توطئة: المدرسة والهاكتون بين العمق السوسيولوجي وسرعة الحدث
لم يعد النقاش حول المدرسة اليوم سؤالًا تقنيًا يتعلق بتحسين النتائج أو تطوير الأدوات، بل أصبح سؤالًا إبستمولوجيًا يمسّ طبيعة الفهم ذاته. فالمدرسة ليست مجرد فضاء تعليم، بل جهاز اجتماعي يعيد إنتاج القيم والمعايير، ويشكل رموز المجتمع وهويته (Durkheim, 1922).
في هذا السياق، يظهر الهاكتون (Hackathon) كظاهرة معاصرة. لغةً، يُشتق مصطلح الهاكتون من كلمتي Hack أي “البرمجة المبتكرة”، وMarathon أي “سباق طويل المدى”، أي “سباق فكري” لإنتاج حلول مبتكرة في زمن محدود، غالبًا 24–72 ساعة. اصطلاحًا، هو حدث جماعي مكثف يجمع مطورين، مصممين، باحثين، أحيانًا مع خبراء من مجالات متعددة، للعمل على مشروع محدد أو حل مشكلة بطريقة سريعة وتجريبية. أصله في وادي السيليكون، حيث نظم مطورون أول سباق برمجي في التسعينيات لتسريع ابتكار البرمجيات، قبل أن يتوسع ليشمل مجالات التعليم والصحة والطاقة وغيرها.
في التربية، يُستدعى الهاكتون غالبًا في مؤتمرات، لقاءات، ورشات ومهرجانات الابتكار التعليمي، كمحاولة لدمج المدرسين والتلاميذ والباحثين في مشاريع مبتكرة، ما يخلق تقاطعًا بين السرعة التقنية والابتكار التربوي، لكنه يطرح سؤال العمق والفهم البنيوي للمدرسة. وهنا تأتي أفكار إدغار موران لتذكّرنا بأن المدرسة ظاهرة معقدة لا يمكن فهمها من خلال حدث واحد أو آلية واحدة، فـ"التعقيد يتطلب رؤية الترابط بين الأجزاء" (Morin, 1990)، وليس الاقتصار على تحليل جزئي للابتكار أو الأداء الفردي.
1. المدرسة كبنية اجتماعية لإعادة الإنتاج:
منذ أن صاغ إميل دوركهايم تصوره للتربية باعتبارها فعلًا اجتماعيًا يُمارسه الكبار لإدماج الصغار في نظام القيم والمعايير (Durkheim, 1922)، أصبح من الصعب النظر إلى المدرسة كمؤسسة تقنية محايدة. فالتنشئة ليست نشاطًا فرديًا معزولًا، بل عملية إعادة تشكيل للضمير الجمعي وضبط للسلوك وفق أفق اجتماعي محدد.
التحليل السوسيولوجي تعمّق أكثر مع بيير بورديو و باسرون، اللذين كشفا أن المدرسة تعيد إنتاج اللامساواة عبر تحويل الرأسمال الثقافي الموروث إلى تفوق يبدو طبيعيًا ومشروعًا (Bourdieu & Passeron, 1970).
هنا، يضيء موران على أهمية رؤية الترابط بين الأبعاد الاجتماعية، الثقافية، والسياسية: المدرسة ليست مجرد موقع لتلقين المعرفة، بل منظومة مترابطة من الرموز، القيم، والقواعد التي تحدد من يبرز ومن يظل على هامش الحدث، سواء كان هاكتونًا أم نشاطًا يوميًا (Morin, 1990).
2. التعلم كسيرورة بنائية اجتماعية:
توضح نظريات التعلم أن العملية التعليمية تحتاج زمنًا مستمرًا وتفاعلًا ديناميكيًا:
بياجيه: التعلم عملية بنائية تتطور تدريجيًا عبر التوازن بين الاستيعاب والمواءمة داخل البنى المعرفية (Piaget, 1936).
فيغوتسكي: التعلم ظاهرة اجتماعية تتحقق عبر التفاعل الرمزي والثقافي، وأن “منطقة النمو الوشيك” تتشكل ضمن شبكة علاقات اجتماعية (Vygotski, 1934).
غاردنر: تنوع القدرات يجعل من التعلم تجربة متعددة الأبعاد، تتجاوز الفردية إلى الاجتماعية والثقافية (Gardner, 1983).
الهاكتون يختزل الزمن ويحوّل التعلم من سيرورة مستمرة إلى منتج عرضي، حيث يصبح الإقناع اللحظي معيارًا للنجاعة، بينما يظل العمق البنيوي الطويل الأمد للمدرسة مستترًا. وموران يذكّرنا أن التعلم جزء من شبكة مترابطة من المعارف والخبرات، وأن أي تقييم سريع للإبداع يخاطر بتجاهل السياق البنيوي والتاريخي (Morin, 1990).
3. إيديولوجيا السرعة واختزال الزمن التربوي:
ثقافة الهاكتون الرقمية تُقدّس السرعة، وتعتبر ضغط الزمن دليلًا على الكفاءة. لكن الزمن التربوي ليس زمن إنتاج صناعي، بل زمن تشكّل تدريجي للهوية وبناء مستمر للمعنى. حين يُفرض إيقاع الحدث، يُختزل التعقيد إلى عناصر قابلة للعرض، وتُغفل الترابطات العميقة بين الفرد، المجتمع، والمعرفة (Morin, 1990).
4. الهاكتون كحدث رمزي: بين الحركية والفراغ الاستراتيجي
في سياقات يغيب فيها مشروع تربوي واضح، يتحول الهاكتون إلى حدث رمزي يمنح إحساسًا بالحركية والابتكار: تحديات، عروض، جوائز. لكن السؤال البنيوي يبقى: هل تتحول هذه المبادرات إلى سياسات مستدامة، أم أنها مجرد عرض مؤقت يغطي فراغًا استراتيجيًا؟
موران يؤكد أن الرؤية المركبة للتعقيد هي التي تتيح تقييم الحدث ضمن شبكة علاقات أوسع، حيث يصبح الهاكتون فرصة لملاحظة الترابط بين المعرفة، السلطة، والاعتراف الرمزي داخل المدرسة (Morin, 1990).
5. نحو أفق تركيبي: إعادة تموضع الابتكار داخل العمق النظري
النقد لا يرفض الابتكار السريع، بل يدعو إلى دمجه في رؤية إصلاحية طويلة المدى، مع تحليل سوسيولوجي يحدد جذور المشكلة، ويحوّل الحدث إلى مختبر تطبيقي ضمن مشروع تربوي واعٍ. هنا تظل علوم التربية، بما راكمته من تحليل نقدي، الإطار الذي يمنح الفعل التربوي معناه وعمقه (Durkheim, 1922; Bourdieu & Passeron, 1970).
دمج منظور موران يعزز هذه الرؤية: الابتكار لا يمكن فصله عن السياق الاجتماعي والتاريخي، ويجب أن يُفهم كجزء من شبكة معقدة من العلاقات والوظائف التربوية (Morin, 1990).
خاتمة: السؤال عن المعنى
التوتر بين العمق السوسيولوجي وسطحية الهاكتون ليس صراعًا بين التقليد والحداثة، بل بين منطق الفهم ومنطق العرض. المدرسة ليست حدثًا عابرًا، بل بنية تاريخية لإعادة إنتاج المجتمع ورموزه.
إذا كان الهاكتون يمنح شعورًا بالإنجاز السريع، فإن التحليل السوسيولوجي، مع دمج فهم موران للتعقيد والترابط، يعيد السؤال الجوهري: أي بنية نعيد إنتاجها ونحن نظن أننا نبتكر؟ (Morin, 1990)
المدرسة إذن ليست مجرد فضاء للإبداع، بل جهاز يقرر مسبقًا من يُسمح له أن يبدو مبدعًا، والهاكتون يكشف بصمت حدود القدرة التفسيرية لعلوم التربية، ويبرز الترابط العميق بين المعرفة، السلطة، والاعتراف الرمزي (Durkheim, 1922; Bourdieu & Passeron, 1970).
المراجع:
1. Durkheim, . (1922). ducation et sociologie. Paris: Alcan.
2. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction. Paris: Minuit.
3. Piaget, J. (1936). La naissance de l’intelligence chez l’enfant. Neuchâtel: Delachaux et Niestlé.
4. Vygotski, L. S. (1934). Pensée et langage. Moscou: ditions en langue française.
5. Gardner, H. (1983). Frames of Mind: The Theory of Multiple Intelligences. New York: Basic Books.
6. Morin, E. (1990). Introduction à la pensée complexe. Paris: Seuil.
علوم التربية بين العمق السوسيولوجي وسطحية الهاكتون حين يُختزل التعقيد البنيوي في حدث عابر
2026-02-25
23 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال