فوزي مسعود - مقالات فكر ورأي

تبرئة المنظومات وإدانة الفرد: خلل الفعل الدعوي المعاصر

2026-11-05 65 قراءة التدين الشكلي فوزي مسعود
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
يواصل العمل الدعوي التعامل مع مسؤولية الفرد عن تقرير أفعاله كما كانت منذ زمن ما قبل الدولة الحديثة، لذلك يدور المجهود الدعوي عموما حول محورية الفرد، ويحمله المسؤولية الوحيدة عن صلاحه وعن انحرافاته، ويفترض أنه الطرف الوحيد الذي يتحكم ويقرر مسار تربية أبنائه

بالمقابل، هذا التصور غير سليم، لأن الدولة الحديثة لم يعد للفرد فيها إلا نسبة صغيرة من المسؤولية عن أفعاله، وإنما الفرد في حقيقته يوجد في مستوى مساحة النتيجة في سلسلة الأسباب

إذ تتحكم في الدولة الحديثة منظومات التشكيل الذهني ومنظومات التأطير القانوني، وقبل ذلك كله المجال المفاهيمي المتفرع من مشروع عقدي يحكم الدولة ويوجه مؤسساتها وخطها العام، اذ كل دولة تدور وجوبا في تصور عقدي أعلى يوجهها

لذلك، يخضع الفرد في الدولة الحديثة، منذ نشأته، لمسارات توجيه متعددة، من تعليم وتثقيف (الفضاء العام) وإعلام وقانون، تنتهي بنزع إمكانية القرار الحر منه، ولا تترك له إلا مساحة صغيرة للتصرف، محددة ابتداء في مستوى سقفها وحدودها

فالفرد لايمكنه أن يربي ابناءه كما يريد، إنما تتم تربيتهم رغما عنه كما تريد منظومة الدولة ومشاريعها العقدية المفروضة في منظومات التعليم والتثقيف والقانون وغيرها من أدوات التحكم
والفرد لايمكنه أن يعيش حياته كما يريد، بل يعيشها كما تريد أجهزة الدولة ومنظوماتها

نتيجة لهذه الحقيقة، فإن الذي يصر على التوقف عند الفرد ويحمله وحده المسؤولية، أو الجزء الأكبر من المسؤولية، عن انحرافاته أو عن تربية أبنائه، هو أولا يقوم بعمل عقيم، لأنه لا يخاطب الموجد الحقيقي للأفعال. فالفرد يتحمل، لا شك، جزءا من المسؤولية، لكنه الجزء الأضعف، لأنه يوجد في مرحلة النتيجة، فهو ذاته ضحية منظومات القصف والتحويل والإخضاع الذهني
ثم إن الاكتفاء بتحميل الفرد المسؤولية معناه تبرئة الطرف الحقيقي المسؤول عن الانحرافات، وهي المنظومات، أي منظومة الدولة الحديثة ومشروعها العقدي

لذلك، فإن المشتغلين بالإسلاميات، إن أرادوا أن يدعوا فعلا ويعينوا الناس على تقوى الله، عليهم أن يكفوا عن الحديث بمحورية الفرد، وأن يعتمدوا بالمقابل الحديث بمحورية المنظومات
معنى ذلك أن يكون حديثهم في اتجاه إعادة النظر في مشروع الدولة الحديثة الذي بني أساسا على التحويل العقدي القسري للتونسيين، وما يستلزمه ذلك من فرض مسارات الانحراف على المجتمع والفرد، وهذا هو بعض مصاديق "المنهج الجذري" الذي أدعو له، اي إعادة النظر في تأسيسات تونس الحديثة

التعليقات والردود

0

حتى الآن لا توجد ردود أو تعليقات على هذا المقال

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق