بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

في المسألة الحضارية .. النموذج والمسار

2008-01-12 10777 قراءة مختلفات عبد الله البريدي
في المسألة الحضارية .. النموذج والمسار
ينبع الاهتمام بالمسألة الحضارية من قناعة مترسّخة بأنها السبيل الأرشد لرقي الأمم ونهضتها, ومن أنها زاوية فريدة تتيح ‏لعقلنا الفردي والجمعي أن يفكر ويدير ويقيّم ويطوّر ويستشرف الآفاق بمقاييس حضارية وبمنظور شمولي يجنّبنا الانبثاقات ‏التجزيئية السطحية والرؤى التفكيكية الضيقة, ليتجاوز بنا نحو الأصوب الأعمق إزاء القضايا والأحداث الكبار التي تشكّل ‏منعطفات خطيرة على المستوى الحضاري.‏

لا يمازجنا شك في أهميتها وخطورتها, غير أنها مسألة معقدة تنطوي على كثير من الإشكاليات والجدليات, ويكتنفها ألغاز ‏فلسفية حيّرت العلماء والفلاسفة والمفكرين والمثقفين, فتباحثوا وتناظروا وتفلسفوا وتخاصموا حيال مفرداتها. ولم تسهم ‏طروحات أولئك بإثراء أدبياتها وإنضاجها فحسب, بل أدت إلى تشعبها وتضخمها وتعقدها, وتناقضت لا في تفاصيلها بل ‏حتى في أطرها وخطوطها العريضة لتَضاد منطلقات أولئك وتلوّن أهدافهم بأطياف الأيدلوجيات والفلسفات الفكرية المتباينة.‏
وتعد قضية النهوض والسقوط الحضاريين محور مسألتنا هذه وجوهرها, فكافة الأبحاث تدور في فلكها وتنساب في ‏حوضها؛ حتى تلك الأبحاث التي تبدو لنا في الوهلة الأولى على أنها بعيدة عن تلك القضية ما تلبث أن تعود بنظرة فلسفية ‏متعمقة إلى الدوران في ذلك الفلك والانسياب في ذلك الحوض. ‏
ولذا فقد جهدت تلك الطروح إلى تحديد آلية النهوض والسقوط الحضاريين في إطار بحثي اتسعت دائرته فشملت كافة ‏العوامل المؤثرة والمتأئرة بتلك القضية مع محاولة تفسير الظواهر المصاحبة للحدث الحضاري, ولذا فيمكننا تقرير أن هذه ‏المسألة تمحورت حول قضيتين كبيرتين هما : المسار الحضاري والمشروع الحضاري.‏


المسار الحضاري : تقلب الأمم حضارياً

تنتظم أدبيات الحضارة أفكاراً متعددة ورؤى متباينة ونظريات فلسفية متعارضة حول آلية النهوض والسقوط الحضاريين, ‏ليس ذلك فحسب بل نجد اختلافاً جلياً في المنطلقات البحثية , فنرى بعضها اتكأت مثلاً على الدولة كوحدة للدراسة كما عند ‏ابن خلدون (1332-1406م), في حين ذهب بعضها إلى اعتماد الحضارة وحدة للدراسة كما عند شبنجلر (1856-1936م), ‏وتوينبي (1889-1975م) مع بعض الاختلاف بينهما. وغير ذلك من الاختلافات التي لا نرمي إلى استيعابها في هذا ‏السياق, وإنما للتأكيد على ضخامة الفجوة بين تلك النظريات والأفكار, والتي يطبعها المركّب الحضاري بخاصية شديدة ‏التفرد للتباين الديني والأيدلوجي لتزداد تلك الفجوة هوة واتساعاً. خاصة إذا ما كنا بازاء دين كالإسلام, فهو نسيج وحده؛ ‏مكتسٍ بطابع روحي - عقلاني في توازن مبهر, وبنزعة ديناميكية مدهشة تحقق له تجدداً في ثبات وترسّخاً في عمق, ‏وانتشاراً في توغل. ‏

وقد يكون بدهياً بعد ذلك كله أن يتملكنا استغراب من إهمال البعض لتأثير ذلك المركّب على المسألة الحضارية , فتراهم ‏يجهدون من أجل صوغها بكامل مفرداتها وتفاصيلها في ضوء ما يسمونه بالبعد الحضاري الإنساني متجاهلين البعد الديني ‏والأيدلوجي للحضارات المختلفة. وهذا لا ينفي البتة وجود قدر مشترك فيما بينها في بعض تفصيلاتها خاصة تلك التي ‏تتصل بالطبيعة الإنسانية الصرفة, وألمح إلى أن ذلك القدر المشترك قليل لتأثير البرمجة الأيدلوجية لا سيما على البعدين ‏العقلي والأخلاقي وبسرعة مذهلة, فالأيدلوجية تنقّض على الطفل لتطعمه, وتحادثه, وتلبسه زيّاً مزركشاً بألوانها, ثم لا تكاد ‏تفلته إلا بعد أن يَغطّ في نوم عميق في أحضانها, فإذا هب مستيقظاً أسرجت عينيه بنظّارة ملونة وباركت عمله ومسعاه !!!‏
ومن هنا تجيء أهمية بلورة أبحاث جادة في المسألة الحضارية تنبثق من الرحم الكبير لمركّبنا الحضاري الإسلامي الذي ‏ينتظم المفردات العقدية والقيمية والأخلاقية والفكرية والتاريخية مع خليط ناضج من الأفكار والفلسفات المستقاة من مركب ‏الحضارات الأخرى ..... ذلك المركّب الذي يترسب في العقل الإسلامي عبر دوائر التعليم والتربية والاحتكاك والتفاعلات ‏البحثية والتأملات الفلسفية ... إنني أتساءل هاهنا عن سر تقاعسنا عن تلك البلورة... مع مبادرة بالاعتراف بأن ثمة طروحاً ‏حضارية تتفاوت عمقاً وأصالة ونضجاً, اسهم بها بعض علمائنا ومفكرينا ومثقفينا, غير أن بعضها مفتقر للشمولية ‏والتراكمية والإرتباطية مما أضعفها نظرياً وسطّحها فلسفياً وسلبها من ثم أي مضمون تطبيقي واقعي.‏
وقبل الاسترسال في ثنايا الموضوع لابد من توضيح بعض المنطلقات المنهجية في هذا البحث عبر المفردات التالية :‏
أي شيء تعنيه الحضارة :‏
من المتحتم منهجياً البدء بتعريف الحضارة إذ أنها نقطة إرتكازية في هذا البحث, ولكن نظراً للإشكالية التي تحوط التعريف, ‏فإنني اعرج على ثلاثة تعاريف: ‏
يعرف ابن خلدون الحضارة بأنها: "أحوال عادية زائدة على الضروري من أحوال العمران زيادة تتفاوت بتفاوت الرفه ‏وتفاوت الأمم في القلة والكثرة تفاوتاً غير منحصر"(1) .‏
ويعرفها ول ديورانت بأنها : "نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي"(2) .‏
في حين ذهب مالك بن نبي إلى أنها : "جملة العوامل المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفر لكل فرد من أعضائه ‏جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتقدمه"(3) .‏
وثمة تعريفات أخرى كثيرة , غير أنها لم تسلم كلها من الانتقادات, وإنني لأعد قضية التعريف تلك إشكالية حضارية ‏معقدة, , وليس هذا مجال البسط , وبازاء التعريفات السابقة يكفي أن أشير هاهنا إلى عموميتهما وعدم اصطباغهما بالمعنى ‏الشمولي الذي يفي بركائز التحضر في الفكر الإسلامي . وهذا ما دفعني إلى تقديم تعريف مقترح - يصلح على الأقل لأن ‏يكون منطلقاً لهذا البحث- , إن الحضارة في نظري : ‏
‏"نهج حياتي متكامل يؤسس مجتمعاً إنسانياً مدنياً سعيداً في إطار ثقافي".‏
وهذا التعريف - المضغوط - يحتاج إلى تفكيك وبيان ليس هذا مقامه, ولكنني أشير إلى نقطة واحدة بشأنه, وهي أنني أريد ‏بمصطلح الثقافة المستخدم في التعريف معناه الشمولي الذي ينتظم المفردات الدينية والقيمية والفكرية والاجتماعية بما ‏يتضمنه ذلك من أساليب التفكير والإدارة والحياة. ولإظهار مفاصل ذلك التعريف وأركانه بشكل واضح ومختصر, أعرض ‏مكونات الحضارة عبر ما اسميه بـ "الخلطة الحضارية"(4) :‏


الخلطة الحضارية

ويقوم هذا البحث على اعتبار أن الأمة ذات الإرث الديني الواحد هي الوحدة المنهجية للدراسات الحضارية.‏
وأقصد بالمسار الحضاري المراحل التي تتقلب فيها الأمة في درب الحضارة في سبيل قاصد صوب القمة في دائرة منسجمة ‏مع مركبها الحضاري.‏
إذاً هذا المسار من شأنه تحديد المنعطفات التي تنساب حركة الأمة عبرها بدءاً من القاع أو اللاحضارة إلى تلك القمة. إن ‏هذا المسار يكشف للحركات الإصلاحية ومن ثم للأمة أي فضاء من أرض الحضارة تقف عليه, ليكون ذلك الكشف منطلقاً ‏ضرورياً - منطقاً وواقعاً - لاستئناف السير أو مواصلته في ذلك المسار بالاستعانة بالبوصلة الحضارية , ولكن أي شيء ‏تغنيه تلك البوصلة إن كانت الأمة تائهة في درب بل دروب الحضارة !!‏
ولقد خلصت إلى نمذجة ذلك المسار فلسفياً في إطار ما افهم انه يشكّل مركبنا الحضاري, وذلك بعرضه عبر نموذج يجهد ‏لأن يكون ذا صبغة تفسيرية تنبؤية, يفسر الحدث الحضاري الماضي ويتنبأ بالآخر المستقبلي. ‏


فقه الإقلاع الحضاري :‏

تنقدح شرارة الإقلاع الحضاري للأمة من جراء عاملين اثنين يسبق أولهما ثانيهما في الأغلب : ‏
إشراق فكرة مبهرة ذات صبغة دينية عبر مصلح ديني, في مناخ ثقافي مناهض للفكرة, مما يعيّش ذلك المصلح وأتباعه ‏واقعاً معضلاً , ويولّد شعوراً عميقاً لديهم بالتحدي. وهذه الإشراقة ُتحدث انقلاباً داخلياً في النفوس يفي بشروط "إن الله لا ‏يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". وتتمحور الجهود الإصلاحية العملية في تلك المرحلة حول الجانب الروحي - ‏العقدي.‏
ويترتب على نبوغ الفكرة المبهرة مقاومة الحضارات الأخرى والقوى المناهضة لسبب أو لآخر لهذه الفكرة فتشتعل روح ‏العداوة والبغضاء فيما بين الأمة الآخذة بالتقدم الحضاري وفرقائها, فيتمخض عن ذلك تحدٍ يسفر عن مدافعة الأمة لفرقائها ‏أو ما يمكن تسميته بـ "روح الجماعة" (النموذج جرى على الأغلب ولذا فقد رتّب كلاً من الاستعداء والواقع المعضل على ‏الفكرة المبهرة فليُتفطن لذلك). ‏
لدينا الآن تحديان, الواقع المعضل والاستعداء, يقودان - بجانب ما تفرزه الشرارة من شعور- إلى استجابة (وفقاً لنظرية ‏التحدي والاستجابة لتوينبي) تتمثل بما أسميه بـ : "اهتزاز الكينونة الحضارية". ‏
ولنا هنا أن نتساءل عن سر هذه الكينونة وعن اهتزازها؛ هل هي اهتزازة فردية أم جمعية, وما تخلفه من آثار ؟ ‏
الكينونة الحضارية في رأيي هي الوعاء الذي يختزن ذلك المركب الحضاري المعقد الذي ينتظم المفردات العقدية والقيمية ‏والأخلاقية والفكرية والتاريخية مع خليط ناضج من الأفكار والفلسفات المستقاة من مركب الحضارات الأخرى. انه بعبارة ‏أخرى "اللاشعور الحضاري" .‏

وهذه الاهتزازة تحدث من جراء ما يفرزه هذان التحديان وما تشعه تلك الشرارة مما يمكننا تشبيه بالتموجات التي تحرك ‏البندول ...إذاً تموجات حضارية تهز الكينونة الحضارية لا لآحاد الناس وإنما للنخبة الناضجة المؤثرة؛ لينتقل ذلك المركب ‏بتلك الاهتزازة من حيز اللاشعور إلى الشعور الحضاري في لحظة زمنية تؤذن بحدوث اليقظة. وتتسع دائرة اهتزازة ‏الكينونة بمرور الوقت لتشمل أفواجاً من الناس بحسب درجة نضجهم وعمقهم من جهة , ودرجة حماس وفاعلية النخبة في ‏هز كينونات الجماهير عبر طرح ناضج ملائم من جهة أخرى.‏
تأخذ يقظة حضارية بالتشكّل بفعل تلك الاهتزازة العجيبة, وتعد المراحل السابقة إرهاصاً لظهور :‏
قادة إصلاحيين ينشطون للعمل في ضوء مركبهم الحضاري القابع في شعورهم (وليس في لا شعورهم). ويغلب على هولاء ‏النهج الإصلاحي مع قدرة فائقة على القيادة الفكرية, وبذلك ينتزعون اعترافاً واسعاً من قبل الجماهير بريادتهم الفكرية ‏وقدراتهم القيادية.‏

إرادة نافذة وهمة عالية مخلصة من اجل إحداث التغيير المنشود بعد التعرف على مواطن الداء ومكامن الوهن, فيشرع ‏أولئك القادة في محاولاتهم الإصلاحية التي تتعدى الجانب الروحي - العقدي عبر قوالب متعددة, إلا أن أولئك القادة مع ذلك ‏يفتقدون في بكور اليقظة إلى الشمولية - تنظيراً أو تطبيقاً - , وبذلك نراهم يركزون جهودهم على بعض الجوانب الحضارية ‏دون غيرها. تستمر هذه الإصلاحات فترة من الزمن وتتكامل وتنضج فكرياً بمرور الوقت, كما يتبلور في هذه المرحلة ‏طريقة تتسم بقدر كبير من النضج للتعامل مع الحضارات القائمة والإفادة منها من خلال آليات متنوعة, فتتضح معالم ‏الشخصية الحضارية للأمة ويتعاظم الالتزام بها... ‏

وفي هذه المرحلة تتراكم أكداس من الأفكار غير أنها لا تستثمر بصورة كبيرة, لأن هذه المرحلة من طبيعتها أنها تختزن ‏‏"طاقة وضع" تتشكّل بعد فترة "كطاقة حركة"(5) ... وهذه المحصلة أو النتيجة ُتدرك بداهة ... كطفل يلتهم سماعاً بأذنه ‏كلمات لا تعدو أن تكون رموزاً وإشارات مبهمة, لتتحدر إلى عقله فيهضمها بعد أن تغمرها الخبرة المتراكمة بأنزيماتها, ‏لتستحيل بعدُ إلى كلمات ومصطلحات ذات مغزى تبعث عقله على تفكير منتج يثمر سلوكاً محدداً... ومن رام وصول الأمة ‏إلى طاقة الحركة دون المرور بطاقة الوضع فهو كمن رام طفلاً رضيعاً مكلماً للناس في مهده !!‏
تتخمر تلك المحاولات الإصلاحية لتثمر عن تولد قناعة ببلورة مشروع حضاري متكامل ويكون مصحوباً ببروز نوع من ‏الإصلاحيين يمتازون بالنزعة الإبداعية اكثر من النزعة القيادية الفكرية, وهم غالباً اكثر عدداً من سابقيهم (القادة ‏الإصلاحيين) وأقل منهم ظفراً باعتراف الجماهير بقيادتهم الفكرية. ويأخذ الإصلاحيون المبدعون على عاتقهم إكمال ‏المسيرة الإصلاحية ولكنهم في هذه المرحلة يتبنون بلورة مشروع حضاري في إطارهم الثقافي؛ ليكون بمثابة الخطة ‏الحضارية الاستراتيجية التي يؤمنون بأنها سبيلهم القاصد صوب إقامة صرحهم الحضاري المنشود. ‏
يتمكن الإصلاحيون المبدعون من إنضاج مشروعهم الحضاري , ويشرعون بخطوات تطبيقية تزداد مع الوقت كماً وتنضج ‏كيفاً , مع استغراقه وقتاً طويلاً بلورة وتنفيذاً.‏

وإبان مرحلتي اليقظة والمشروع, وخصوصاً المشروع, تزداد جذوة الصراع بين الأمة وفرقائها, ليصل لهيبها إلى كافة ‏الميادين, بسبب تنامي شعور الآخر بأن ثمة من جعل يتطلع إلى نهوض وتمدد على بساطه, لتتحقق بذلك جزماً نبوءة السنة ‏الإلهية في "التدافع والتداول الحضاريين" التي تفضح كذب نبوءة "نهاية التاريخ" وتبين تفاهتها, قال الله تعالى {قَدْ خلَتْ مِن ‏قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (138) ولا ‏تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ‏النَّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا ويَتَّخذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}.[آل عمران]‏
لتصل الأمة بعد ذلك المشوار المضني إلى نهاية المسار الحضاري الذي تقيم على ضفافه صرحها الحضاري لتؤسس بذلك ‏مجتمعاً إنسانياً مدنياً متماسكاً سعيداً منتجاً في إطار من عقيدتها وقيمها وأخلاقها, ولتنعم البشرية كافة بذلك.‏
وهنا لابد لي من الإشارة إلى أن الأمة قد تتعثر في مسارها في مرحلتي اليقظة والمشروع بشكل يعجزها عن المواصلة, ‏فتحدث انتكاسة حضارية تعيدها إلى الوراء لتصاب بعد ُبوهنٍ تختلف حدته بحسب قوة الفيروسات الحضارية وسرعة ‏نفاذها وتغلغلها في جسدها, وهذا يؤكد على الدور الخطير الذي يلعبه قادة العلم والفكر في تطبيب الأمة حضارياً بالوقاية ‏تارة وبالعلاج تارة أخرى والذي يتطلب جزماً إنزال مبضع الجراحة على الأورام الحضارية في عمليات جريئة قد تكلف ‏الطبيب كثيراً كثيراً... لتعاود الأمة سيرها بعد أن تلتقط أنفاسها وتتعافى من وعكتها... ‏

وما دام الحديث ظل شاداً لأنظارنا صوب سيرورة الأمة من القاع إلى القمة في ثنايا المسار الحضاري, فلا بأس حينئذ ‏بالتفاته عجلى نلقي خلالها شيئاً من الضوء على السيرورة المعاكسة؛ سيرورة الأمة صوب القاع بعد أن تبلغ القمة... بإيماءة ‏خاطفة أقول بأن المشروع الحضاري يجسّد في حقيقته الماء والسماد والهواء التي تتضافر لإنبات بذرة الحضارة فتأخذ ‏بالنمو تورّقاً وظَلالَة وثموراًً ... وتبقى الشجرة طيبةً مثمرة ما بقيت عوامل نموها, ولعلني هنا ألمح إلى أن مادة لحائها هو ‏أول ما تفقده هذه الشجرة والمتمثل بالبعد العقدي والأخلاقي, لتتيبّس شجرة الحضارة وتتخشّب من ثم - كما يقول شبنجلر في ‏تعبير رائع - على المدنية ... تتحول فيها الأمة إلى عمال في مصنع كبير... يهرولون, يلهثون, يأكلون في جو مفعم باللهو ‏والشهوات والبؤس والشقاء ... ثم ما تلبث أن تهوي حطاماً تذروه رياح التغيير وتختزنه - وربما تبتلعه - ذاكرة التاريخ !!! ‏
وحيث أن الأمة في نظري قد حطت رحالها منذ فترة في رحاب اليقظة الحضارية وما تزال تمد رواقها في تلك الرحاب, ‏فإننا ننتظر أن تلملم نفسها وتجمع متاعها عبر عملية شاقة طويلة لتغذي السير صوب بلورة مشروعها الحضاري... تلك ‏المرحلة المضنية التي تستغرق وقتاً طويلاً وتستلزم جهداً مخلصاً متواصلاً وإبداعاً خلاقاً... ‏
المشروع الحضاري : ‏
خطة لأمة آخذة بالتحضر عقب استيعابنا الناضج لموقع الأمة الإسلامية الراهن في المسار الحضاري بمتغيراته الفكرية ‏والاجتماعية والسياسية والاقتصادية, يمكننا الولوج في مناقشة أقصد السبل لبلورة مفردات مشروعنا الحضاري ومن ثم ‏تنفيذه. اجزم أننا لا نطيق إلى ذلك سبيلاً إلا بعد أن نسعى عبر تفاعلاتنا البحثية الصادقة وتأملاتنا الفلسفية الناضجة لإحداث ‏حفريات فلسفية متعمقة في بنية المسألة الحضارية, مستكشفين ماهية الحضارة ومكوناتها, متلمسين سنن التغيير الحضاري ‏وشروطه ومقوماته ومعوقاته, على أن تتم هذه الحفريات بمعاولنا نحن لا بمعاول غيرنا وفي محيط فكرنا الإسلامي ‏الرحيب؛ لنكون قادرين حينذاك على جلب لبنات صالحة وكافية لتشييد صرحنا الحضاري الراشد. ‏
والمشروع الحضاري ببساطة ووضوح يجسد خطة حضارية واقعية - في سياق المسار الحضاري - تنتظم أهدافاً محددة ‏مربوطة بوسائل تحقيقها في ضوء معطيات الواقع ومؤشرات المستقبل تمهيداً لاستغلال الطاقات المتاحة وتجاوز المعوقات ‏الحضارية. ومثل هذا المشروع الضخم لا يمكن أن تنهض به اجتهادات فردية بل لا بد من جهد جماعي تكاملي ناضج ‏ليتشكّل لبنة لبنة ليشمخ البناء وتطيب الثمرة. ‏

وبات جليا مما سبق أنه يتعين انبثاق ذلك المشروع من مركّبنا الحضاري, مع تفعيل الأدوات العصرية واستيعاب كافة ‏المتغيرات. وهي مسألة يكاد يُجمع عليها, غير أن مسألة أخرى متعلقة بذلك المشروع هي أخطر من سابقتها وأكثر إلحاحاً ‏في المرحلة الحضارية الحرجة التي تمر عبرها أمتنا, وهذه المسألة يتعذر الزعم بانعقاد الإجماع عليها في الحاضر, بل قد ‏يصعب نيله في المستقبل القريب, وهي مسألة كيفية مناقشة وإنضاج المشروع بأدوات منهجية تحليلية نقدية ؛ بحيث ‏تتمخض عن بلورة ناضجة لمفردات ذلك المشروع ؛ بلورة تأخذ طريقها نحو التنفيذ والتحقق وجني الثمار. ‏
ولهذا فقد آن لنا مجافاة الخطابية العاطفية والإنشائية الفارغة في تناولنا لمشروعنا الحضاري, لنصل إلى تبني آلية تتسم بقدر ‏كبير من العمق والنضج مع تلبسها بمضمون واقعي وتدثرها بديباجة يمكن ترجمتها إلى لغة نخبوية وأخرى جماهيرية. ‏وإثر سلسلة من التأمل الطويل لهذه المسألة وبعد مدارسة الإسهامات المتنوعة خلصت إلى أن من أفضل السبل لبلورة ذلك ‏المشروع تبنى ما يسميه البعض بــ "الأفكار المحورية" التي تنتظم مجموعة كبيرة من الأفكار الجزئية, ليصبح الإيمان ‏بالفكرة المحورية سبيلاً إلى الإيمان بتلك المجموعة. وهذه الأفكار المحورية يجب أن تتصف بالشمول والتكامل كيما تكون ‏صالحة بمجموعها لتمثيل المشروع الحضاري الذي يمثل بدوره الإسلام عقيدة وشريعة وفلسفة إزاء الكون والحياة ‏والإنسان... ولذا فمثل هذه البلورة مهمة شاقة عسيرة, غير أنني في هذا البحث المتواضع أزمعت المضي قدماً ُبغية الإسهام ‏في اقتحام هذا السبيل المحفوف بالصعوبة والغموض ...‏

وقبيل الشروع في تناول الأفكار المحورية التي اعتقد أنها تفي بمتطلبات بلورة المشروع الحضاري, ألمح في ُعجالة إلى أنه ‏لا يكفي بلورة الأفكار المحورية نظرياً, بل يتوجب إذابتها لا في بوتقة العمل الإصلاحي الحضاري فحسب, بل يتعين ‏انسيابها من الإصلاحيين أنفسهم؛ من حركاتهم وسكناتهم , في رخائهم وشدتهم, وأن ُتترجم في أهدافهم وبرامجهم, بيوتهم ‏وأعمالهم, وفي أفعالهم قبل أقوالهم , لتستحيل تلك القضايا والأفكار إلى أكسجين منبعث في فضاء الإصلاح يتنفسه كل ‏أحد ... يتنفسه الرائح والغادي ..القريب والبعيد..الصديق والمعادي ...أي أننا نطالب بأن يكون المشروع الحضاري روحاً ‏ينفخ الإصلاحيون فيه الحياة بتمثلهم مفرداته, وسعيهم من أجل نشره وتنفيذه بكل إخلاص وإبداع وإتقان... ‏
ومن أهم الأفكار المحورية التي تسهم في بلورة ذلك المشروع ما يلي:‏

التوحيد الخالص العملي : أساس الحضارة .‏
الإسلام : دين وتشريع وحياة.‏
ليكون القرآن هادياً: فهم ومعايشة وتطبيق.‏
انبثاق من الكتاب والسنة : توحد في المنطلقات. ‏
فعاليتنا الروحية : وقودنا للتغيير.‏
تحسين طرائق التفكير : مفتاح التغيير الحضاري الفكري.‏
‏"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم": مفتاح التغيير الحضاري العملي.‏
إرادة التغيير (إن إبراهيم كان أمة) : رجل بأمة.‏
العلم : بمجالاته وترا كميته وترابطه.‏
تكريم الإنسان : معيار تفوق الحضارة.‏
تنمية الإنسان أولاً : مؤشر لفقه الأولويات الحضارية. ‏
العدالة : ركيزة البناء الحضاري.‏
الموضوعية : البحث عن الحقيقة.‏
الحرية : في إطار منضبط.‏
النقد : عملية بنائية.‏
الإبداع : مقومات وبيئة. ‏
نهج إداري فاعل : إنجاز التميز وتميز الإنجاز. ‏
الوقت : فضاء الإنجاز والعطاء.‏
الفاعلية والإتقان: قيم العمل المنتج.‏
نمارس كافة أعمالنا لنكتفي بذواتنا : العمل شرف وإنتاج .‏
الأخلاق والذوق الجمالي: الأناقة الحضارية.‏
الإسلام : دين وجنسية.‏
الانفتاح والاستيعاب والإفادة من الآخر : في دائرة الخصوصية.‏
الرجل والمرأة : حلقتان متكاملتان وعاملان منتجان. ‏
الجماعة قبل الفرد : نحن أولاً.‏

وجلي أن كل فكرة محورية مما سبق تفتقر إلى دراسات تفصيلية متعمقة وفق منهجية محكمة تستهدف سبك تلك الأفكار في ‏إطار يوفّق بينها وُيفلح في تغذية وتقوية بعضها ببعض, وشد لبناتها إلى بعض لتطيب جنى المشروع الحضاري ويفوح ‏عبيره. وإني على أمل لا يخالطه شك ولا يشوبه يأس بتحقق ذلك فيما نستقبل من الأيام. ‏
مشروعنا الحضاري : دواعي البلورة
بإيجاز أشير هاهنا إلى أهم الأسباب أو الإيجابيات التي قادتني إلى الاقتناع بضرورة بلورة ذلك المشروع عبر الأفكار ‏المحورية :‏

أن بناء المشروع على هذه الصفة يتيح لنا التفكير بمنظور شمولي كلي إزاء القضايا الكلية التي يتعين علينا الاهتمام بها ‏والوفاء بمتطلباتها من أجل إقامة الصرح المنشود, هذا اللون من التفكير "الحضاري" يتكئ على ذاكرة قوية أمينة, مستوعبة ‏لتلك القضايا مما يجنّبّنا ألواناً من الذهول أو التخبط في مسيرتنا الحضارية ... كما أن هذا التفكير يعرج بنا إلى فضاءات ‏التحليل المتعمق لنتجاوز النظرات التجزيئية الضيقة, إننا بهذا الاستيعاب الناضح لتلك القضايا لا نعجز عن ممارسة واعية ‏نفرق فيها بين قولنا :"لا" بالمنظار التجزيئي وقولنا : "نعم" بالمنظار الحضاري (أو العكس) تجاه قضية أو أخرى ... ولذا ‏فلا نجد غضاضة من أن تضيق صدورنا وتغتم قلوبنا لموضوع ما بالنظرة التجزيئية القريبة, في وقت نجد أنفسنا جذالى ‏بنظرة حضارية بعيدة ... لا أجد افضل مما يسمى بالعولمة مثالاً على ما أقول ... فالعولمة بنظرة تجزيئية قد تبدو لأحدنا ‏على أنها شر كثير مخلوط بخير قليل, وأن عواقبها سيئة إجمالاً ... وهذا صواب غير أنني اجزم بأن العولمة بنظرة بعيدة ‏خير وفير للأمم المستضعفة قاطبة... إن العولمة في رأيي حماقة حضارية كبرى ارتكبتها الأمة المسيطرة لتفرز استفزازاً ‏حضارياً إيجابياً للأمم المستضعفة؛ لتعمل من ثم على دفع تروسها وتعجيل حركة دواليبها في خضم مسيرتها... ‏
ومن يملك الوقود حينذاك يقدر على المضي قدماً صوب القمة... كما أن العولمة من جهة ثانية ترسخ بعض المفاهيم ‏الحضارية في جماهيرنا السادرة ... كالحرية مثلاً والتي تعد مطلباً ريئساً لبناء حضارتنا, فالجماهير التي تربّت على ‏الاستخذاء والخضوع للطغيان الدكتاتوري أو الكبت الفكري لا يمكن لها البتة أن تفكر بالنهوض فضلاً عن النهوض ... نعم ‏هي متفلتة تلك الحرية التي تغرسها العولمة ولكن ضبطها ايسر بكثير من غرسها ...(6) .‏
ينضاف إلى ما سبق أننا بهذه البلورة نكون قادرين على التفكير في كيفية تحقيق وترسيخ وتطبيق الأفكار المحورية عن ‏طريق التخصص عبر الأشخاص والبرامج ... فكل منا يتخصص في فكرة محورية أو أكثر , وتستهدف برامجنا العملية ‏فكرة محورية أو أكثر وهكذا ... وبذا نضمن الإتيان عليها جميعاً ... ‏



مشروعنا الحضاري: متطلبات التنفيذ ‏

ولتنفيذ مشروعنا الحضاري في ضوء ما سبق من القضايا والأفكار المحورية, يتعين في نظري مدارستها بغية إنضاجها ‏وتحديد سبل إذابتها في العمل الإصلاحي وترسيخها والوفاء بمتطلباتها. ومن اجل الاختصار فإنني أشير هاهنا إلى أهم ‏متطلبات تنفيذ المشروع الحضاري في خطوط عريضة, تماماً كما فعلت في عرض الأفكار المحورية مرجئاً التفصيل إلى ‏دراسة أخرى بعون الله وتوفيقه. من الأمور المعينة على تنفيذ المشروع ما يلي :‏
حقن كينونتنا بمركب الحضارة. ‏
المسارعة لإنتاج الكوكبة (الطلائع) الحضارية.‏
حل الإشكاليات الثنائية الجدلية وبخاصة التراث / المعاصرة أو العقل/ النص , التحديث/الجمود أو الانفتاح / الانغلاق.‏
التعمق في مباحث إسلامية المعرفة بما تتضمنه من تأصيل إسلامي واع للعلوم الاجتماعية. ‏
العناية بالأسرة واعتبارها نواة للخلية ومنطلقاً للبناء. ‏
تبني آلية التطوير الذاتي (مناهج تطوير الذوات).‏
فهم وتفعيل آلية التغير الاجتماعي في الإطار السنني .‏
التعامل الناضج مع الحضارات الأخرى.‏
العمل المؤسسي المنبثق من أدوات العصر عبر إدارة فاعلة (المدارس - الإعلام - التدريب والاستشارات.......).‏
إصلاح مؤسسات التعليم.‏
القدرة الاستيعابية لكافة الجهود.‏
إلمام وتفعيل لآلية انتشار الأفكار.‏
إنشاء مركز للدراسات الحضارية.‏
إنشاء مركز للدراسات المستقبلية.‏

هذه خلاصة تأملاتي البحثية المتواضعة إزاء قضايا شائكة في المسألة الحضارية, راجياً أن تسهم في تفكيك وقراءة شيء ‏من طلاسمها ومعضلاتها, مع إيماني بأنها تحتاج إلى وقفة أوسع وأعمق, ولذا فإنني أرجو أن نتوفّر أنا وغيري على دراسة ‏مفرداتها ...... وأجدني أخيراً أتساءل متفائلاً : ألم يأن لأبحاثنا أن تتخلّق في رحم مركبنا الحضاري... أتحرك خلاصتي هذه ‏ماءً راكداً في محيطنا الحضاري ؟؟... هذا ما أرجوه وأتمناه.." قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله ‏يورثها من يشاء من عباده, والعاقبة للمتقين"(الأعراف:128).‏




المراجع والهوامش :‏

‏* ُنشر الجزء الأول المتعلق بالمسار في جريدة الحياة , 18/3/2000( عدد 13511) بعنوان : نحو نمذجة المسار ‏الحضاري: تأملات بحثية, ولكن الجريدة لم تثبت للأسف الشديد المراجع في نهاية البحث مع أنه كان مثبتاً كما أنها لم تلتزم ‏بعنوان البحث , وأرجو التنبه من جهة ثانية إلى أن هذا الجزء تضمن بعض الإضافات.‏
‏1- ابن خلدون: المقدمة , دار الكتب العلمية, بيروت , ط 1, ص 290. وبازاء تعريف ابن خلدون رحمه الله تعالى أشير إلى ‏أن مصطلح الحضارة الذي عّرفه لم يكن بالسعة التي بات يتفق عليه الأكثرية الآن, ولذا فلا يمكن محاكمة هذا التعريف على ‏أنه يمثل الرؤية الإسلامية لمصطلح الحضارة, ولكنني فقط أثبته لإعطاء لمحة تاريخية لتطور المصطلح. ‏
‏2- ول ديورانت : قصة الحضارة , ج1 , ص 3 وقد سقت هذا التعريف لا من اجل الإفادة منه, ذلك أنني أرى أن التعريف ‏لمصطلح كالحضارة يتعين انبثاقه من مركّبنا الحضاري, ولكنني رمت بذلك التأكيد على قصور التصور الغربي للحضارة ‏على أن هذه القضية أضحت جلية في أذهان الكثير.‏‎ ‎
‏3- مالك بن نبي : مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي , ص 50.‏
‏4- ثمة كتب كثيرة جداً يفاد منها في موضوع الخلطة الحضارية أبرزها كتب الأستاذ الكبير مالك بن نبي , انظر مثلاً له : ‏شروط النهضة , مشكلة الأفكار , ميلاد مجتمع , وانظر كتاب: مؤشرات حول الحضارة الإسلامية , د. عماد الدين خليل.‏
‏5- د.محمود سفر: دراسة في البناء الحضاري, كتاب الأمة, قطر, العدد 21, 1989, ص96 . ‏
‏6- د. سيد دسوقي حسن: مقدمات في البعث الحضاري,دار القلم, 1987, ص18. ‏

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال