كان تاريخ هذه البلاد مثل مدينة تحت الأرض،نسمع عنها، نعيش فوقها، لكن لم يُسمح لنا أن ننزل إليها.
منذ آلاف السنين تعاقبت على هذه الأرض إمبراطوريات لا تُحصى، كل واحدة تمسح ما قبلها ثم تكتب حكايتها، وتُخفي الخرائط القديمة كما تُخفى الجثث.
لذلك نشأنا على تاريخ مُسوَّق، مُسَطَّح، منزوع الخطر.
تاريخ معقّم مثل متحف بلا روائح، لا يسمع فيه المرء أصوات العبيد في الموانئ، ولا صراخ الجنود، ولا خيانات الساسة، ولا تقاسيم الذهب الذي كان يُحرّك العالم القديم.
اختصرونا في ’’عليسة‘‘ وجلد ثور، لأن تلك الحكاية لا تخيف أحدًا.
يريدونك أن تتصور أن قرطاج كانت صفقة عقار بين ملكة تائهة وملك بدائي. يريدونك أن ترى إمبراطورية عالمية من خلال حكاية صغيرة تصلح للنوم، لا للنهضة.
لو أن الحقيقة دُرّست كما هي، لخرج جيل يحلم بالمحيطات وليس بالحدود. جيل يفهم أن أجداده لم يكونوا بدوا ولا أقوامًا محلية هامشية، بل قومًا بنوا أكبر شبكة تجارية في غرب البحر المتوسط. كانت سفنهم تدخل مرافئ صقلية ومالطا وسردينيا وإيبيريا والجزر البالية قبل أن يعرف الرومان كيف يقصّون أشرعتهم.
لكن الحقيقة الأقسى ليست في البحر وحده.
الحقيقة كانت دائمًا في السياسة، في الدم الذي سال داخل أسوار قرطاج أكثر مما سال خارجها.
المدينة التي صوّروها لنا كواحة تجارية كانت في الحقيقة غابةً من الحديد.
كل عائلة تريد السيطرة، كل عشيرة تريد مقعدًا في مجلس الشيوخ، وكل طبقة تخاف أن تُطاح بها.
في قلب المدينة القديمة كانت السلطة تُباع وتُشترى مثل النحاس الإيبيري. وحين كانت الرياح تهب من الشرق، كان التجار يشمونها قبل المزارعين، وكان الجنود يفهمون أن البحر لا يُهزم إلا بالدهاء.
عائلة الماغونيد مثال على ذلك.
عائلة تجارية، لكن نهمة للسلطة. لم تكن تؤمن بالفلسفة ولا بالنبل، بل بشيئين المال والبحر.
أطاحت بالنبلاء الزراعيين الذين كانوا يسيطرون على قرطاج منذ زمن تأسيسها.
الماغونيد فهموا أن المستقبل ليس في الحقول، بل في الأشرعة، وأن من يسيطر على الموانئ يسيطر على المدينة. انقلبوا، لا بخطاب، بل بتحالفات مع قراصنة صقليين، ومرتزقة نوميديين، وتجّار من سردينيا.
بدأوا سياسة توسعية عدوانية أرعبت روما نفسها قبل أن تولد قوتها.
كان الانقلاب الأول مجرد بداية. قرطاج لم تعرف يومًا الاستقرار؛ لكنها عرفت شيئًا آخر: الذكاء السياسي الوحشي. الانقلاب الثاني كان أذكى: صامت، متدرّج، صنعه هملقار وحنبعل البرقيان. حين فشل النظام القديم في حماية مصالح المدينة، جاء العسكر. لم يحملوا السيوف إلى الشوارع، بل حملوا مجدهم إلى إيبيريا، وبنوا هناك دولة صغيرة داخل الدولة. لم يعرف مجلس الشيوخ أن الخطر قادم من الغرب، لا من الشرق، وأن مدينة قرطاج ستُحكم يومًا من ضفاف نهر الوادي الكبير في إسبانيا.
حنبعل لم يكن مجرد جنرال؛ كان آخر محاولة لأن تبقى المدينة سيّدة البحر.
تركوا لنا تاريخه على شكل “عبقرية عسكرية”، لكنهم لم يرووا الجانب الآخر.
حنبعل كان أيضًا انقلابًا على النظام السياسي الذي مال إلى الترف والجبن. كان يوثّق المزارعين الفاسدين بالحبال ويرميهم في الخنادق. كان يقطع رؤوس الخونة بيديه. كان يعرف أن قرطاج تنهار من الداخل، لا بسبب روما.
لكن، حين سقطت قرطاج، لم يسقط أهلها.
الشعب الذي اعتقد المؤرخون أنه اندثر تحوّل إلى قبائل، إلى نوميديين، إلى قبصيين، إلى سكان جبال وأودية.
بعضهم أصبح جنديًا في روما، وبعضهم ثائرًا عليها.
من هذه الجغرافيا خرج ماسينيسا، الملك الذي كان يعرف كل خطوط الأرض.
كان ابنًا لهذه البلاد، لكنه لم يكن ابنًا لقرطاج. كان يعرف لغتها، لكنه لم ينسَ جذوره.
تحالف مع روما، حاصر المدينة بالجوع، منعها من التوسع، نهب حدودها، استقبل الفارّين منها.
كان ذكاءه السياسي أخطر من أساطيل الرومان. لقد أنهى قرطاج دون أن يرفع سيفًا واحدًا. هكذا تموت الإمبراطوريات بالحصار، لا بالضربات.
بعد قرطاج، تغيّر العالم، لكن هذه الأرض لم تتغير.
بقيت تفكر في البحر، حتى عندما دخل الإسلام.
جاء الأغالبة، وبنوا دولة بحرية من جديد، أقرب إلى قرطاج منها إلى بغداد. غزوا صقلية، دخلوا إيطاليا، نشروا لغة البحر من جديد. وعندما سقطوا، خرج الحفصيون ليعيدوا بناء شيء يشبه الدولة التونسية.
كانوا يعرفون أن هذه البلاد لا تُحكم من الصحراء، بل من الساحل، من قرطاج نفسها.
أما المجتمع، فكان أكبر من الدول.
كان خليطًا من كل الشعوب: البربر، الفينيقيون، الإغريق، الليبيون، الإسبان، العرب، الأندلسيون، السود، التوارق، العبيد، العلوج. في قرطاج، لم يكن العبد مجرد عبد. بعضهم دخل الجيش، بعضهم أصبح تاجرًا، وبعضهم سيطر على القصر في زمن الأتراك.
الخصيان حكموا من وراء الستار، وأحيانًا كانوا أخطر من البايات أنفسهم. هذه البلاد لا تخاف الغرباء؛ تستوعبهم، تهضمهم، ثم تُعيد إنتاجهم على طريقتها.
أما السؤال الأكبر،هل كنّا حضارة منغلقة؟
لا. لم نكن يومًا قومًا منغلِقين. كنّا حضارة بحرية، حضارة مختلطة، حضارة متعددة الأعراق. الفينيقي لم يكن يختلف عن النوميدي إلا في اللسان.
البربري لم يكن يرى نفسه أقل من القرطاجي. الناس اختلطوا حتى ضاعت الحدود، وحتى أصبحت هويتنا اليوم ليست في ملامحنا بل في طريقة تفكيرنا طريقة بحرية، عقلانية، تجارية، عملية، ترفض الخرافة وتحب البرهان.
هذه هي الحكاية التي لم يروها لك أحد.
حكاية أمة كانت سيّدة البحر، ثم ضحية مؤامرة النسيان.
حكاية شعب كان يستطيع بناء إمبراطورية ثانية وثالثة، لكنّه لم يُسمح له بأن يعرف نفسه.
لذلك أعطونا ’’جلد ثور‘‘ بدل أن يعطونا ’’أعظم ميناء دائري في تاريخ البشر‘‘.
ولذلك قالوا لنا ’’إنكم مجرد بربر‘‘ بدل أن يقولوا ’’أنتم ورثة قرطاج‘‘.
ولذلك صوّرونا كأمة منغلقة، بينما الحقيقة أننا أكثر الأمم اختلاطًا وعبقرية في المتوسط.
هذه البلاد ليست صغيرة كما يريدونك أن تراها.
هذه البلاد كانت يومًا قلب العالم القديم.
وما تزال، رغم الغبار، تحمل ذلك القلب تحت التراب ينتظر من يزيح عنه الغطاء.
إعترافات أمّة،كانت سيّدة البحر
2025-12-09
583 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
1
قراءة التاريخ بشكل علمي و الاطلاع على الانتماء بالمنطق لا بالتبليغ الببغائب
تعليق على مقال