بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

في عقد الأشعري و فقه مالك و على طريقة الجُنيد السّالك

2026-06-01 36 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
في عقد الأشعري و فقه مالك و على طريقة الجُنيد السّالك
تلوح الهويات الدينية في أفق هذا العالم كأنها تتخلق من رحم الصخور الساخنة وتقلبات الجغرافيا القاسية
لا تهبط بمرسوم سلطاني ولا تولد في غفلة من الزمن إنما هي نتاج مكابدة بشرية طويلة وصراع مرير بين الأرض والبلاط.
وإفريقية هذه الرقعة الممتدة التي نسميها اليوم تونس
لم تكن مجرد مسرح هادئ للأفكار بل كانت مرجلا يغلي بالقلق والترقب منذ أن تهاوت الأسوار البيزنطية القديمة تحت ضربات الفاتحين الأوائل.
حين استقر حسان بن النعمان في قرطاج ثم تبعه موسى بن نصير ليمحو آخر معاقل الروم كانت القيروان التي غرسها عقبة بن نافع في أحشاء الفضاء الصحراوي تولد كنقطة ارتكاز واهنة ومحاصرة تبحث عن ملامح ترسم بها هويتها القادمة وسط بحر من الإثنيات المتصارعة والتوترات المكتومة بين الفاتحين العرب والسكان الأصليين من الأمازيغ.

ومع تداعي الخلافة الأموية في المشرق قنص إبراهيم بن الأغلب لحظة الضعف التاريخي ليؤسس دولته محتفظا بولاء اسمي باهت لبغداد.
وفي تلك الآونة بدأت رياح سياسية ومذهبية تهب من غرف القصر الحاكمة إذ تبنت السلطة الأغلبية المذهب الحنفي واحتضنت معه النزعة الاعتزلية العقلانية تماشيا مع محنة خلق القرآن التي كان الخليفة المأمون يسوق إليها العلماء بالسياط في بغداد.
كان هذا الفرض الفوقي الصارم غريبا عن روح المجتمع الشمال الإفريقي الذي كان يميل بطبيعته المحافظة وبساطته المرتبطة بالأرض إلى مدرسة أهل الحديث والأثر الحجازية القريبة من الوجدان الشعبي.
ولم يتأخر الصدام العنيف إذ واجه فقهاء المالكية في القيروان تضييقا خانقا وتعرض الإمام سحنون بن سعيد للامتحان والاضطهاد في عهد الأمير محمد الأول بن الأغلب لرفضه القاطع مجاراة السلطة.
هذا الاصطدام المبكر يكشف بوضوح أن المذهب المالكي في هذه الربوع لم يتشكل كترف علمي أو نقاش بارد في مجالس التأنق الفكري بل ولد كخندق للمقاومة الشعبية ووسيلة دفاعية للمجتمع الأعزل ضد هيمنة فكرية وسياسية غاشمة يراد فرضها عبر قنوات السلطة.
إن مفاصل هذا التحول التاريخي تتبدى في خط سير عنيف تداخلت فيه مصائر الدول بمصائر العقائد ويمكن تلمس هذا المسار التراكمي عبر محطات أساسية.
في عهد الأغالبة تجسد الاستقطاب الحاد واضطهاد فقهاء الأثر ليولد المذهب المالكي من رحم المعاناة كرمز للمقاومة الشعبية واستقلالية المجتمع ضد التوجه الحنفي المعتزلي الرسمي.
تلا ذلك صعود الفاطميين حيث مارست الخلافة العبيدية الشيعية الإسماعيلية الباطنية قمعا مذهبيا مباشرا ومحاولات شرسة لفرض التشيع قسرا فما كان من المجتمع إلا الالتفاف الشعبي والعلمي حول المدونة كوثيقة هوية وحفظ للسنّة في مواجهة الذوبان.
ومع انتقال السلطة إلى الزيريين الصنهاجيين حدث الترسيم الرسمي الأول للمذهب السني المالكي إذ انسجمت السلطة تدريجيا مع النبض الشعبي وتوج ذلك بقطع التبعية للقاهرة ومبايعة بغداد لتصفية النفوذ الإسماعيلي.
ثم جاء الموحدون بإمبراطوريتهم المغربية وتوجههم السلفي الأشعري والظاهري المرشد ففرضوا مركزية عقدية صارمة ومأسسة قسرية لعلم الكلام مما أفضى إلى توطين شامل وعميق للعقيدة الأشعرية وتحويلها إلى ثقافة عامة.
واستقر الأمر أخيرا في عهد الحفصيين بعد استقلالهم عن الموحدين حيث ساد التوجه السني المالكي فقها والأشعري عقيدة في تصالح كامل وتكامل مؤسساتي ديني وسياسي تبلورت معه التركيبة الثلاثية الحامية للانسجام المجتمعي في تونس.
ولم يكن استقرار المذهب المالكي عملية آلية مريحة بل كان مسارا شاقا معمدا بالخطوات المضنية أسفل شمس القيروان الحارقة متمثلا في الانتقال الذكي والصبور من الفقه الافتراضي العراقي الجاف إلى الفقه التدويني المنهجي المدعوم بالأثر الحجازي الحي.
بدأت أولى مراحل التدوين المنظم مع الفقيه والقائد العسكري أسد بن الفرات الذي ارتحل إلى العراق وتشرّب من كبار أصحاب أبي حنيفة تلك المنهجية الافتراضية القائمة على الرأي والقياس.
وعندما غادر إلى مصر، التقى بعبد الرحمن بن القاسم أبرز تلامذة مالك وطرح عليه أسئلة فقهية صيغت بذهنية افتراضية عراقية تبحث دائما عما يمكن أن يكون وفق صيغة أرأيت إن كان كذا ليتولد من هذا الامتزاج القلق ما عُرف بالأسدية.
غير أن عودة أسد بن الفرات بهذه المدونة إلى القيروان لم تبهج النفوس إذ قوبلت بمعارضة شديدة ونفور من المجتمع العلمي المحلي الذي يسكنه حنين جارف للأثر والمحافظة.

وعاب فقهاء القيروان وعامتها على الأسدية إغراقها في الافتراضات الذهنية والتعقيدات العقلية البعيدة عن واقع الناس ومكابدتهم اليومية واتهموا أسدا بترك الحديث والاعتماد على عبارات الظن والتخمين من نوع أخال وأرى وأحسب. هذا النفور الشعبي كشف عن جوع حقيقي في إفريقية لوثيقة فقهية تجمع بين دقة التفريع وأصالة النص النبوي والأثري الحاسم.
وهنا أدرك الإمام سحنون بن سعيد التنوخي بوعيه الثاقب وحسه الاجتماعي هذا الخلل المنهجي القاتل فقام بمبادرة علمية تصحيحية غير مسبوقة إذ تلطف ودبر أمره بحنكة وصبر حتى حصل على نسخة الأسدية من أسد بن الفرات ثم ارتحل بها مجددا إلى مصر ليعرضها على عبد الرحمن بن القاسم. وهناك خضعت الأسدية لمراجعة دقيقة وقاسية فأسقط ابن القاسم مسائل لم يثبت فيها الدليل وصحح أجوبة أملاها من حفظه وأصلح أخرى لتستقيم مع الأصول الشاهدة.
هذا المسار يعكس تحولا خطيا واضحا فالحلقة بدأت من أسئلة أسد الفرضية في العراق ثم انطلقت إلى أجوبة ابن القاسم في مصر لتولد الأسدية وحين عاد بها أسد واجه النفور القيرواني من الرأي مما دفع بسحنون إلى إطلاق مراجعته مع ابن القاسم والربط بالآثار والأحاديث لتبصر النور المدونة الكبرى التي حظيت بقبول شعبي وعلمي مطلق.

تمثلت عبقرية سحنون المنهجية والتراكمية في الترتيب والتبويب المنهجي عبر تصنيف المسائل في أبواب فقهية واضحة وميسرة للدارسين والعموم متجاوزا عشوائية الترتيب في السماع القديم المشتت وفي الاستدلال المنهجي بالأثر حيث تذيل الأبواب الفقهية بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية المسندة والآثار المروية عن الصحابة والتابعين مستعينا بمروياته الخاصة وموطأ ابن وهب ومصنف وكيع مما سحب البساط من تحت دعاوى الخصوم وأعطى للمذهب طابعه الأثري الراسخ في النفوس ناهيك عن مأسسة الإفتاء والقضاء إذ شكلت المدونة مرجعية قضائية عملية وموحدة ألغت التشتت الفقهي مما أدى إلى إقبال الناس والعلماء عليها تماما وإهمال الأسدية التي طواها النسيان كأنها لم تكن يوما.

ولم يتوقف تمكين المذهب المالكي عند حدود الأوراق والنظر بل تغلغل في تفاصيل الحياة اليومية الشاقة للبشر حين تولى سحنون قضاء القيروان مثقلا بالخبرة والنزاهة ومستعدا للمواجهة.
اشترط سحنون لقبول المنصب استقلالية قضائية مطلقة عن البلاط الأغلبي فرفض تقاضي أي أجر من الحاكم وصمم على أن يبدأ بتطبيق القانون على حاشية الأمير ومقربيه ليكسر شوكة النفوذ ويذل رجالات الفساد الطغاة.
وأحدث سحنون حزمة من الإصلاحات الهيكلية التي أسست لقانون الإجراءات المدنية والجنائية في الغرب الإسلامي تضمنت إنشاء دوائر قضائية متخصصة شملت دائرة المظالم ودائرة الحسبة ودائرة قاضي القضاة وتنظيم وضعية الأسواق على أسس شرعية جديدة لحماية المستهلكين ومنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار الذي يمتص دماء العامة وتنظيم إجراءات التقاضي عبر إحضار الخصوم باستدعاءات كتابية وشفهية موثقة وإحداث دفاتر رسمية لتسجيل الأحكام القضائية وتوظيف كتبة عدول لتوثيقها ومحاكم علنية لسماع الخصوم وفصل النوازل.
جعلت هذه الإصلاحات العملية من الفقه المالكي سلطة حمائية واجتماعية قريبة من هموم الناس الحية تذود عن حقوقهم ضد تغول السلطة السياسية وعسفها مما خلق ولاء شعبيا جارفا للمذهب تجاوز مجرد القناعة الفقهية الباردة إلى كونه ضرورة اجتماعية وقانونية للاستقرار والأمن المجتمعي.

ومع مطلع القرن العاشر الميلادي هز زلزال جيوسياسي عنيف أركان إفريقية إذ تهاوت الدولة الأغلبية وقامت على أنقاضها الدولة الفاطمية العبيدية الشيعية الإسماعيلية على يد أبي عبد الله الشيعي وعبيد الله المهدي.
كان هذا التحول بمثابة نذير بتحد وجودي يهدد بالاستئصال تلك الهوية السنية المالكية الناشئة في المنطقة.
سعت السلطة الفاطمية منذ أيامها الأولى إلى فرض التشيع الإسماعيلي الباطني على السكان بقوة الحديد والنار والتخويف وعسف الجلادين.
وتحدثنا المصادر التاريخية بمرارة عن لجوء دعاة الفاطميين إلى العنف المفرط لاستقطاب الناس قسرا فسجنوا وقتلوا العديد من الفقهاء والعامة الذين تمسكوا بمذهبهم ورفضوا التخلي عن الترحم على الصحابة.
وبسبب هذا الضغط السياسي والعسكري الفوقي الكاتم للأنفاس التجأ المجتمع إلى سلوك مقاوم صامت وشرس في آن واحد غايته الحفاظ على التراث السني والمالكي كخط دفاع أخير لحماية الذات من الفناء والذوبان.

انسحب علماء القيروان من الفضاء الرسمي للدولة الفاطمية الجديدة وانكفؤوا على أنفسهم داخل المساجد ومجالس العلم الأهلية وحلقات الإقراء البعيدة عن عيون العسس.
وفي تلك الأيام العصيبة تحولت مدونة سحنون الكبرى إلى أداة للتعبئة الروحية والتماسك الاجتماعي فكانت قراءتها وتدارسها في الحلقات بمثابة إعلان مبطن وعنيد للرفض الشعبي للشرعية الفاطمية المفروضة.
وأثمر هذا الصمود العلمي إحباطا كاملا لمشروع التثاقف القسري إذ ظل التشيع محصورا في النخبة الحاكمة والعشائر العسكرية الأمازيغية الحليفة مثل كتامة بينما ظل النسيج الاجتماعي في الحواضر المكتظة والقرى المنسية وفيا لسنية مالكية تجذرت في الأرض والنفوس.
وزاد من مرارة العيش تبني الفاطميين لسياسات ضريبية جائرة وجباية قاسية استنزفت قوت العامة والفقراء مما فجر ثورات مجتمعية كبرى حركها الجوع والقهر كان أخطرها ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد الملقب بأبي حميرة.
وعلى الرغم من الطابع الخارجي الإنكاري لحركة أبي يزيد فإن التفاف سكان القيروان والأوساط السنية حوله كان تعبيرا صارخا عن رغبة عارمة في التخلص من القيد الفاطمي بأي ثمن ولو كان التحالف مع خصوم الأمس.
ورغم أن الخليفة إسماعيل المنصور نجح في سحق الثورة بوحشية ونقل مقر حكمه إلى المنصورية فإن تلك الحوادث الدامية نبهت السلطة الفاطمية وحلفاءهم من بني زيري إلى أن اقتلاع المذهب المالكي من وجدان الناس هو ضرب من الوهم المستحيل.
واضطر الأمير المنصور الفاطمي إلى إقامة محاكمات استعراضية لبعض عبيده بتهمة قذف الصحابة محاولا بانتهازية سياسية كسب ود المالكية وتهدئة الغضب المكتوم في الصدور قبل أن ينفجر مجددا.
شكل عهد الأمير الزيري الصنهاجي المعز بن باديس المنعطف الجيوسياسي الأبرز والأكثر دراماتيكية وإثارة في تاريخ المنطقة إذ حسم الهوية المذهبية والسياسية لإفريقية بشكل نهائي ووضع حدا قاطعا للوجود الفاطمي الشيعي في هذه الربوع.
تولى المعز بن باديس إمارة إفريقية وهو طفل لم يتجاوز الثامنة من عمره عقب وفاة والده باديس بن منصور وتلقى اعترافا رسميا من الحاكم بأمر الله الفاطمي الذي منحه لقب شرف الدولة ظنا منه أنه سيظل طوع بنانه.
ولكن وراء هذا الستار الرسمي الموالي للقاهرة كان هناك من ينسج تحولا فكريا وعقائديا عميقا في كنف السرية والكتمان حيث تعهد الأمير الصغير بالتربية والتثقيف رجل الدولة والفقيه السني اللامع علي بن محمد المنتصر المعروف
بأبي الحسن.
عمل أبو الحسن بصبر وأناة على غرس عقيدة أهل السنة والجماعة ومحبة الصحابة في وجدان الأمير الناشئ وتنفيره من الأفكار الباطنية والإسماعيلية وأثمرت هذه التنشئة السرية نضجا سياسيا وفكريا هائلا لدى الأمير الشاب مكنه لاحقا من التخطيط بذكاء لإعادة إفريقية إلى حظيرتها الأولى.
ولم يكد المعز يمسك بزمام الأمور حتى شهدت القيروان وبقية المدن الإفريقية انتفاضات شعبية عارمة جرفت في طريقها كل مظاهر الوجود الشيعي حركها الغضب المتراكم لسنوات وبإسناد معنوي وفقهي من علماء المالكية.
جرف السيل الشعبي الوجود الفاطمي وأسفرت تلك الاضطرابات الدامية عن مقتل ما يقارب عشرين ألفا من الإسماعيليين وسط غض طرف وتواطؤ صامت من السلطة الحاكمة التي قررت الانحياز لشعبها.
خلقت هذه المذبحة الرهيبة واقعا ديموغرافيا ومذهبيا جديدا أنهى النفوذ الشيعي الفعلي في الفضاء العام وامتدت حملات التطهير المذهبي لتشمل طرابلس الغرب وحواضر إفريقية الأخرى. وسار المعز بن باديس في طريق الانفصال عن السيادة الفاطمية بخطى مدروسة وحذرة
ففي عام 1043 بدأ بتقوية شوكة أهل السنة في مفاصل الجيش والدواوين وإقصاء العناصر الموالية للقاهرة.
وفي عام 1048 اتخذ قراره التاريخي الجريء والخطير بقطع الخطبة للخليفة الفاطمي المستنصر بالله في مصر وإعلان التبعية الروحية والسياسية للخليفة العباسي في بغداد.
وبين ليلة وضحاها أُنزلت الرايات البيضاء الفاطمية من على منابر القيروان وتونس ورفعت مكانها الأعلام السوداء العباسية ليصبح مذهب مالك بن أنس المذهب الرسمي الوحيد والعلني للدولة.
جاء رد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله قاسيا وانتقاميا ومدرا للدماء إذ أطلق قبائل بني هلال وبني سليم من الحجاز كقوة غازية وجراد بشري جرف الأخضر واليابس.
اكتسحت هذه القبائل المنطقة وخربت الحصون والمدن في برقة والقيروان مما ملأ النفوس رعبا واضطر المعز بن باديس إلى التراجع والتحصن في المهدية حيث عاش بقية أيامه يعاني من انكسار الروح ومرض الكبد حتى وفاته.
ورغم الخراب المادي والجغرافي الهائل الذي خلفته الهجرة الهلالية إلا أنها ساهمت اجتماعيا وثقافيا في تعريب الأرياف وخلق واقع ديموغرافي عربي سني خالص عاد ليعزز تماسك المذهب المالكي ويغلق الباب تماما وبأقفال ثقيلة أمام أي عودة للنفوذ الفاطمي الباطني.
توازت صيرورة توطين المذهب المالكي في الفروع مع مسار تراكمي آخر لا يقل أهمية وتأثيرا وهو توطين المذهب الأشعري في الأصول والاعتقاد.
ولم يكن هذا التبني العقدي طارئا أو وافدا على عجلة بل مر عبر مراحل بدأت علمية حذرة وانتهت بمأسسة سياسية شاملة.
تأسس المذهب الأشعري في المشرق على يد الإمام أبي الحسن الأشعري كمنهج يسعى للتوفيق بين النص والعقل للدفاع عن عقائد أهل السنة والرد على المعتزلة والفرق المخالفة.
وبفضل مكانة القيروان كمركز إشعاع علمي تواصل علماؤها مبكرا مع هذه المدرسة الجديدة وارتحل العديد من طلبة العلم والفقهاء القيروانيين إلى المشرق وتلقوا العقيدة الأشعرية على أيدي كبار المذهب مثل ابن مجاهد والقاضي الباقلاني وإمام الحرمين الجويني وعادوا إلى ديارهم حاملين الكتب والمناهج الكلامية.
ورغم التكتم والضياع الذي أصاب العديد من المؤلفات العقدية القيروانية المبكرة بسبب الظروف السياسية القاسية فإن النفوذ الأشعري تغلغل بهدوء وصبر في صفوف النخبة الفقهية المالكية التي وجدت في المنهج الأشعري خير سلاح عقلي لحماية العقيدة السنية من هجمات الإسماعيلية الباطنية والمعتزلة.
ويبرز الإمام أبو الحسن علي بن محمد المازري كأهم الشخصيات العلمية التي نجحت في تبيئة وتوطين المذهب الأشعري داخل الحاضنة الفقهية المالكية في إفريقية. استطاع المازري بما ملكه من مرجعية فقهية وأصولية رفيعة تفكيك الحاجز النفسي والمنهجي الصلب بين دراسة الفقه ودراسة علم الكلام وأكد في مصنفاته وأجوبته على التلازم والانسجام المطلقين بين أصول الفقه المالكي وقواعد العقيدة الأشعرية.
وساهمت فتاواه وتأصيلاته في إثبات أن الأشعرية هي التعبير العقدي الحقيقي لأهل السنة والجماعة وأن أئمة الأشعرية كالباقلاني وابن أبي زيد القيرواني هم حماة الملة وفقهاء الأمة.
هذا التوفيق المعرفي أزال التحفظات السلفية القديمة ضد علم الكلام ومهد لاندماج الهويتين المالكية والأشعرية في كيان واحد متجانس.
وشهد القرن الثاني عشر الميلادي قفزة نوعية في تاريخ الأشعرية بالغرب الإسلامي مع قيام حركة الموحدين على يد المهدي محمد بن تومرت.
تلقى ابن تومرت تعليمه في المشرق وتأثر بالغزالي ومناهج المتكلمين الأشاعرة وعاد ليعلن حركة إصلاحية وعقدية صارمة فرضت المذهب الأشعري بقوة الحديد والنار عقب إسقاط دولة المرابطين والسيطرة على إفريقية.
صنف ابن تومرت رسالة وجيزة في علم التوحيد تدعى العقيدة المرشدة وتميزت هذه العقيدة بصياغة بليغة ومركزة تقع في صفحتين تعرض المسائل المتعلقة بالإيمان بالله ذاتا وصفات دون الدخول في تفاصيل السمعيات أو الإمامة والتركيز على تنزيه الله المطلق عن الجهة والمكان والتشبيه والمشابهة للحوادث ووجوب الاستدلال العقلي والنظر لإثبات معرفة التوحيد مع تضعيف الاكتفاء بالتقليد والنقل المحض.

فرضت الدولة الموحدية حفظ ودراسة المرشدة على العامة والخاصة كمعيار للإيمان وصحة الاعتقاد وحظيت هذه العقيدة بقبول واسع لدى العلماء والفقهاء اللاحقين مثل السلالجي في منظومته البرهانية نظرا لخلوها من الانحرافات العقدية ومطابقتها لجمهور الأشاعرة مما ساهم في تحول الأشعرية من مذهب لنخبة العلماء إلى ثقافة شعبية عامة ترسخت في وجدان المجتمع الإفريقي.
عندما نضع هذه المسارات العقدية في ميزان المقارنة والموازنة يتبين التفاوت المنهجي والعمق الفكري بين ثلاث مدارس تعاقبت على وجدان المنطقة.
عقيدة السلف والتفويض المبكر التي قامت بطبيعة استدلال تعتمد على النقل والتسليم المطلق مع التفويض الإجمالي للمراد لله تعالى وموقفها من الصفات هو التنزيه مع إمرار آيات الصفات من غير تكييف ولا تمثيل وتنظر للإمامة كمسألة مصلحية فرعية تثبت بنص السلف وإجماع الأمة وحظيت بحيز علمي ضيق بين بعض محدثي المالكية الأوائل.
المنهج الأشعري الكلامي بطريقة المتأخرين الذي يورد الأدلة النقلية والعقلية لمناظرة الخصوم وصد البدع ويتخذ التأويل التفصيلي لآيات الصفات الموهمة للتشبيه بما يليق بجلال الله ويلحق الإمامة بمباحث العقائد كمبحث فرعي للرد على الشيعة والفرق الأخرى وقد تبناه جمهور علماء الأمة والمذابـه الأربعة تدريجيًا.
منهج المرشدة لابن تومرت الذي جعل العقل هو الطريق الوحيد لإثبات التوحيد ورفض التقليد الأعمى ونادى بتنزيه مطلق صارم ومخالفة مطلقة للحوادث وخالقيه شاملة
ورفع الإمامة لتصبح ركنا من أركان الدين وشرطا للعصمة في الإمام المهدي وفرض هذا المنهج بقوة الدولة الموحدية ثم هذب وقُبل لاحقا من كبار الأشاعرة.
ومع استقلال الدولة الحفصية بقيادة أبي زكريا يحيى الحفصي واستقرار عاصمتها تونس دخلت المنطقة مرحلة من الطمأنينة والانسجام الهوياتي النهائي بعد عقود من القلق والتوجس وعسف الحروب.
تخلص الحفصيون من التشدد الإيديولجي الموحدي الفج كشرط العصمة والظاهرية الفقهية وعادوا إلى التمكين الكامل للمذهب المالكي في القضاء والإفتاء مع الحفاظ الصارم على العقيدة الأشعرية كإطار أصولي رسمي للدولة يحفظ لها توازنها واستقرارها الاجتماعي.
وتبلورت في هذا العصر الحفصي المعالم الكبرى للتركيبة الثلاثية التي حددت معالم الشخصية الإسلامية لإفريقية والمغرب ككل والتي عبر عنها الإمام عبد الواحد بن عاشر في منظومته الشهيرة المرشد المعين على الضروري من علوم الدين بقوله إن المسلك يقوم في عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك.
وأضحى هذا الشعار يمثل صمام الأمان والانسجام المجتمعي حيث يلبي المذهب المالكي احتياجات المعاملات والعبادات العملية وتكفل العقيدة الأشعرية ضبط أصول العقائد وفق منهج سني معتدل يزاوج بين النقل والعقل ويمنع التكفير والتشبه ويهذب التصوف السني المعتدل بطريقة الجنيد السالك الأخلاق والوجدان بعيدًا عن الشطحات والجنون الديني.
ولعب جامع الزيتونة بتونس دور الحارس والمقنن التاريخي لهذه التركيبة الثلاثية وتحول من مجرد مسجد جامع إلى مؤسسة تعليمية كبرى ذات إشعاع معرفي يضاهي الأزهر والقرويين واحتضنت أروقته تدريس المناهج الفقهية والعقدية الموحدة وبرز في سمائه أعلام صاغوا العقل الفقهي والعقدي للأمة.
من أبرزهم الإمام ابن عرفة الورغمي إمام جامع الزيتونة وشيخ علمائه الذي وضع مدونة فقهية وتفسيرية ضخمة استمر إملاؤها لعقود متعاقبة وتلقفتها الأجيال
واستخدم مسلك الجمع والتحليل الأصولي واللغوي مسخرا أدوات المنطق وعلم الكلام الأشعري لضبط الفروع والرد على التأويلات البعيدة مما رسخ حضور الأشعرية كأداة منهجية لا غنى عنها لفقيه المالكية.
ويبرز كذلك في العصر الحديث الإمام محمد الطاهر بن عاشور شيخ الجامع الأعظم ومجدد العصر الحديث الذي مثل الامتداد الطبيعي للمدرسة المالكية المقاصدية والأشعرية الوسطية ودافع عن الخصوصية العقدية والفقهية لتونس كعامل أمان يحفظ للمجتمع توازنه واعتداله ضد موجات التشويش والغلو الوافدة عبر الحدود والبحار.
لم تقف إفريقية عند حدود استهلاك المذهب والعقيدة بل تحولت بفضل حركيتها العلمية والتجارية وقوافلها التي تخترق الصحراء الكبرى إلى مصدّر رئيس لهذا النموذج التكاملي إلى السودان الغربي في مناطق السنغال ومالي والنيجر ونيجيريا الحالية.
وتلقى علماء تلك الممالك مثل مملكة كانم برنو وصكتو والسنغاي علومهم على يد مشايخ المغاربة والتونسيين ونقلوا كتب المذهب والفروع والاعتقاد إلى بلدانهم.
ونشر هؤلاء العلماء مثل القاضي محمود بن عمر أقيت وأحمد بابا التنبكتي والشيخ عثمان بن فودي العقيدة الأشعرية ومصنفاتها كعقيدة السلالجي والسنوسية وشروحها والفقه المالكي في مجتمعاتهم وترجموا مفاهيمها إلى اللغات المحلية كالهوسا والفلاني والكانوري.
وساهم هذا التصدير المعرفي في خلق وحدة فكرية وعقدية ممتدة عبر الصحراء الكبرى استندت بالأساس إلى الإنتاج العلمي والمنهجي الذي صيغ ودون في حواضر إفريقية كالقيروان وتونس.
عندما نتأمل هذا التتبع التاريخي والتراكمي الدقيق لصيرورة تشكل الهوية الدينية في إفريقية تونس تنجلي أمامنا جملة من الخلاصة والنتائج العلمية والمنهجية الحاسمة التي تؤكد أن التاريخ لا يصنعه الجلادون وحدهم بل تصنعه الشعوب الحية.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال