مقالات عن: فوزي مسعود

بعض من أساليب التشويش الفكري بتونس -2

2007-10-20 15244 قراءة فوزي مسعود
2
نواصل في هذا الجزء الثاني من مقالنا عن أساليب التشويش الفكري بتونس, رؤية مزيدا من الأساليب المستعملة لإحداث ‏حالات التشويش الفكري لدى المتلقي لغرض بث أفكار لديه أو لتهيئته لقبول مواقف أو لدفعه للقيام بأعمال. ‏

انظر الجزء الأول من هذا المقال: بعض من أساليب التشويش الفكري بتونس -1

4. أسلوب الإختزال والإيحاء:
يستعمل هذا الأسلوب لجلب الانتباه لنقطة معينة دون غيرها مع الرغبة في تغييب النقاط الأخرى. يكون ذلك إما لأن ‏مستعمل مثل هذا الأسلوب لا يريد أن يقع التفطن لتقصيره في النقاط الأخرى أو لكي يوحي للناس خطأ أنه ممن يلتزم ‏بكل النقاط وذلك بخلق الانطباع المتولد عن الاستنتاج الضمني لدى عامة الناس في ذلك الموضوع, والذي هو في ‏الحقيقة استنتاج خطأ. حيث تعمل آلية تكوين الآراء لدى الناس في جزء منها على الاستنتاجات المتسرعة. فمثلا حينما ‏يرى الواحد منا مجموعة من المنتوجات, وحينما تتفقد المنتج الأول وتجده غاية في الإتقان, فإنك ستستنتج خطأ أن باقي ‏منتجات هذا المصنع بنفس الإتقان من دون أن تتأكد فعليا من ذلك.‏
من أمثلة استعمال هذا الأسلوب:‏

رفع الآذان في وسائل الإعلام: لنتصور إحدى وسائل الإعلام تبث حفلة راقصة تبرز حشدا من المتعريات و أحيانا ‏أخرى كليبات فاضحة أو مسلسلا من النوع المكسيكي, ثم فجأة يقع قطع البث ويرفع الآذان المنادي بالصلاة.‏
في الحقيقة هذه الممارسة بالتحديد تستعمل عديد الأساليب الدعائية الأخرى التي لن نتناولها في هذا المقال, كأسلوب ‏التسطيح وأسلوب تشتيت الانتباه, ولكنها تستعمل كذلك أسلوب الاختزال والإيحاء الذي نحن بصدده, حيث يهدف ‏القائمون بمثل هذا العمل إلى توليد الإيحاء المكون لرأي ضمني مفاده أن الوسيلة الإعلامية التي تبث الأذان تحترم ‏القيم المرجعية وتعمل على الرفع من شأنها.بشكل كبير, مثلما تلتزم برفع الأذان بطريقة مبالغ فيها.‏

‏والحال أن الكل يعرف أن رفع الأذان هذا لا معنى له, ويكاد يكون تأثيره منعدما في ما يخص دفع الناس لاحترام ‏دينهم, بل بالعكس قد يساهم رفع الأذان بذلك الشكل وفي ذلك الإطار المحاط ببرامج متردية, في دفع الناس لعدم احترام ‏هذا الأذان وعدم الإلتفات له ومن ثم عدم إيلاء أي جدية للدين وما استتبعه من منظومة, ما دامت وسيلة الإعلام تلك ‏تعطي المثل في عدم احترام ذلك الدين, لأنه لو كان هناك احترام, لعمدت وسيلة الإعلام تلك بدرجة أولى إلى الكفّ عن ‏بث البرامج التي تناقض الإسلام التي كانت تبث مباشرة قبيل الآذان, وهو ما يمثل أولوية أكثر من رفع الأذان ذاته, إذ ‏دفع ضرر ثابت أولى من جلب مصلحة غير متأكدة الثبوت.‏

ثم من ناحية أخرى, فإن عمل وسيلة إعلام على رفع الآذان وفي نفس الوقت سعيها لإشاعة الفاحشة في الناس بما تبثه ‏من برامج ساقطة يرفضها الدين الذي تدعي احترامه, يمكن أن نستنتج منه إحدى الحالات التالية:‏
‏1- إما ان القائمين على تلك الوسائل الإعلامية, من الجهل بدينهم بحيث لا يعرفون ان ما يقومون به لا يجوزه دينهم.‏
‏2- إما ان القائمين على تلك الوسائل الإعلامية, يحملون تصورا مفاده انه يجوز بث ما يحلو لهم من الموبقات, وانه ‏يمكنهم معادلة ذلك ببث الآذان, وهو بالتالي عمل على إرضاء كل "الأذواق" والرغبات, وهو بالضبط تصور مسيحي ‏للدين, حيث يجوز فعل ما يحلو لأحدهم من موبقات ثم يأتي للكنيسة و يكفيه الاعتراف بذنبه وينتهي الأمر, وبالتالي فلا ‏تناقض لدى المسيحي بين أن يكون مسيحيا وان بأتي بالمنكرات, المهم ان يعدل بين كل الجوانب: يأتي بالمنكرات ثم ‏يأتي الكنيسة, وهو للأسف نفس التصور الذي يحمله العلمانيون في تونس عن الدين الإسلامي.‏
بالطبع الإسلام لا يجوز فيه مثل هذا السلوك المنافق المتلون, فأن تلتزم بدينك يستدعي منك انضباطا به في كل الحالات ‏والأوضاع.‏
‏3- إما ان القائمين على تلك الوسائل الإعلامية, يعملون بطريقة متعمدة على إحداث حالة من التشويش الذهني لدى ‏المتلقي.‏

‏‏‏5.‏ ‏ أسلوب "الإجتهاد" و "البحث العلمي":‏‏
يستعمل هذا الأسلوب حينما لا يمكن تمرير أي عملية تشويه بالوسائل الأخرى, وهو يهدف إلى إلباس سلوك أو توجه ‏أو تصور منحرف لباس الاجتهاد أو الرؤية الفكرية, بمعنى أنه سيُتمكن من تمرير تلك الرؤية أو الممارسة الخاطئة ‏على أنها اجتهاد في سياق الإسلام, تتطلب احتراما وتسامحا إن أظهرت شذوذا وغرابة.‏
و من أمثلة استعمال هذا الأسلوب:‏

‏5.1 عمليات التصنيف للإسلام و للمسلمين: حيث تعمد وسائل الإعلام إلى خلق تصنيفات متعددة للإسلام ومن ثَمّ للمسلم, فهناك ‏حسب رأيهم المسلم العادي وهو الخائض في المحرّمات طولا وعرضا والذي لا يخشى الله ولا يرقبه, وهناك المسلم ‏المتزمت وهو الملتزم بالإسلام وهناك المسلم المتشدد وغيرها من التصنيفات الأخرى.‏

‏ والحال أنه لا يوجد إلا إسلام واحد, وهناك في المقابل تصنيفات للناس على حسب قربهم من مبادئه, تنحو هذه ‏التصنيفات إلى ذم المقصرين, فنجد المقصّر و الفاسق, والعاصي, والمرتد والكافر, أما المبالغون في الالتزام بالدين فهم ‏عادة منارات وأمثلة يُهتدى بها, فهم مصنفون على أنهم الورعون و المخبتون و الصديقون ولعله يمكن وجود فئة ‏المتنطعين في هذه القائمة, وبالتالي فالتسفيه والهجوم إن كان لا بد منه, يجب أن يوجه لفئة المقصرين وليس لفئة ‏المبالغين في الورع, هذا على افتراض وجود هذه الفئة أصلا, بينما نلاحظ أن الإعلام لدينا لا يلتفت أبدا او يكاد إلى لوم ‏الفئة المقصرة, في حين يصب كل اللوم على الفئة المقابلة الملتزمة بدينها.‏
‏ والحقيقة يتعلق الأمر هنا بتصنيفات دعائية تهدف إلى التالي:‏

‏.1- تسويق الأفراد المنحرفين والذين هم مقصرون شرعيا, على أنهم مسلمين عاديين وبالتالي فهم المقياس الذي يجب ‏أن يحتكم إليه, كما ان هذا التصنيف يهدف إلى تكريس الواقع العفن والعمل على جعله المقياس في الحكم على الأشياء, ‏وهو بعد ذلك لا يعين الناس الغارقين في أدران الأوحال أن ينظروا لأنفسهم بغرض الإصلاح مادامت أخطائهم ‏وانحرافاتهم صورت على أنها شيء طبيعي.‏
‏2. العمل على التضييق على الملتزمين بالإسلام وذلك عن طريق تسفيههم ونبزهم بالألقاب كالمتزمتين أو المتخلفين أو ‏المتعقدين, وذلك لهدف الحد من تأثيرهم داخل المجتمع عن طريق عزلهم, وكذلك تشويه صورتهم أمام المرشحين ‏للالتحاق بصفوفهم من المهتدين الجدد.‏
‏.3- يهدف القائمون على استعمال هذه التصنيفات إلى تأمين ممر يمكن من خلاله ممارسة مزيد من الانحرافات و بث ‏عمليات التشويش الفكري في أذهان الناس بدون خوف من الرفض الشعبي, بما أنهم يتحركون تحت غطاء المجتهد, ‏وهو ما يبيح لهم حرية التحرك والتنطع في الآراء (هناك العديد من الأمثلة في هذا الباب معروفة, كتسويق اليساريين ‏انحرافاتهم الفكرية تحت ستار أن الإسلام يبيح الاجتهاد).‏
‏.4- يهدف القائمون على استعمال هذه التصنيفات على إحداث بلبلة في مستوى المفاهيم لدى الناس, وهو المستوى الذي ‏يمكن من خلاله تسريب أي ممارسة أو سلوك منحرف بدون القدرة على الصد و الرفض من طرف عامة الناس. وذلك ‏لأنه لا يمكن لشخص مشوش الذهن ويحمل مفاهيما متعددة و غير واضحة حول موضوع ما, أن يرفض ممارسة, لأن ‏الرفض هو ابتداء احتكام لمفهوم يفترض أن يكون مرجعيا وواضحا لديه, ومادامت مرجعيات الحكم لديه غير ثابتة ‏ومتعددة فهي إذن غير واضحة( وإلا فلماذا التعدد في ماهية يفترض تفردها: المبادئ تكون عادة متفردة في تعريفها ‏داخل منظومة فكرية معينة) وذلك بحكم ان وسائل الإعلام تعمل على إضعاف المفاهيم بإكثار التعريفات والتصنيفات ‏لها, وهو ما قد ينتهي أخيرا إلى نفي المفهوم أصلا, وهي مرحلة الضياع.‏

عمليات التهجم تحت ستار الاجتهاد والبحث العلمي:‏‎ ‎ 5.2
تسعى عديد الإطراف للنيل من الدين الإسلامي, ولأن وسائل التهجم المباشرة أصبحت ذات قابلية تمرير ضعيفة لتطور ‏المستوى الفكري لعامة التونسيين, فإنه يلجا لوسائل تتغطى بستار البحث العلمي والاجتهاد.‏
و خطورة هذا الأسلوب, انه يخلق أحيانا هالة من القداسة العلمية للمتكلمين بحيث يمكن ليس فقط أن يمرر الاطروحات ‏المنحرفة, بل و يضيف إليها نوعا من التميز, وهو إن وقع يعتبر أشد أنواع التضليل الفكري.‏
‏من أمثلة ذلك:‏
‏1- حينما قام احد الاوروبين بالاستهزاء من النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق رسمه, وهو الحدث الذي أقام ‏الدنيا ولم يقعدها إلا بعد مدة, ورغم استنكار أوروبيين أنفسهم لهذا الفعل, وجد من التونسيين من يقول ان ذلك من حرية ‏الرأي, وما قام به هذا الأوروبي يجوز إذ الإسلام يبيح الاجتهاد وحرية الفكر.‏
‏2- يعمل بعض اليساريين على رفض قانون المواريث الإسلامي بدواعي خلفياتهم التي ترفض الدين الإسلامي, ولكنهم ‏يخفون ذلك بالقول أن ما يقومون به هو اجتهاد.‏
‏3- يعمل بعض اليساريين التونسيين على التنقيب في الأساطير وغريب القصص والأحاديث الضعيفة التي يعتمدون ‏عليها في الطعن في بعض الصحابة, وحينما يواجهون بالصد يجيبون بأنهم يقومون ببحث علمي, مثلهم كمثل طبيب ‏متربص قام بقتل مريض, وحين أوقفوه بجناية القتل, تعلل بأنه يقوم ببحث علمي وبالتالي لا يجوز مسائلته.‏
‏4- لكي يعطي اليساريون انطباعا على أنهم مسلمين, وإمعانا في التظليل, يعمدون إلى وصف أنفسهم بأنهم ورثة رموز ‏من التاريخ الإسلامي, فيكتبون مقالات ويألفون كتبا تتناول إما شخصيات و أحداثا مشبوهة في التاريخ الإسلامي ‏كعناية اليساريين عموما بتاريخ ثورة الزنج والقرامطة, او تناولهم الانتقائي لإنتاجات بعض من كان يلتزم بالمنظومة ‏الإسلامية, ككتاب الطاهر الحداد حول المراة, فيستنتجون من كتابه غريب الإستنتاجات, ويقولوه ما لم يقله, وذلك لكي ‏يوحوا أن اطروحاتهم الغريبة لها جذور إسلامية.

التعليقات والردود

2
فوزي
2007-10-21
الأخ وليد, لعله من ذكرت, ولكننا نفضل ان لا نتناول الأشخاص لعديد الأسباب:‏
‏- أرى ان مشاكلنا في تونس فكرية في أساسها, ولذلك أفضل أن تكون مقاربتنا فكرية, لكي لا نتيه ونخرج عن الموضوع, ‏فمشكلتنا ليست مع الأشخاص, وأنا أتمنى اليوم الذي نرى فيه توبة أصحاب الانحرافات الفكرية, فهم إخوتنا قبل كل شيء ‏ولا نتمنى لهم إلا الخير, ولكننا نصدهم وننصح لهم ماداموا مصرين على الضلالات.‏
‏- أهل الضلالات عموما تحركهم أهواء النفس ومنها حب الظهور والشهرة, التي تكون من عوامل انتفاخهم واعتزازهم ‏بالباطل, ونحن لا نريد ان نساهم في ذلك بذكر أسمائهم.‏
وليد
2007-10-20
هل تقصدعند الحديث عن حادثة الصور الكاريكاتورية ذلك الذي ينعت نفسه بالمفكر عبد المجيد الشرفي قريب اليساري الاخر محمد الشرفي؟

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق