فوزي مسعود - مقالات فكر ورأي

المرزوقي ومحورية الاستبداد: الاستغراق في التفصيل وتجاهل التأسيس

2026-08-08 16 قراءة المفكر التابع فوزي مسعود
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
كتب المنصف المرزوقي كلاما يرد فيه على من لامه حول لقائه مع زعيمة المعارضة الإيرانية مريم رجوي، وذكروا أن دلالة ذلك اللقاء مع امرأة تمولها أمريكا وإسرائيل، دلالاته وقوف المرزوقي مع الغرب وإسرائيل ومشاريعهم لتغيير خريطة العالم الإسلامي

رد المرزوقي وقال كلاما أعاد فيه ما هو معروف عنه، وهو في ما معناه، أنه ديمقراطي، يقف ضد الاستبداد والدكتاتوريات ويدعم تطلعات الشعوب، وأن ذلك هو محرك الفعل لديه

سأقوم في ما يلي بالبرهنة على فساد التناول المبني على محورية الاستبداد، وبالنتيجة البرهنة على الضعف المنهجي للفعل السياسي والحقوقي الذي يؤمنه عموم الفواعل / النخب التونسيين

-----------

- هناك عائلة تسكن بيتا، ولسبب ما تعاني من مشاكل تظهر لهم تحديدا حينما يطلون من نافذة البيت، لذلك توهموا أن المشكل يوجد في النافذة تحديدا

بعد تدخلات على النافذة، لم تنتهِ مشاكلهم، وتبيّن كل مرة التالي:

- في حالة ما، أن المشكل ليس في النافذة تحديدا، وإنما في طريقة تصميم شبكة التيار الكهربائي، الذي ينقطع كلما تم فتح النافذة
- في حالة أخرى، تبين أن مشكل الروائح الكريهة ليس بسبب النافذة، وإنما بسبب كون البيت أساسا يوجد بقرب مستنقع
- في حالة أخرى، تبين أن المشكل ليس في النافذة، لأن الكلام البذيء ليس لكون النافذة مفتوحة من تلك الجهة، وإنما بسبب الجيران سيئي الأخلاق
- وفي حالة أخرى، تبيّن أن المشكل يوجد في كون البيت أساسا يوجد فوق أرض غير صالحة للسكن، وهي منطقة رخوة تتسرب إليها المياه من النافذة

الذي يختزل البيت في النافذة، ستغيب عنه احتمالات عديدة للمشكل الذي يعانيه ساكن البيت، والذي يختزل المشكل في إحدى تفاصيل البيت، لن يستوعب أنه حتى في حالة سلامة النافذة، فإن هناك تفاصيل أخرى في البيت يمكن أن تطرح مشكلا، كما أنه حتى لو كانت كل تفاصيل البيت سليمة، فإنه لا يمكن السكن بالبيت

وهذا هو الفرق بين التفاصيل التي ينظر فيها للصحة، وبين الوجود الذي يُنظر فيه للصوابية

لذلك، النافذة هي شرط صحة وليست شرط وجود

------------

1 - الاستبداد وصف يلحق واقعا ما، فهو تناول لازِمُه وجود مجال بشري سابق بالضرورة، وهو مصداق الاستبداد

ولما كان أي واقع بشري ينضبط بالضرورة بتأطير عقدي أعلى (1)، ذلك يعني أن الحديث في الاستبداد تناول بَعْدي، لاحق عن تسليم بتأطير عقدي ما قَبْلي موجود، يؤسس الفعل البشري، ومنه العلاقات المنتجة للاستبداد

إذن، الحديث في الاستبداد تناول بَعْدي ينظر في مساحة تفاصيل واقع قَبْلي

ثبت إذن أن الكلام في الاستبداد تحرّك في مساحة تقنية تنفيذية، مع قبول ضمني بتأسيسات الواقع الدائر قَسْرا في أفق النموذجية الغربية

2 - التفاصيل لا يمكنها أن تحيط بكل مساحة الواقع، لأن التفصيل في أقصى ممكناته مجرد فرع من الواقع، بالتوازي مع تفاصيل أخرى، لذلك لا يصح اعتماد إحدى مكونات الواقع (عامل الاستبداد) لتقييم كل الواقع

هذا لا ينفي أهمية التفصيل، أي لا ينفي خطر الاستبداد، لكن الاستبداد باعتباره تفصيلا لا يمكنه، في أقصى ممكناته، أي حتى لو غاب الاستبداد كليا، فإن ذلك ليس شرطا كافيا لتحسن الواقع

سبب ذلك أن التفصيل، مهما كانت أهميته، فإنه شرط صحة وليس شرط وجود

شرط الصحة تقاس قيمته كميا، أي نقول مثلا: استبداد عشرة أو ثلاثين أو ثمانين بالمائة

بالمقابل، شرط الموجود ذو قيمة منطقية، أي ثنائية، فنقول: يجوز أو لا يجوز، ولا نقيسه كميا

-----------

إذن، المشكل منهجي، وهو أنه لا يتم الفصل بين الموجود، أي الواقع في حالتنا، وبين تفاصيله، ثم نتيجة ذلك يتم الخلط بين شروط الوجود وبين شروط الصحة، ومن زاوية أخرى يتم الخلط بين القَبْلي والبَعْدي لانه لايوجد أساسا مفهوم الزمن لدى هؤلاء الذين يكتبون بمحورية الاستبداد

لتجاوز هذا الخلل، سبق أن قدمت قاعدة منهجية في هذه الحالة، وهي أن ما لا يصح وجوده لا تصح تفاصيله

هذا يعني أنه لا فائدة من نقاش تفاصيل نافذة بيت، هو أساسا لا يمكن بناؤه بسبب عدم الحصول على رخصة البناء، مثلا، أو بسبب عدم توفر الأرض أو غيرها من شروط الوجود

بالتوازي، فإنه لا قيمة لنقاش الاستبداد وعدمه، ما دمنا لا ننظر في النموذج الأولي الذي يؤطر واقع تونس الحديثة، وهو المركزية العقدية الغربية المفروضة قسرا على التونسيين

سبب ذلك أن مشاكلنا جذرية، ويمكن، بل الأرجح، أنها تتعلق بشروط الوجود وليس بشروط التفاصيل
اي أن مشاكلنا متفرعة من حقيقة إقتلاعنا وإلحاقنا بالمركزية الغربية، قبل ان تكون مشاكلا متعلقة بالاستبداد، لان الاستبداد اساسا يوجد بفعل تلك المشكلة التأسيسية

وهذا لا يلغي أهمية جزئية الاستبداد بمعنى خطره، مثلما أن بحثنا في شرط إقامة البيت أولا لا يلغي أهمية النافذة

------------

بالمقابل، الاستغراق في بحث تفصيل تقني يدور حول الاستبداد ومتعلقاته، مثل الديمقراطية، دلالته التالي:

- خلل منهجي في آليات تناول الواقع.
- تشويش على إدراك حقيقة الواقع، لأنه يغرق في التفاصيل بالتوازي مع التسليم بالإطار التصميمي الأول للواقع.
- يحوّل الفعل السياسي والتنظيمات السياسية، إلى أداة تثبيت الواقع وتبرير وجوده، ومنه تبرير واقع التبعية للغرب ولفرنسا
وهذه أدوار خطيرة لا يتم إدراكها من المنتسبين للأحزاب ومن طرف أتباع المرزوقي وغير المرزوقي، ممن يكتب بمحورية الاستبداد والديمقراطية

--------

(1) يُنظر لنظرية المركزية العقدية، وهي النظرية الثانية في منهج النمذجة الفكرية:
https://www.myportail.com/al_manhaj_theoretical_architecture.php

أو ينظر:

المركزية العقدية، المفهوم، المعنى، الفعل
https://www.myportail.com/articles-faouzi-messeoud.php?id=12570

التعليقات والردود

0

حتى الآن لا توجد ردود أو تعليقات على هذا المقال

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق