فوزي مسعود - مقالات فكر ورأي

سيارة "ماسك" الطائرة والساعة التي تعمل تحت الماء: لا قيمة للفكرة من دون سياق

2026-10-17 28 قراءة الفرد التابع فوزي مسعود
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
أُعلن عن سيارة لها قدرات الطيران والقفز، ويبدو أن هذا أحدث انبهارا لدى الكثيرين، وربما اعتبر البعض ذلك إنجازا مهما

لما شاهدت خبر هذه السيارة، بدا لي أن التقييم والتعامل مع الإنجاز يشوبهما خلل ما، وأن الناس تتعامل مع الحدث بفعل توجيه ذهني، وأن الأمر لا يستحق كل ما روج له. ولسبب ما، تذكرت ما رأيته منذ سنوات في أحد الأسواق الشعبية بالعاصمة تونس

أذكر أني كنت أرى بائعا يعرض ساعات يدوية، وهو يروج لها بالقول إنها ساعات تعمل حتى عمق كذا وكذا تحت الماء، ولعله قال إنها تعمل تحت الماء بعمق عشرين مترا

وكان الناس، كما يبدو، منبهرين بكفاءة تلك الساعة، ولعل بعضهم اشتراها لذاك الاعتبار. لكنهم، كما يظهر، وقعوا تحت نوع من التوجيه الذهني، فعجزوا عن طرح سؤال بسيط: هل عمل الساعة تحت عمق 20 مترا أمر يهم الفرد العادي، ما الذي يعنيك من ساعة في معصمك إن كانت تعمل تحت 20 مترا أو متر واحدا، لأنك أنت أساسا لست صياد أعماق أو منقبا عن المرجان مثلا، لكي تتوقف عند ذلك

إذن، نحن إزاء توظيف كفاءة تقنية في غير مجالها، ومن دون حاجة إليها، ويتم تضخيم كفاءة في جانب ما للإيهام بأنها عابرة للسياق، وهذا ما حصل مع "السيارة الطائرة"

إذ ماذا يهم صاحب سيارة إن كانت سيارته ستقفز أو تطير
إذ السيارة، في مهامها التي وُجدت لها، ليس مطلوبا منها القفز ولا الطيران. ولعل هذه الخصائص المعلن عنها تهم فئة قليلة من منتجي الأفلام مثلا أو ما شابه ذلك، لكنها بالتأكيد ليست كفاءات تعني عامة الناس فلماذا إذن يُروّج لذلك

ما يحصل هو عمل دعائي ينبني على مغالطات ذهنية تعمل بالطريقة نفسها التي نفذها بائع الساعات في الأسواق الشعبية، وهي توظيف نجاح في مستوى معين ويخص فئة معينة، للإيهام بأنه نجاح يخص كل الناس

-----------

ولو قمنا بالتجريد بغرض استنتاج نموذج فكري، يمكن القول إن أي فكرة صحيحة في ذاتها، وبرهان ذلك أن أقل الصحة هو صوابية (*) وجودها، إذ ما دامت موجودة فهي إيجاب، وهو نقض للعدم

ينتج عن ذلك أنه لا يصح التقييم في مستويات الواقع إلا نسبة إلى تأطير واضح متفق عليه، يجب التذكير به كل مرة، عوضا عن البناء على الفرضيات المتضمنة. إذ ما يصح من زاوية نظر لا يصح بالضرورة باعتماد غيرها

ثم إن عدم استدعاء التأطير الأولي، إضافة إلى أنه يوضح مدى صوابية فكرة ما، فإن له فائدة أخرى، وهي أنه يوضح مستويات الفكرة ويجنب المغالطات

لذلك، قد نجد أحدهم يتحدث عن محرك السيارة ويعتبره أهم قطعة، وآخر يتحدث عن المقود ويعتبره أهم قطعة في السيارة، ويحاجج كل منهما بأن السيارة لن تعمل من دون تلك القطعة

وفي غياب تأطير أعلى، لن يقتنع هؤلاء بأن كلام كل منهما لا قيمة له إلا بوجود السيارة أولا، وأن عليهم العمل على إيجاد السيارة أولا

وهذا هو ما يحصل مع الذين يختزلون الإسلام في الصلاة أو في الأخلاق أو في الجهاد او غيرها، ويقدمون الدروس والندوات ويكتبون الكتب في ذلك، وكل منهم يحاجج بآيات وأحاديث تؤكد أن ذلك الموضوع هام بنظر الإسلام، وهي فعلا مواضيع هامة، لكن ذلك جزء من الحقيقة فقط

لان هؤلاء، بتناولهم التجزيئي وفسادهم المنهجي، لا يدركون أن لا قيمة للصلاة ولا للجهاد ولا لأي مستوى آخر إذا لم تكن السيارة أساسا موجودة، أي ما لم يكن الإسلام كمركزية عقدية، أي منظومة ضبط شاملة، موجودا، وإلا تحولت كل الأنشطة إلى فعل ثقافي

لذلك، يتحول العمل الدعوي المتوجه للفرد إلى عمل دوره تثبيت واقع استبعاد السيارة، أي استبعاد إسلام العقيدة، أي الإسلام بوصفه مركزية عقدية، والتبرير الضمني لتحكم المركزية الغربية في مجالنا المفاهيمي ومجتمعاتنا، كما هو حاصل الان ومنذ عقود

وسبب ذلك أنه عمل مبني على فساد منهجي، يقول بالتناول بمحورية الفرد والعينة عموما، أي تحميل الفرد مسؤولية صلاحه وفساده، عوض التعامل بمحورية المنظومات، وإدراك حقيقة أن الواقع الحديث تحكمه منظومات ضبط، دورها التحكم في الأفراد واخضاعه ذهنيا، وأنه لا يمكن مواجهة ذلك إلا بنظر جذري يحرر المجال المفاهيمي المغذي لتلك المنظومات، ويحول محوريته من الدوران في أفق المركزية الغربية، كما هو حاصل حاليا، إلى الدوران في أفق المركزية الإسلامية


(*) لمن أراد التعمق، الصوابية هي محور القانون الثالث من منهج النمذجة الفكرية "منهج"
https://www.myportail.com/al_manhaj_theoretical_architecture.php

التعليقات والردود

0

حتى الآن لا توجد ردود أو تعليقات على هذا المقال

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق