بين الأمرين أصل عظيم من أصول الغلط إذ يحمل الناس ما فعله أسلافهم على أنه من الدين ثم يجعلون نقد فعل الأسلاف نقدا للدين نفسه.
والحق أن الشريعة لا تفسد باختلاف الناس فيها ولكن أفهام الناس تختلف وتتفاوت مقاصدهم ويدخل السلطان في اجتهادهم فتختلط طلبات الحق بطلبات الملك ويصير ما كان رأيا بشريا حكما مقدسا لا يجوز النظر فيه.
فإذا أردنا معرفة ما أصاب الأمة وجب علينا أن نسأل
أكان اختلافها اختلافا في أصول الوحي أم اختلافا في فهمه؟ وأكان ما نشأ من مذاهبها ثمرة النظر والبرهان أم كان بعضه ثمرة التنافس على السلطان؟ ولا يصح أن نجيب عن هذه المسائل بالتقليد بل بالنظر في أسبابها ومآلاتها.
لما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم واجه المسلمون مسألة لم يتركوا فيها اتفاقا سياسيا جامعا ،من يلي أمر الجماعة وبأي حق وبأي طريق يُختار؟
وكان الخلاف في الإمامة سابقا على اكتمال كثير من التصنيفات العقدية التي عرفتها الأمة لاحقا ثم توالت الوقائع فدخلت السياسة في تفسير الدين وأصبح للموقف من السلطة أثر في تشكل الجماعات وفي تحديد ما تعده كل جماعة حقا وعدلا.
وليس من البرهان أن نجعل كل اختلاف ديني وليد السياسة كما ليس من البرهان أن ننكر أثر السياسة في تشكيل بعض الاختلافات الدينية. بل الواجب أن نميز بين ما قام عليه الدليل وما استند إلى التأويل وما غذّته مصلحة السلطان.
فلما قُتل عثمان ثم وقعت الفتنة بين علي رضي الله عنه ومعاوية لم يكن النزاع على الحكم وحده بل اتصل بمعاني الشرعية والعدل والطاعة والمسؤولية عن الدماء. ثم تطورت المواقف ونشأت عنها اتجاهات سياسية وعقدية متباينة.
وهكذا قد يبدأ النزاع على من يحكم ثم ينتهي إلى النزاع على من يملك حق تعريف الدين نفسه.
وأما الرواية فإنها من أعظم ما تحفظ به الأمم ذاكرتها ومن أعظم ما يمكن أن يقع فيه الخطأ إذا غابت شروط التثبت.
فالخبر لا يصير صحيحا لمجرد موافقته هوى جماعة ولا يصير باطلا لمجرد انتفاع سلطان به. وإنما يُنظر في إسناده ومتنه وطرائق نقله وقرائن صحته ومدى اتساقه مع ما ثبت من الوقائع.
وقد عرف التاريخ الإسلامي صراعا سياسيا وفكريا كان للرواية فيه شأن كما عرف علماء بذلوا جهودا عظيمة في نقد الأخبار وتمييز صحيحها من سقيمها. وليس من العدل أن نتهم التراث كله بالتزوير ولا من العقل أن نفترض عصمة كل ما نُقل فيه.
إنما الخطر أن يتحول الخبر من مادة للفحص إلى سلاح في الخصومة وأن يصبح السؤال عن صحته جريمة في نظر من جعلوا منه أساسا لشرعيتهم.
فحيث يُمنع السؤال يضعف العلم وحيث يُعفى الخبر من البرهان يتقدم الهوى.
وأما المذاهب الفقهية فإنها ثمرة اجتهادات بشرية في فهم النصوص وتنزيلها على الوقائع. وقد حفظت للأمة ثروة من النظر ووسعت طرائق الاستنباط وأتاحت للعلم أن يتراكم عبر الأجيال.غير أن المذهب مهما علا قدر صاحبه لا يصير وحيا ولا يكون اتباعه بديلا عن معرفة دليله.
فأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل أئمة في العلم لكنهم بشر يجتهدون ويصيبون ويخطئون وما كان الاجتهاد فضيلة في عصرهم لا يجوز أن يتحول إلى حجة لمنع الاجتهاد بعدهم.
وليس الإنصاف أن نختزل أبا حنيفة في المعارضة أو مالكا في مسايرة السلطة أو الشافعي في التقعيد وحده أو أحمد في الصدام مع الدولة فلكل منهم علمه ومنهجه وسياقه ولا تحيط به عبارة سياسية واحدة.
إنما المسألة الأعمق هي أن المذاهب التي نشأت أدوات لفهم الشريعة قد تتحول حين يغلب التعصب إلى حدود تفصل بين المسلمين فيدافع المرء عن انتسابه قبل أن يدافع عن صحة قوله.وعندئذ يصبح السؤال من قال؟ مقدما على السؤال ما الدليل؟
ولما اتسعت مسائل النظر في العقيدة ظهر المتكلمون واختلفت طرائقهم في تفسير النصوص وإثبات أصول الاعتقاد فكان للمعتزلة قول في العدل الإلهي وحرية الإنسان ومسؤوليته وكان للأشاعرة منهج في الجمع بين النظر العقلي والالتزام بالنص كما نشأت مدارس أخرى سلكت مسالك مختلفة في فهم الصفات والإيمان والقدر.
ولا يستقيم أن نجعل هذه المدارس كلها أدوات للسلطان ولا أن نفصلها فصلا تاما عن الظروف السياسية التي أحاطت بها. فقد تتبنى الدولة مذهبا ثم تضيق على خصومه وقد يواجه العالم السلط ثم يجد أتباعه أنفسهم بعد ذلك في موضع القوة.
ومن هنا يظهر أن القول لا يُعرف بصحته من خلال هوية قائله ولا يُعرف بطلانه من خلال خصومة الحاكم له فالعقل ميزان النظر والدليل مناط الحكم والسلطة ليست برهانا.
وإذا كان العقل قادرا على التمييز بين الحجة والمغالطة فإن تعطيله باسم الدين لا يحفظ الدين بل يحرم الناس من إحدى وسائل فهمه.
وأما الحكمة فإنها ليست عدوا للشريعة متى كان النظر فيها قائما على طلب الحقيقة فالحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له.
فإن أدى النظر الصحيح إلى نتيجة بدت مخالفة لفهم شائع للنص وجب فحص الدليل وفحص التأويل معا لا أن يتهم العقل قبل النظر في حجته ولا أن يرفض النص قبل فهم دلالته.
وليس كل ما سمي فلسفة حقا كما ليس كل ما سمي تقليدا باطلا وإنما يُمتحن القول ببرهانه ويُعرف قدره بما يكشفه من الحقيقة.
ولقد عرفت الأمة علماء جمعوا بين النظر العقلي والبحث في الشريعة كما عرفت خصومات أضرت بأصحاب العلم. وإن خسارة الأمة لا تكون حين يختلف علماؤها بل حين تمنعهم من الاختلاف المنضبط بالدليل أو تجعل الخوف من الاتهام بديلا عن البحث.
إن العلوم لا تموت حين تُدوّن بل حين يُظن أن تدوينها قد أغنى عن طلب المزيد منها.
فالتدوين حفظ للمعرفة والتصنيف تنظيم لها والمذاهب وسائل لفهمها غير أن شيئا من ذلك لا يوجب إغلاق باب النظر في النوازل التي لم يعرفها المتقدمون على صورتها الجديدة.
وليس من الدقة أن نجعل قرونا كاملة زمنا واحدا من الجمود فقد شهد التاريخ الإسلامي اجتهادات وتجديدات واختلافات واسعة. ولكن من المشروع أن نسأل عن الأحوال التي تضعف فيها حرية البحث ويغدو فيها شرح القديم أيسر من مساءلة الواقع.
فإذا انشغل العالم بإثبات أن السابق قد قال كل شيء انصرف عن النظر فيما لم يقله السابق وإذا خاف المفكر من مخالفة المألوف أكثر مما خاف من الخطأ فقد جعل رضا الناس غايته، لا بلوغ الحقيقة.
وهذه آفة لا تخص أمة بعينها فكل حضارة قد تبلغ من الثقة بماضيها حدا يمنعها من رؤية حاضرها.
وأما التصوف فقد كان في تجاربه وجوه متعددة منها طلب تزكية النفس ومنها الزهد في الدنيا ومنها التأمل في معنى القرب من الله. وقد منح كثيرين لغة روحية للتعبير عن الإخلاص ومقاومة الشهوة والغرور.
لكن كل تجربة بشرية يمكن أن تتعرض لما تتعرض له سائر المؤسسات من انحراف إذا استبدل أصحابها طلب الحقيقة بطلب النفوذ، أو صار الولاء للأشخاص مقدما على فحص أقوالهم وأفعالهم.
فلا يصح أن نجعل التصوف كله ثورة على الفقهاء ولا أن نحكم عليه كله بأنه أداة للسلطان بل ننظر في كل تجربة بحسب أصولها وممارساتها ونتائجها.
فالمعيار ليس اسم الطريق بل ما يقود إليه من علم وعدل وتهذيب وما قد يدخل عليه من استغلال للجهل أو توظيف للدين في خدمة المصالح.
ولما سقطت بغداد على يد المغول سنة 656هـ لم يسقط العلم الإسلامي كله ولم تنته الحياة الفكرية للأمة. فقد استمرت مؤسسات العلم في مناطق أخرى وظهرت أعمال جديدة وتواصلت تقاليد الفقه والكلام والفلسفة والتصوف.
غير أن سقوط عاصمة كبرى يكشف مع ما يكشفه من ضعف سياسي وعسكري أن ازدهار المعرفة لا يغني عن قوة المؤسسات وأن كثرة الكتب لا تكفي وحدها لحماية المجتمع من التفكك.
ثم قامت دول كبرى ومنها الدولة العثمانية فانتظمت في ظلها مؤسسات القضاء والإفتاء والتعليم، وتفاوتت أحوال الاجتهاد والعلم من عصر إلى عصر ومن إقليم إلى آخر. فلا يصح أن ننسب إليها جميعا إغلاق العقل كما لا يصح أن نتجاهل ما يمكن أن يقع حين يصبح العالم أسير الوظيفة ويصبح القرب من السلطة شرطا للنفوذ العلمي.
العلم يحتاج إلى مؤسسة تحفظه لكنه يحتاج أيضا إلى حرية تحميه من المؤسسة حين تنحرف عن غايتها.
ولما واجهت المجتمعات الإسلامية التوسع الاستعماري والتدخل الأجنبي ثم قامت دولها الحديثة تعددت الأجوبة عن أسباب الضعف وسبل النهوض. فمن الناس من دعا إلى العودة إلى فهم السلف ومنهم من دعا إلى إحياء العقل والاجتهاد ومنهم من جعل المقاومة والتحرر أصل المشروع ومنهم من رأى الحل في إقامة دولة تستمد قوانينها من الشريعة.
وليس من الإنصاف أن نعد هذه الاتجاهات كلها مخطئة أو أن نجعل بينها تناقضا لا يقبل الجمع. فقد يكون في كل منها سؤال صحيح وقد يكون في كل منها جواب يحتاج إلى مراجعة.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبقها جميعا هو كيف نبني مجتمعا يملك القدرة على التفكير ومؤسسات تحترم العلم وسلطة تخضع للمساءلة وتعليما لا يكتفي بتلقين الأجوبة بل يدرب الإنسان على فحصها؟
فلا تنهض الأمة بمجرد استعادة ألفاظ الماضي ولا بمجرد استيراد ألفاظ الحاضر. وإنما تنهض حين تحسن فهم تراثها وتعرف حدود تجربتها وتستفيد من علوم غيرها ثم تختبر كل ذلك في ضوء حاجاتها ومصالحها وأدلتها.
الشريعة شيء وفهم البشر لها شيء آخر وأن التراث ليس كتلة واحدة بل هو تاريخ من الاجتهاد والصواب والخطأ، ومن العلم والصراع ومن التحرر والتقليد.
وقد يكون التأويل طريقا إلى الفهم وقد يتحول إلى حاجز دونه. وقد تكون المؤسسة حافظة للعلم وقد تصبح وسيلة لضبطه. وقد يخدم السلطان الدين وقد يستعمل اسمه لتثبيت سلطانه. وليس شيء من ذلك يحسم بمجرد الدعوى وإنما يثبت بالنظر في الوقائع والأدلة والآثار.
فإذا أردنا أن نكرم علماء الماضي لم يكن ذلك بأن نجعل أقوالهم فوق السؤال بل بأن نقتدي بهم في طلب العلم والاجتهاد. وإذا أردنا أن نحفظ الدين، لم يكن ذلك بإغلاق أبواب النظر بل بتمييز الوحي من تأويل البشر، وإقامة الحجة وترك ما لا دليل عليه.
الأمة التي تقدس كل ما ورثته تعجز عن التمييز بين الحكمة والخطأ، والأمة التي ترفض كل ما ورثته تقطع صلتها بمصادر خبرتها. أما الأمة العاقلة، فهي التي تعرف كيف ترث دون أن تستعبدها الوراثة، وكيف تجدد دون أن تفقد أصولها.
فليس الوفاء للماضي أن نكرر أقواله بل أن نواصل طلب الحقيقة الذي منحه قيمته. وليس الخطر في اختلاف العقول بل في أن يدّعي عقل بشري أنه وحده يملك الحقيقة المطلقة ثم يمنع سائر العقول من النظر والبرهان.
الأمة التي تقدس كل ما ورثته تعجز عن التمييز بين الحكمة والخطأ
2026-10-29
51 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال