هناك لحظة في تاريخ الأمم تُدرك فيها أنها لا تحتاج أن تُخترع نفسها من جديد، بل أن تتذكر نفسها فقط. اليابان في مطلع القرن العشرين كانت بلادًا ممزقة بين المدن الحديثة والقرى المهملة. ثم اكتشفت شيئًا قديمًا: أن الروح تسكن في الريف، وأن المستقبل لا يُبنى من الإسمنت فقط، بل من الطين، والزراعة، والحرف، والذاكرة. وهكذا ظهر مفهوم Inaka؛ ذلك العمق غير المرئي الذي يحفظ الأمة من التفكك، ويعيد الإنسان إلى أرضه، ويحوّل القرية من مجرد مكان إلى أسلوب حياة، إلى تجربة، إلى اقتصاد ثقافي كامل.
وتونس اليوم تقف على العتبة نفسها. بلد صغير، مرهق من السياسة، مُرهَق من المدن التي فقدت بريقها، ومثقل بريف لم يأخذ حقه. بلد يملك ما فقده الآخرون:
قرى لم تفسدها الحداثة..
بشرًا بسطاء لكنهم أثمن من كل الموارد..
طبيعة صغيرة لكنها مذهلة..
ذاكرة أمازيغية وقرطاجية وعربية و رومانية ما زالت تتنفس في البيوت الحجرية.
تونس تملك كل شروط الثورة الهادئة… لكنها لم تربط الخيوط بعد.
ولهذا يصبح سؤال الساعة:
هل يمكن لتونس أن تُكيّف نموذج Inaka ليصبح طريقها الثالث نحو اقتصاد جديد؟
والجواب: نعم، وبسهولة تكاد تكون فضيحة.
البداية تكون من اختيار قرى نموذجية في كل جهة، قرى ليست متهالكة ولا مدينية، بل تلك التي بقيت على حافّة التاريخ دون أن تتلوث: سجنان، غار دماء، عين دراهم، بني مطير في الشمال الغربي؛ السبيخة، الوسلاتية، رقادة، مكثر في الوسط؛ قصر غيلان، شنني، الطار، مطماطة، تطاوين في الجنوب.
كل قرية منها تتحوّل إلى «مرفق إقامة موزّع»:
البيت الفلاحي يصبح غرفة ضيوف..
الحقل يصبح تجربة حصاد..
الوادي يصبح مسار مشي..
السوق الأسبوعية تتحول إلى معرض منتجات..
القصور الأمازيغية إلى متاحف مفتوحة، والواحات إلى مختبرات بيئية.
القرية كلها تتحوّل إلى فندق بلا جدران، وإلى اقتصاد بلا ضجيج.
لكن القرية لا تُدار بالعاصمة.
اللجان المحلية هي قلب المشروع:
لجنة تُسجّل البيوت، تدرب الفلاحين، تضبط الأسعار، تراقب الجودة، وتبني هوية المكان.
النيابة هنا للناس لا للبيروقراطية.
كما فعل اليابانيون حين فهموا أن الريف لا يدار من فوق، بل من الداخل، من رحم العائلة، من السوق، من المطبخ، من العادات الصغيرة التي تصنع الذوق وتحرّك الخيال.
ولأن القرن هو قرن التكنولوجيا، لا ريف بلا منصة رقمية. هكذا تولد منصة Tunisia Rural Experience: بوابة واحدة تجمع الحجز، التقييمات، القصص الإنسانية، مسارات المشي، بيوت الضيافة، المنتجات الفلاحية، البرامج الموسمية.
منصة ليست للسياحة فقط..
بل لحفظ الذاكرة..
لتوثيق الناس..
لربط تونس الريف بتونس العالم..
لتحويل القرية إلى قصة تُحكى، لا مجرد مكان يُزار.
وهنا يأتي الدور الأخطر:
تدريب الفلاح ليصبح سفيرًا.
الفلاح التونسي يملك الكرم، ويملك الحرفة، لكنه لم يُعطَ الأدوات: لغة أجنبية مبسطة، تقنيات ضيافة، قواعد سلامة غذائية، أساليب تسويق، كيف يحوّل تجربته إلى قصة، وكيف يحوّل قصته إلى منتج.
الدولة تُزوّده بالعدة، وهو يزوّد الدولة بالريادة.
وهذا هو جوهر النموذج: تحويل الفلاح من مستهلك دعم إلى صانع قيمة.
ومن هنا ينطلق الاقتصاد الجديد:
اقتصاد التجربة.. ذلك الاقتصاد الذي حوّل قرى اليابان، وحقول إيطاليا، ومزارع فرنسا إلى منصّات ثراء.
اقتصاد لا يحتاج مصانع، بل يحتاج إلى بشر وأرض وحكايات.
ضيافة تُدر المال مباشرة..
بيع منتجات محلية مميزة..
حرف تقليدية تعود للحياة..
نقل محلي يشغّل الشباب..
مهرجانات صغيرة تعطي القرية قلبًا نابضًا؛ متاحف صغيرة تحفظ التاريخ.
إنها دورة حياة كاملة داخل القرية نفسها.
ولكي يتوحّد الجهد وتتعانق القرى، تُخلق مسارات ريفية كبرى:
مسار الزيتون من القيروان إلى سوسة..
مسار الحصاد في الشمال الغربي..
مسار القصور الأمازيغية..
مسار الوديان والغابات..
مسار الواحات البيئية..
مسارات قد تمتد ليوم أو ثلاثة، تمر عبر القرى كأنها خيط يربط القلب بالجسد، وتحوّل الريف إلى شبكة اقتصادية متواصلة.
وهكذا تصبح تونس خريطة جديدة: ليست خريطة محافظات وحدود، بل خريطة قصص وتجارب.
ولأن كل مشروع كبير يحتاج فلسفة، فإن تونس قادرة على ذلك لأنها تملك ما فقده العالم:
قرى حقيقية، أطعمة بدائية لكنها لذيذة، فلاحين يملكون قصصًا لا تُشترى، تاريخًا قرويًا لم يُحكَ بعد، طبيعة متنوعة في مساحة صغيرة.
تملك القدرة على جعل الريف ميزة وطنية، على تحويل الهجرة الداخلية إلى عودة داخلية، وعلى خلق اقتصاد غير ملوث وغير موسمي وغير هش.
الفوائد واضحة:
اقتصاديًا، دخل إضافي لـ100 ألف فلاح في خمس سنوات، رفع الإنفاق خارج الساحل، خلق اقتصاد محلي جديد، إحياء الحرف، وتثبيت السكان في قراهم.
اجتماعيًا، إعادة فتح البيوت المهجورة، وترميم الروابط البشرية، وإرجاع الثقة إلى الفلاح.
ثقافيًا، حفظ الذاكرة الأمازيغية، وصيانة التراث القُصُري، وتقديم المطبخ التونسي كما هو، لا كما شوهته الفنادق.
أما الدولة فدورها بسيط لكنه حاسم:
تبسيط الترخيص، تنظيم النقل الريفي، توفير الإنترنت، إعفاءات ضريبية للترميم، تدريب مشترك بين الوزارات.
والقطاع الخاص يستثمر في المنتزهات الصغيرة والمطاعم والنقل.
والمنظمات الدولية تموّل وتدرّب وتسوّق.
إن نموذج Inaka ليس سياحة ولا فلكلورًا.
إنه عودة الإنسان إلى مكانه الأول.
إنه ثورة هادئة تعيد ترتيب العلاقة بين الأرض والإنسان. إنه خيط يربط الماضي بالمستقبل دون أن يقطع الحاضر.
وتونس إذا أرادت قادرة على قيادة هذه الثورة في شمال أفريقيا، بل على تحويل ريفها إلى قلبها الجديد، وقلبها إلى مستقبلها الأكبر.
هل يمكن لتونس أن تُكيّف نموذج Inaka ليصبح طريقها الثالث نحو اقتصاد جديد؟
2025-11-20
562 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال