فوزي مسعود - مقالات فكر ورأي

الطفل الصغير يكبر فيصبح "طفلًا كبيرًا": ضعف قدرات التجريد هو سبب مشكلاتنا

2026-07-24 67 قراءة المفكر التابع فوزي مسعود
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الطفل الصغير يكبر فيصبح "طفلًا كبيرًا": ضعف قدرات التجريد هو سبب مشكلاتنا
يعتقد الكثير من الناس أن العمر ينتج النضج وصوابية الرأي، وهذا تصور غير سليم. وإنما الذي يحصل أن العمر ليس قرينًا لإضافة ذهنية لدى الفرد بالضرورة، لأن التميز الذي يقصده الناس، ويتوهمون أنه بسبب توالي الزمن، هو في الحقيقة بسبب القدرات التجريدية، التي تعد من أهم مؤشرات القدرات الذهنية، أي الذكاء(*)، لذلك يُقال: إذا كان الإنسان أحمق وهو صغير، فإنه عندما يكبر يصبح شيخًا أحمق

وحين تكون قدرات التجريد ضعيفة، فإن الفرد يتحول زمنيا من طفل صغير إلى "طفل كبير"
لذلك نرى هؤلاء الذين نسميهم راشدين، وإن اختلفت أفعالهم من حيث المحتوى والباعث عن أفعال الأطفال، فإنها تشترك معها من حيث أفق التجريد الضعيف

يجب التذكير بأن من دلالات التجريد القدرة على بناء تصورات مستقلة عن عينات الواقع، ومتعالية على ضغطه، ومؤدية إلى مراجعة مسلَّماته. لذلك نرى الأطفال في أول نشأتهم يُعلَّمون بالاعتماد على "الأعواد والأقراص والصلصال"، بسبب ضعف قدرات التجريد لديهم على استيعاب مفاهيم العدد والموجودات عموما، أي المعاني المستقلة عن المحسوسات

لكن ما لا يُتوقف عنده هو حقيقة أن عامة الناس، حتى وإن بلغوا الرشد من حيث العمر، فإن قدرات التجريد لديهم لا تبتعد كثيرًا عن الأطفال، لذلك فإن العمر يحول أحد هؤلاء من طفل صغير إلى "طفل كبير"

---------

الطفل الكبير هو هذا الذي يسمى نخبة أو مثقفا، حين يكتب لمعالجة الواقع، فإنه يستهدف التفاصيل وتفريعاتها، ويغرق في محورية العينة، ويدقق في تفاصيل الأحداث، ويبدع في ذم الأشخاص وتعقب عيوبهم، ويجعلها موضوع تدويناته (ذم الجسد، والكلام، واللباس، والكتابة...)، وقد يكتب بعضهم في الفضائح الشخصية ويروج لها

لذلك ينتشر بين ضعاف التجريد هؤلاء نشاط التحليل الإخباري، وهو فعل ذو أثر خطير، لأنه يعمل على الإلصاق بالواقع وتشتيت الوعي عن إمكانية التملص الذهني منه، إذ التحليل الاخباري يحول الناس إلى تابعين لمنتج الفعل الأولي، أي سادة الواقع، باعتبار أن ذلك الصنف من الكتابة رد فعل ونشاط تابع للفعل الأول

ولأنهم ضعاف قدرات التجريد، فإن هؤلاء لا يدركون أهمية التناول بمحورية المنظومة ومحورية الفكرة، بما يدفعهم إلى إعادة النظر في التصميم الأولي المحرك للواقع وأحداثه، بل لعل بعضهم ان اقترحت عليه أو سمع بهذه المصطلحات، سخر وأعرض وولّى مدبرا

-----------

والطفل الكبير هو الزعيم السياسي الذي يلتزم بما قرره له غيره أفقا للفعل السياسي، ويقبل أن تكون مساحة تحركه وسقفه هما ما وجد عليه غيره ممن سبقه، ويعلن التزامه به منطلقا، يبني فوقه مشروعه السياسي.
وسبب ذلك أنه لا يملك قدرة تجريدية كافية للتعالي التصوري ومساءلة جذور الموجود، أي مساءلة تصميم النموذج الاول لتونس الحديثة، وقوانينها، وكل ما يتفرع عنه

----------

والطفل الكبير هو الناشط السياسي الذي يتخذ زعماءه أربابا من دون الله، فلا يراجعهم ولايحاسبهم ولا يسائل منطلقاتهم. ولأن التجريد لديه ضعيف، وقدرات المساءلة وإعادة النظر منعدمة، فإنه لا يدرك أن نشاطه السياسي إنما هو مسار لتثبيت الواقع وإدامة مشكلاته. والطفل الكبير هذا هو، أخيرًا، من لا يستوعب أن نشاطه السياسي في حقيقته عبث يراوح مكانه في دائرة الفشل منذ عقود، وهذا جزئيا راجع لضعف أو انعدام قدرات التحرر من أسر الواقع والتعالي التصوري عنه اي التجريد

-----------

والطفل الكبير هو ذلك المشتغل بالإنسانيات (أساتذة الجامعات وطلبتهم) الذي يرتزق من إعادة تدوير معارف غربية نال بها شهاداته العليا. وبسبب ضعف التجريد لديه، لا يستوعب أن كل ما يدرسه ليس "العلم" ولا "المعرفة"، وإنما هو مجرد ممكن من ممكنات المعرفة، وأن المعرفة أساسًا حقل معانٍ تابع بالضرورة لتأطير عقدي وفكري سابق، وهي في حالتنا المركزية العقدية الغربية، فهو ببعض المعاني آلة في شكل مدرس دورها الترويج للنموذجية الغربية والإقناع بجدارتها

وهو لا يدرك أن كل ما يدرَّس من معارف إنسانية إنما هو عبارة عن "لقطة شاشة" أُخذت في نقطة زمنية معينة، ثم عُمل على تثبيتها زمنيًا

بعد ذلك يريد لنا هذا الطفل الكبير، الذي يشتغل بالإنسانيات، أن يتوقف الزمن لدينا أيضا لكي يُلزمنا بما ألزم به هو ذهنه. ثم ينتهي به الحال أداة تروج لعلوية المغالب الغربي، ولتثبيت أسس الواقع الفاسد، باعتماد معارف الإنسانيات

-------------

(*) كلما التصق الفرد بالواقع وأحداثه وعيناته، كان ذلك دليلا على ضعف قدرات التجريد لديه، وبالنتيجة ضعف قدراته الذهنية (الذكاء)

وكلما قويت قدرات التجريد، كان ذلك دليلا على تميز ذهني (ذكاء)، ودافعا إلى مساءلة الموجود والتعالي عن تفاصيله

يمكن الاطلاع على رأي الذكاء الاصطناعي (جيميني) حول الموضوع في الصورة المصاحبة

التعليقات والردود

0

حتى الآن لا توجد ردود أو تعليقات على هذا المقال

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق