بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

فتنة الـتشيع والتأيرن

2026-10-18 48 قراءة مقالات رأي عبد العزيز كحيل
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
هذه الحرب فتنة كبيرة لأهل السنة.
تكشف الحرب الدائرة في الخليج واليمن عن فتنة حقيقية داخل أهل السنة، إذ يُراد لنا أن نختار بين الطاعون والكوليرا: فإما أن تصطف مع السعودية، وكأنك بذلك تصطف مع أمريكا والكيان الصهيوني، وإما أن تنحاز إلى إيران والحوثيين، ولو اقتضى ذلك التغاضي عن انحرافاتهم العقدية وجرائمهم بحق أهل السنة، بل والتساهل في الإساءة إلى الصحابة الكرام جهارا نهارا.
والحقيقة أن السعودية ليست بوصلة الأمة، ولا ميزان الحق والباطل، كما أن إيران والحوثيين ليسوا أبطالًا لمجرد مواجهتهم الكيان الصهيوني. فالمواقف لا تُقاس بالشعارات وحدها، ولا تُمحى الجرائم السابقة والحاضرة بطلقة صاروخ أو موقف سياسي.
أولًا: بغض السعودية لا يعني الارتماء في أحضان إيران
لا خلاف على أن للنظام السعودي سجلًا يستوجب النقد الشديد: انخراطه في المشروع الأمريكي الصهيوني، ومواقفه المتخاذلة تجاه غزة، وتراجعه عن نصرة قضايا أهل السنة، وما تعرض له علماء ودعاة من سجن وتضييق، وإمعانه في علمنة المجتمع وتدنيس أرض الحرمين بالمجون بكل أنواعه، لكن هل تقتضي هذه المواقف أن نغض الطرف عن المشروع الإيراني، وأن نمنح الحوثيين صك البراءة، وأن نحوّلهم إلى أبطال فوق النقد؟
إن رفض مشروع لا يعني تأييد نقيضه، كما أن نقد السعودية لا يبرر الصمت عن جرائم إيران وأتباعها. فالعدل يقتضي أن نزن الجميع بميزان واحد، لا أن ننتقي من الوقائع ما يخدم موقفنا المسبق.
ثانيًا: التشيع السياسي وخطر العمى الانتقائي
تنتشر بين بعض الجزائريين، ومنهم بعض المنتسبين إلى الحركة الإسلامية، ظاهرة يمكن تسميتها بالتشيع السياسي؛ ومظهرها الاصطفاف الكامل مع إيران والحوثيين، وتضخيم أدوارهم، ورفض أي نقد لهم، والتذرع بقضية غزة لتبرير كل شيء، بل وإنكار الخلافات العقدية والإساءات الموجهة إلى الصحابة وأهل السنة.
وحين يُذكَّر هؤلاء بما في الخطاب الشيعي من إساءات، يأتي الجواب الجاهز: «الوقت غير مناسب». لكن متى يكون الوقت مناسبًا للحقيقة؟ وهل نصرة غزة تقتضي تعطيل العقل، أم أن القضية الفلسطينية أكبر من أن تتحول إلى غطاء لتبرير كل انحراف؟
ثالثًا: أين الإنصاف في النظر إلى جرائم الماضي والحاضر؟
اسألوا علماء أهل السنة وأبناءهم في العراق عما أعقب الاحتلال من مآسٍ، وعن الدور الذي أدته قوى مدعومة من إيران، بالتوازي مع الاحتلال الأمريكي، في إضعافهم وتهميشهم. واسألوا أهل سورية عن الفظائع التي ارتكبتها الميليشيات الإيرانية وحلفاؤها، وعن القتل والتهجير والدمار الذي عاشوه. واسألوا أهل اليمن عن هدم المساجد، واستهداف العلماء، وضغوط التشييع التي يتحدث عنها منتقدو الحوثيين. أما لبنان فله بدوره تجربة تستحق الدراسة بعيدًا عن التقديس الأعمى لأي قوة سياسية أو عسكرية.
ولا ننكر أن إيران وحلفاءها أطلقوا صواريخ باتجاه الكيان الصهيوني، وأن هذا قد يلحق به أضرارًا. لكن هل يكفي ذلك لتبرئتهم من كل ما ارتكبوه، وتحويلهم إلى أبطال لا يجوز نقدهم؟ ثم إن تقييم نتائج الهجمات وفاعليتها يحتاج إلى بيانات موثوقة، لا إلى الأرقام المتداولة بلا تدقيق.
رابعًا: خطر المشروعين وواجب الوعي
إن المشروع الصهيوني خطر واضح على الأمة، لكن ذلك لا يجعل المشروع الإيراني، بطابعه الطائفي وتدخلاته الإقليمية، مشروعًا بريئًا. وخطورة التشيع السياسي أنه قد يبدأ بإعجاب سياسي، ثم ينتهي إلى تبرير المقولات العقدية، وإنكار الإساءة إلى الصحابة، والاستخفاف بآلام أهل السنة، ليصل في النهاية إلى تشيع عقدي يرفع الشعار الآثم "ثم اهتديتُ"، أي يتبنى عقائد الإمامية التي تستصحب إسلاما آخر غير الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن المؤسف أن يتباكى بعضهم على سقوط المدنيين في صنعاء، وهو موقف إنساني مشروع، ثم يصمت عن ضحايا قصف مكار مدني في الرياض، وعن القتل والتهجير في سورية وغيرها. أليست أرواح المدنيين متساوية؟ أم أن المأساة تصبح جديرة بالتعاطف بحسب هوية مرتكبيها وضحاياها؟
إن الأمة لا تحتاج إلى أبطال نصنعهم من خصومنا، بل إلى وعي يميز بين الحق والباطل، وإلى شجاعة أخلاقية ترفض الظلم مهما كان مصدره.
إن بغضنا للظلم السعودي لا يبرر الارتماء في أحضان المشروع الصفوي، كما أن رفض المشروع الإيراني لا يبرئ الكيان الصهيوني. معيارنا هو العدل، وميزاننا هو الحق، وانحيازنا الأول والأخير إلى الأمة وكرامتها ودماء أبنائها.

عبد العزيز كحيل
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال