بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

شوفان لا يموت… نحن فقط نغيّر زيه ونواصل التصفيق

2026-04-03 97 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
شوفان لا يموت… نحن فقط نغيّر زيه ونواصل التصفيق
في عام 1815 وبينما كان غبار معركة واترلو يقوض أحلام الإمبراطورية الفرنسية كان هناك جندي بسيط من روش فور يدعى نيكولا شوفان (Nicolas Chauvin).
لم يكن شوفان قائداً عسكرياً فذاً بل كان بندقية في جيش نابليون أصيب بـ 17 جرحاً في سبيل مجد الرجل الصغير (بونابرت).
تقاعد شوفان براتب تقاعدي هزيل (200 فرنك) وبجسد مشوه لكنه ظل يسير في الشوارع بنسمة استعلاء مدافعاً عن إمبراطورية سقطت وعن مجد لم يورثه سوى الفقر.

في عام 1831التقط الأخوان كونيار (Cogniard) هذه الشخصية في مسرحيتهما الكوميدية الوسام الثلاثي الألوان (La Cocarde tricolore). هناك ولد مصطلح الشوفينية (Chauvinism) من رحم السخرية.
كان الجمهور يضحك على شوفان الذي يرى في فرنسا مركز الكون بينما هو غارق في بؤسه.
هنا تكمن المأساة، الشوفينية بدأت كنكتة مسرحية لكنها تحولت في القرن العشرين إلى دين سياسي يقتل الملايين. إنها الحالة التي يتحول فيها الوفاء للوطن من عاطفة بناءة إلى نرجسية مريضة تعتقد أن الله لم يخلق العالم إلا من أجل سلالتها.
الوطنية (Patriotism) هي حب الأرض أما الشوفينية فهي احتقار الجار.
الوطنية هي بناء البيت أما الشوفينية فهي محاولة إقناع النفس بأن بيتنا هو الجنة وأن بيوت الآخرين مجرد حظائر.

حين نقرأ التاريخ ،ندرك أن الشوفينية هي عقدة نقص مغلفة بستار من العظمة. هي الملاذ الأخير للشعوب التي عجزت عن دخول العصر الرقمي والجيوسياسي الحديث فارتدت إلى الرحم القبلي.
إنها نفخة نابليونية في أجساد هزيلة فالشوفيني كائن لا يرى التاريخ كحركة وصيرورة بل يراه متحفاً للمومياوات التي يقدسها ليشعر بالأمان وسط عالم يلتهمه بالصناعة والتكنولوجيا.
لم تكن الشوفينية مجرد كلمة فرنسية بل كانت وقوداً لحروب مدمرة. في القرن التاسع عشر انتقلت العدوى إلى بروسيا (ألمانيا لاحقاً). ظهرت الشوفينية الجرمانية التي بلغت ذروتها مع النازية في الثلاثينيات.
في عام 1870 (الحرب الفرنسية البروسية) كانت الشوفينية هي المحرك.
في عام 1914 دُفنت أوروبا في الخنادق لأن كل شوفان سواء كان فرنسياً ألمانياً أو بريطانياً كان يعتقد أن عرقه هو الأسمى.
المفارقة التاريخية هي أن أوروبا لم تنهض إلا حين قتلت نيكولا شوفان بداخلها وأسست الاتحاد الأوروبي (اتفاقية روما 1957) و استبدلوا الأساطير بالأرقام و الحدود المقدسة بالمجال الحيوي الاقتصادي.
في عالمنا العربي نكتشف نوعاً غريباً من الشوفينية و هي شوفينية الضعفاء.
نحن لسنا إمبراطورية نابليونية منهارة بل نحن أشلاء خرائط رسمها (سايكس وبيكو) في لحظة سكر استعماري عام 1916 ومع ذلك يخرج لنا في كل قطر شوفان محلي يقدس الحدود التي رسمها له المستعمر ويرى في جاره الذي يشبهه في الدين واللغة والتاريخ عدواً وجودياً.
لنأخذ الاتحاد المغاربي نموذجاً للانتحار الاستراتيجي
منذ قمة مراكش 1989 والمشروع ميت سريرياً، لماذا؟
لأن نيكولا شوفان يسكن في العواصم.
هناك نخب سياسية وإعلامية تقتات على صناعة الكراهية.

الشوفيني في منطقتنا يفتخر بتاريخ مزور ليعوض حاضراً مكسوراً.
يرفض التكامل الاقتصادي الذي يقدر خبراء البنك الدولي أنه يضيع 2% من نمو الناتج المحلي سنوياً من أجل خلافات حدودية أو زعامة وهمية.
إنها القومية حين تتحول إلى نرجسية صغرى.
نحن المنطقة الوحيدة في العالم التي لا تتبادل السلع بل تتبادل الشتائم التاريخية عبر القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي.
بمنطق الجيوبوليتيك، القوة اليوم هي قوة الكتلة.
الصين ليست عرقاً بل هي قارة دولة، والولايات المتحدة هي تكتل مصالح والهند هي تنوع في وحدة.
أما الشوفيني العربي فهو يريد أن يبني سوراً عظيماً حول جزيرة معزولة.
الشوفينية هي انسداد في الشرايين الجغرافية فحين تنغلق الجزائر على المغرب أو حين يغرق المشرق في طائفيته الشوفينية فنحن لا نحمي أوطاننا بل نحن نجهز الأكفان لمستقبل أجيالنا.
نحن نعيش في عصر السيادة الرقمية و الذكاء الاصطناعي. العالم يتحدث عن سبيس إكس و تشات جي بي تي و أشباه الموصلات بينما شوفان العربي لا يزال مشغولاً بمعارك وقعت قبل 1400 عام أو بخلاف على شبر أرض رسمه جنرال فرنسي أو بريطاني في عام 1920.
الشوفينية هي البطولة الفارغة، هي أن تصنع من الفشل ملحمة ومن الانعزال عزة.
إنها الحالة التي تجعل الإنسان يرفض القطار السريع العابر للحدود لأنه يريد أن يظل ملكاً على محطة مهجورة لا يزورها أحد.
الشوفينية هي سرطان الهوية وعلاجها لا يكون بالخطابات العاطفية بل بصدمة الحقيقة.
تاريخياً،يجب أن ندرك أن حدودنا الحالية هي أقفاص وليست أقداراً.
جيوسياسياً،يجب أن نعي أن السيادة الحقيقية ليست في إغلاق الحدود بل في القدرة على التأثير خارجها.
ثقافياً،يجب أن نقتل نيكولا شوفان بداخلنا،ذلك الجندي الذي يفتخر بجراحه القديمة بينما العالم يبتكر أجساداً آلية.

الأمة التي تعبد أناها الجماعية هي أمة تنتحر ببطء و
و الشوفينية هي خديعة الكبار للصغار، هي مخدر موضعي يُعطى للشعوب لكي لا تشعر بألم الجوع والتخلف.
يا سادة، الجغرافيا لا تدافع عن الضعفاء والتاريخ لا يحترم من يقف على أطلاله باكياً.
إما أن نكون كتلة جيوسياسية واحدة تحترم تنوعها وتوظفه أو سنظل مجرد كومبارس في مسرحية عالمية نؤدي فيها دور نيكولا شوفان المضحك والمبكي في آن واحد.
إنها وطنية الحمقى التي تنتهي دائماً بخراب البصرة وبضياع الأوطان التي ادعى الشوفينيون أنهم وحدهم حراس هيكلها المقدس.
إذا كان شوفان الفرنسي قد مات وسخر منه التاريخ لماذا لا يزال شوفان العربي يتصدر المشهد السياسي والإعلامي ويُصفق له الملايين كأنه بطل قومي؟
هل العيب في البطل أم في الجمهور الذي يحتاج لهذا النوع من التخدير؟

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال