تمهيد: حين تهاجر المفاهيم من الفلسفة إلى التربية
يبدو للوهلة الأولى أنّ مفاهيم مثل الكوجيتو واللاهوت والأنطولوجيا تنتمي إلى فضاءات تجريدية بعيدة عن عالم المدرسة. لكن هذا الانطباع سرعان ما يتلاشى إذا استحضرنا أنّ المدرسة ليست مؤسسة تقنية بل فضاءً لإنتاج الذات والمعنى والسلطة. فالكوجيتو بوصفه إعلانًا عن ميلاد الذات المفكرة في التصور الديكارتي، واللاهوت باعتباره نسقًا شموليًا لإنتاج الشرعية والمعنى، والأنطولوجيا بوصفها سؤال الوجود — كلّها مفاتيح لفهم ما يجري داخل المؤسسة التربوية.
نزوح هذه المفاهيم نحو الحقل المدرسي ليس انحرافًا معرفيًا، بل ضرورة تحليلية، لأن المدرسة في تونس ليست مجرّد منشأة إدارية؛ إنها كيان أنطولوجي بأبعاد رمزية وطقسية وبنيوية، تتشكل فيها الذات كما أشار ديكارت، وتُعاد فيها صياغة السلطة كما حلّل ألتوسير (1971) في نظرية أجهزة الدولة الأيديولوجية، ويُعاد فيها إنتاج الوجود الاجتماعي كما أشار دوركهايم في تحليله لوظائف المدرسة بوصفها ضمير المجتمع.
من هنا تأتي الحاجة إلى تفكيك المدرسة التونسية عبر ثلاث عدسات:
الكوجيتو (الذات)، اللاهوت (السلطة)، والأنطولوجيا (المعنى)، ثم عبر العدسة الرابعة الأكثر خفاءً: الأنثروبولوجيا المدرسية.
المقدمة: من الدولة–الراعي إلى المجتمع–البلا سردية
تأسست المدرسة التونسية بعد الاستقلال كامتداد لنسق الدولة الوطنية الحديثة، وبُنيت على مشروع يقوم على إنتاج ذات تونسية جديدة، في انسجام مع نقد عبد المجيد الشرفي للحداثة العربية ومع مشروع الهوية واللغة كما حلّله عبد السلام المسدي. كانت المدرسة جهازًا أيديولوجيًا للدولة وفق تصور ألتوسير، مهمتها هندسة الوعي وتطويع الذات.
لكن هذا المشروع دخل في زمن السيولة مع نهاية القرن الماضي، ثم تآكل بشكل حاد بعد 2011، كما وصف زيغمونت باومان (2000، 2007) عالم الحداثة السائلة. تفكّكت المرجعيات، وتلاشت السلطة الرمزية، وانهار الارتباط بين المعنى والممارسة.
هذا الانهيار فتح الباب أمام قراءة جديدة للمدرسة عبر ثلاث لحظات:
1. الكوجيتو المدرسي: ذات عقلانية ناقصة ومكبوتة.
2. اللاهوت التربوي: نظام الطاعة وطقوس الامتحان.
3. الأنطولوجيا المتصدعة: وجود مدرسي بلا معنى.
4. الميثوس الأنثروبولوجي: طقوس غير مرئية تشكّل السلطة من خلف الستار.
1. الكوجيتو المدرسي: الذات الناقصة وسط مدارس خشبية
المشروع التربوي التونسي استلهم العقلانية الديكارتية (الكوجيتو)، لكنه فشل في تحقيقها. تحوّل الشكّ إلى تهديد، والتساؤل إلى خروج عن الطاعة.
يرى فوكو (1975) أنّ المؤسسات الحديثة — ومنها المدرسة — تطوّر “اقتصادًا للانضباط” يعيد تشكيل الذوات. ويشير باولو فريري (1970) إلى أنّ التعليم البنكي يقتل التفكير النقدي ويحوّل المتعلم إلى وعاء جامد.
في تونس:
المعرفة تحولت إلى سلعة امتحانية.
التلميذ استحال حافظة معلومات، مهددًا بفساد معرفي وسلوكي.
سلطة المعلم أصبحت سلطة معرفية هشة (كما حللها بورديو، 1994)، والمعلم ذاته مهمّش، فاقد القدرة على التأثير في المناهج.
الخيال العلمي والفلسفي غاب، والبرامج خشبية ومتقادمة، لا تستوعب عالم الديجيتال.
بذلك فقدت المدرسة وظيفتها الأصلية: تكوين ذات تفكّر وتنتج معنى.
2. اللاهوت التربوي: حين يتحوّل الامتحان إلى معبد
مع تراجع العقلانية المدرسية، صعد داخل المؤسسة نسق لاهوت تربوي، ليس بمعناه الديني بل بمعناه الرمزي: نظام من الطقوس المقدسة التي تمنح الشرعية للسلطة.
من خلال تحليل دوركهايم للطابع المقدس للمؤسسات الجمعية، ومن خلال فهم الطقوس كما عند فتحي التريكي في “الفلسفة والمدينة”، يمكن قراءة المدرسة كحقل طقوسي:
مظاهر اللاهوت المدرسي في تونس:
1. تقديس الدولة: المدرسة بوصفها امتدادًا لهيبة الدولة الوطنية.
2. طقوس الامتحان: الباكالوريا باعتبارها عبورًا مقدسًا.
3. لاهوت الهوية: فرض سردية رسمية عن الوطن واللغة (المسدي، وناس).
4. المعلم ككاهن: رمزي لكنه مهمّش اجتماعيًا وماديًا.
5. الكتاب المدرسي كلوح محفوظ: لا يخضع للنقد، خارج الزمن الرقمي.
هذا اللاهوت يخفي فراغًا بيداغوجيًا عميقًا، ويعيد إنتاج سلطة قائمة على الطقوس لا على التفكير.
3. الأنطولوجيا المتصدعة: وجود مدرسي بلا معنى
الأزمة اليوم ليست أزمة جودة، بل أزمة وجود.
كما يشير المنصف وناس إلى هشاشة الرموز الحامية للمجتمع، فإن المدرسة بدورها تعيش هشاشة وجودية.
سمات التصدّع الأنطولوجي:
لامعيارية سلوكية: عنف، استهزاء، غياب احترام.
تآكل السلطة الرمزية للمدرس: المعلم لم يعد مرجعية.
انهيار الهوية المدرسية: المدرسة لا تصنع المواطنة.
انتقال شرعية المعنى: من الكتاب إلى الهاتف، من المعلم إلى المؤثر.
انفصال المدرسة عن الواقع: مناهج لا تعبّر عن المجتمع ولا تستجيب للديجيتال.
جيل فاسد سلوكيًا ومعرفيًا بسبب غياب المعايير وانهيار الرقابة.
هنا نجد ما يسميه باومان “الهشاشة الوجودية”: فقدان القدرة على إنتاج معنى ثابت.
4. الأنثروبولوجيا الخفية للمدرسة التونسية: الميثوس الذي يصنع الطاعة
وهنا يأتي العمق الأكبر: المدرسة ليست فقط عقلًا ومنهجًا وسلطة؛ إنها جسد وفضاء وطقوس، كما سيشير الأنثروبولوجيون من قبيل ماري دوغلاس، إرينغ غوفمان، وكليفورد غيرتز.
أ. الجسد المدرسي: اقتصاد القمع
كما تحلل دوغلاس، تُصاغ السلطة عبر السيطرة على الجسد:
الطابور الصباحي طقس سيادي.
الجلوس لساعات إخمادٌ للحيوية.
حركة اليد، النهوض، الكلام — جميعها مُراقبة.
لكن هذا "الاقتصاد الجسدي" لم يعد صالحًا لجيل يعيش داخل الهاتف أكثر من جسده.
ب. الفضاء المدرسي: هندسة بلا روح
وفق قراءة بالاندييه للفضاء السياسي الرمزي:
الأقسام المكتظة فوضى لا تنتج معرفة.
الساحات ساحة صراع لا فضاء لعب.
الإدارة هرمية قاسية.
غياب الفن والجمال ينتج "عدمية جمالية".
الفضاء أصبح طاردًا للانتماء.
ج. الميثوس المدرسي: سرديات تحكم من الخلف
كما يحلل غيرتز الأساطير اليومية:
“الرياضيات مادة نخبوية”،
“الآداب للضعفاء”،
“الباك هو المصير”،
“الأستاذ لا يُناقش”.
كلها ميثوس يعيد إنتاج الهيراركية دون وعي.
د. ما بعد 2011: انهيار الطقس = انهيار السلطة
بعد الثورة:
انتهى الطابور.
فقد المعلم هيبته.
سقطت الطقوس.
ظهر المسرح الموازي: الهاتف الذكي.
وهكذا انهارت آخر مؤسسات الانضباط.
5. من الكوجيتو إلى اللاهوت إلى العدم: جدلية التدهور
تاريخ المدرسة التونسية يمكن قراءته كدورة:
1. مرحلة الكوجيتو (1956–1989): مشروع عقلاني–حداثي.
2. مرحلة اللاهوت المدرسي (1990–2010): طقوس السلطة والانضباط.
3. مرحلة العدم (2011–اليوم): انهيار الرموز، سقوط المعنى، تهميش المدرسة.
إنها ليست خطوطًا مستقيمة، بل طبقات متداخلة تكشف انتقال المدرسة من مشروع فلسفي لإنتاج الذات، إلى مشروع سلطوي لإنتاج الطاعة، إلى حالة عدمية لا تنتج شيئًا.
الخاتمة: أسئلة التأسيس الجديد
هل يمكن تحرير الكوجيتو من اللاهوت؟
هل يمكن للمدرسة أن تستعيد معناها خارج هيبة الامتحان؟
هل يمكن للتلميذ أن يصير ذاتًا مفكرة لا موضوعًا للطاعة؟
هل يستطيع مجتمع يعتدي على مدرسيه — كما تكشف تقارير “التعليم والمجتمع” لحسين بن حمودة — أن يبني مدرسة ذات معنى؟
أم أننا أمام موت المدرسة التقليدية وبداية ولادة أنطولوجيا مدرسية جديدة؟
المراجع:
1. Althusser, L. (1971). Idéologie et appareils idéologiques d’tat.
2. Arendt, H. (1958). Condition de l’homme moderne.
3. Bauman, Z. (2000). Modernité liquide.
4. Bauman, Z. (2007). Temps liquides.
5. Bourdieu, P. (1994). Raisons pratiques.
6. Durkheim, . (1922). ducation et sociologie.
7. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir.
8. Freire, P. (1970). Pédagogie des opprimés.
9. Douglas, M. (1966). Purity and Danger.
10. Geertz, C. (1973). The Interpretation of Cultures.
11. Goffman, E. (1961). Asylums.
12. Balandier, G. (1980). Le pouvoir sur scènes.
13. فتحي التريكي (2001). الفلسفة والمدينة.
14. عبد المجيد الشرفي (1990). الإسلام والحداثة.
15. المنصف وناس (1999). الشخصية التونسية.
16. حسين بن حمودة (1984). التعليم والمجتمع في تونس.
17. عبد السلام المسدي (1988). الهوية واللغة.
أنطولوجيا المدرسة التونسية من الكوجيتو إلى اللاهوت: قراءات سوسيولوجية، أنثروبولوجية وفلسفية ممتدّة
2025-11-30
328 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال