بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

شيء من التأثيل لكلمة "طحّان" في العاميّة التونسيّة

2026-10-01 13 قراءة مقالات رأي عبد المنعم حواس
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
من الأخطاء المتداولة جرّاء تدوينة انتشرت على الموقع الأزرق، أنّ كلمة "طحّان" أصلها شكارة الطحين التي توضع على رأس الواشي لإخفاء هويّته عندما يدلّ قوّات المحتلّ على المقاومين. وقد سرت هذه التدوينة حتّى اعتمدها أحدهم في مشهد من مسلسله الذي اقتنته التلفزة الوطنيّة للأسف، ولولا أنّ الكلمة تدخل في معجم العبارات النابية لكان أوردها وكانت الطامّة أكبر. لكن لو كان أصل الكلمة كذلك أكانت لتدخل في ثقافتنا ضمن الكلام الخادش للحياء و"الأحرش".

إنّ كلمة "طحّان" أقدم من زمن الاستعمار بكثير، وقد كان معناها "الوسيط بين العاهرة والرجل" أو القوّاد في الفصيح، وقد تغيّر معنى الكلمتين العاميّة والفصيحة في زمننا هذا من المعنى الوظيفة الجنسيّة الوضيعة ليصبّا في شتم ووصم الوشاة لما في صنعتهم من دناءة وخسّة كأنّما يساوي التونسيّ بين الفعلين الشائنين.

لقد وردت الكلمة على سبيل المثال في "محلّ شاهد" للشاعر الشعبيّ التونسيّ أحمد بن موسى الذي كان من مرتادي بلاط أحمد باي الأوّل أواسط القرن التاسع عشر أي قبل أزيد من ثلاثة عقود على دخول الاحتلال الفرنسيّ، حيث قال في آخر بيتين من المحلّ

"والرزق إلّي يكون ساس حرام __ يتّاكل يوفى في أيّام قليلة
وإلّي تصوّرو الفاجرة في عام __ يجي الطحّان يجمّلو في ليلة"

وأصله المثل المتداول وقتها: "إلّي تصوّرو الفاجرة في عام يلمّو الطحّان في ليلة" كما هناك أمثال شعبيّة أخرى تحوي هذه الكلمة على غرار "طحّان ويزيد من عندو"، "والكسّابة تكسب، والطحانة تحسب"... وصارت الكلمة شيئًا فشيئًا تحمل معنى "شخص دون حامل لصفات دميمة" ترد مثلًا لدى الشاعر الشعبيّ محمّد بن عون المولود في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والمتوفّى في 1976 عن عمر فاق المائة:

"الحقّ ليه زمان __ عزلوه باذن الباي والقيّاد
فيه جرّحوا الأعيان __ عليه ثبّتو حجّة بعشرة أشهاد
ظهر خاين الخيّان __ قالولهم هذا نقصّ وزاد
تفوه ها الطّحان __ هذا ما جاريلنا بأسعاد"

أما صانع الطحين عندنا في تونس أو العامل في الطاحونة فقد ابتعدو به قليلًا عن هذه الكلمة بمعناها الفاحش، رغم أنّ معناها الفصيح صانع وبائع الطحين، فكان يُدعى أو يسمّى بـ "الطّواحني"، بما يُبعد أكثر المعنى عن صاحب تلك التدوينة الرائجة.

وأزيد بملحوظة أخرى عن كلمتَي "طحّان" و"قوّاد" بالمعنى القديم بالطبع فإنّ مردّهما تفشّي البغاء في تونس منذ العصر الحفصيّ بما جعل الكلمتين تردان على الألسن ذمًا في الأمثال الشعبيّة والشعر. وإن كنتُ لا أدري إن كانت كلمة "طحّان" حضرت في العصر الحفصيّ أم لا، لكن الثابت كما أوردتُ أنّها استخدمت منذ عهد البايات.

وقد خصّصت دولة البايات، كما في الجزائر وغيرها وظيفة لتنظيم نشاط البغاء وإدخاله ضمن الموارد الضريبيّة عبر مفوّض يسمّى "المزوار" تربطه بالدولة "لزمة" يدفع على أساسها مبلغًا سنويًا. لكن الإيالة التونسيّة ألغت هذه الوظيفة في ثلاثينات القرن الثامن عشر، لتعاظم فساد المزوار وقيامه حتّى بالتغرير بالقاصرات لتوسيع ربحه.

إنّ ذلك الانحراف والانحلال كان برأيي من الأسباب الرئيسيّة التي أدّت إلى التزمّت وبالتالي التخلّف. بالحدّ من خروج المرأة أو منعه مغالاة في الخوف على العرض، أو حتّى مرويّة ذلك الذي إذ اضطرت امرأته للخروج يُدخل العربة إلى البيت لتركبها، حتّى لا تخرج إلى الطريق و"يتكشّف" عليها أحدهم وإن كانت مغطّاة من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها.

فليس التزمّت سبب تخلّفنا كما يُروَّج ويدرس بل الانحلال، وقد كان سبب سقوط دولنا كأنما حقّ فينا قول اللّه تعالى ()وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرا() -الإسراء 16-.

ولأنّ الأشياء تعرّف بأضدادها أمضي إلى قول سابق بأنّ تزمّت الوهّابيّة كان نتاج انحرافات الصوفيّة وانحلال دولها، أو ردّة فعل تجاهها. كما حال ظهور الدواعش ردّة فعل على فرط انحلال مجتمعاتنا وضعف تكويننا الدينيّ وابتعادنا بالتالي عن الضوابط التي وضعها المولى للإنسان لتكفل توازنه، فتجده كلّما حاد عنها انزلق إلى الانحلال، ليكون التزمّت درة فعلٍ تجاهه.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال