عن الأرشيف الوطني التونسي صدر في السنة الماضية كتاب توثيقي هامّ تحت عنوان "مصر بعيون تونسيّة، مراسلات وكلاء تونس بالقاهرة والإسكندريّة خلال القرن التاسع عشر" جمع فيه معدّه الدكتور المهدي جراد المراسلات في 585 صفحة من القطع الكبير وقدّم له الأستاذ الهادي جلاب مدير الأرشيف.
بلغ عدد المراسلات الموجودة في هذا السفر 773 مراسلة تقع فيما بين سنتي 1812 و1883 تناول فيها الوكلاء العلاقات بين البلدين من مختلف النواحي السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة بما يعكس متانة وتاريخيّة الروابط بين تونس ومصر وقد لامست تقريبا كلّ جوانب الحياة ممّا يجعلها مجالا خصبا للدراسة والبحث بالنسبة لإخواننا في مصر لأنّها تقدّم لهم رواية أخرى وتفسيرا مغايرا لِما جدّ هناك من أحداث تتعلّق بالخديوي أو الحكومات المصريّة والأنجليز وهي كذلك مهمّة بالنسبة لنا نحن في تونس من جهة دراسة العلاقات بين النخب التونسيّة والمصريّة وهي علاقات نسجها التاريخ والتواصل الدائم بين المشرق والمغرب(1)، لذا قصرنا اهتمامنا في هذا البحث على الدور الذي لعبه الوكلاء في تمتين الروابط الثقافيّة بين البلدين لأنّها الأدوم والأثبت فتأثير السياسات عليها عرضي وهي كذلك الأطول عمرا لأنّها تربط الأجيال ببعضها البعض.
سعيد الشماخي
عشرة وكلاء عرفتهم القاهرة والإسكندريّة طوال القرن التاسع عشر، تناول أغلبهم بعض الجوانب الثقافيّة إلا أنّ أكثرهم اهتماما بالشأن الثقافي هو سعيد الشماخي وهو ما لفت انتباه معدّ الكتاب بتساؤله: "عن طبيعة الأدوار التي يقوم بها هذا الوكيل"(2)، وهو تساؤل في محلّه نجد الجواب عنه مفرقا في مراسلات الوكيل، باشر سعيد مهامّه فيما بين سنتي 1870 و1883 وهي الفترة التي عُيّن فيها خير الدين باشا وزيرا أكبر لمّدة أربع سنوات من سنة 1873 إلى سنة 1877 بجانب المهام الرسمية التي كلّف بها قبل ذلك، ومن الجدير بالملاحظة أنّ خير الدين أثناء تحمّله لمسؤوليّات مختلفة في الدولة أنجز الكثير من الإصلاحات والمبرّات كتأسيسه المدرسة الصادقيّة ورعايتها وتنظيم الأوقاف وإصداره الرائد التونسي وتنظيمه التعليم الزيتوني وإنشاء المكتبة العبدليّة وغيرها، في مراسلة بتاريخ 30 جانفي 1874 لخير الدين باشا قال سعيد: "وبتاريخه اطلعت على بعض غرر القصائد محرّرة بالرائد من جهابذة الحاضرة في ذكر شيء من مفاخركم الفاخرة فدعاني حبّ الوطن وإخلاص الطويّة لنظم قصيدة مختصرة عارية من التشبيب وغريب اللّغة تهنئة للحضرة العليّة ولولي عهده بعيد الضحية ولسعادتكم برتبة الوزارة الكبرى السميّة مرسلة لسيادتكم طيّه، الأمل قبولها والإغضاء عن عيوبها"(3) بعد شهرين نشرت له جريدة الرائد التونسي(4) القصيد المومأ إليه ومطلعه:
زها الدين والدنيا بتونس مذ غدا
بها الشهم خير الدين ذا الحلّ والعقد
غير أنّ محرّر الرائد أخطأ في ذكر اسمه الذي ورد كالتالي سعيد الشامي والصواب ما ذكرت حيث ورد في القصيد بيت ذكر فيه الشاعر اسمه كاملا قال:
سعيد الشماخي من عبيدك قائما
من أمرك في أقطار مصر بما تُبْدِي
أمّا المؤرّخ محمد ابن الخوجة فقد ذكر اسمه ضمن قائمة وكلاء وقناصل تونس وأضاف إليه وصفه له بالجربي(5)، والمعلومات عنه قليلة نورد فيما يلي ما وقع تحت اليد ذكر معدّ الكتاب أنّ لسعيد ابنا اسمه قاسم "كان قد تولّى خّطة الإشراف على تلغراف الخديوي باللّغة الإنجليزيّة وهو موقع مكّنه من أن يكون في موقع الحدث"(6) لذا احتوت مراسلات الشماخي على الكثير من الأخبار المتعلّقة بالخديوي وبالحكومة المصريّة وطبيعة العلاقات بين مكوّناتها، غير أنّ أهمّ ما يلفت النظر فيها هو اهتمام محرّرها بالجانب الثقافي ويظهر ذلك من خلال علاقاته الواسعة بالنخب وبالأوساط المثقّفة المصريّة التي استعان بها في أداء مهامّه كما كان حلقة الوصل بينها وبين السلطة في تونس وأبرز الأمثلة على ذلك علاقته الوطيدة بالشاعر صالح مجدي فمن هو صالح مجدي؟
صالح مجدي
جاء في ترجمته التي حرّرها ابنه تقديما لديوانه أنّه ولد سنة 1827 وهو أحد أعيان الأزهر وعضو مجلس الحقانيّة المختلط بمحروسة مصر وأحد أدبائها، كان يتقن العربيّة والفرنسيّة، عمل بقلم الترجمة تحت إشراف أستاذه رفاعة رافع الطهطاوي: "ثم عهد إليه بتدريس اللّغتين العربيّة والفرنسويّة في المدرسة الهندسية الخديويّة وعهدوا إليه تعريب كتب علميّة للفرنج فعرّب منها عددا وافرا في رسم الأمكنة والطبقات الجيولوجيّة والميكانيكيّات والحساب والجبر والهندسة والفلكيّات والفنون الحربيّة كبناء الحصون ورمي القنابل إلى أن تولّى رئاسة الترجمة وجعله إسماعيل باشا في المعيّة السنيّة وولّاه مناصب أخرى"(7) عُـيِّـن في آخر حياته قاضيا بالمحكمة المختلطة بالقاهرة إلى أن توفي في 8 نوفمبر 1881 (8)، جمع له ابنه قصائده ونشرها في كتاب عنوانه "ديوان المرحوم صالح مجدي بك" في 430 صفحة سنة 1893 عن مطبعة بولاق، كما حقّق جمال الدين الشيّال رسالة له عن سيرة الطهطاوي عنوانها "حلية الزمن بمناقب خادم الوطن" نشرتها مطبعة الحلبي سنة 1958 مصحوبة بترجمة وافية له، ومن الجدير بالملاحظة أنّ جريدة الرائد نشرت له 7 قصائد في مدح الصادق باي وخير الدين باشا ومصطفى بن إسماعيل فيما بين تاريخي1877 و1880 وقد نشرت هذه القصائد كاملة في الديوان باستثناء قصيد في مدح خير الدين باشا نشر بتاريخ 3 جانفي 1877 مطلعه:
حلت بقلبي وهو غير كليم
هيفاء تغضي عن سؤال كريم
حذف منه محرّر الرائد 16 بيتا لم ينشرها، ومن الجدير بالملاحظة أنّ الرائد لم يكن ينشر كلّ ما يصله وهو ما دفع بسعيد الشماخي إلى السؤال عن مآل بعض القصائد التي لم تدرج في الرائد في مراسلة بتاريخ 30 نوفمبر 1877 (9) وفي مكتوب آخر أرسل قصائد لصالح مجدي في مدح الباي والوزير الأكبر قائلا: "لا بأس من إدراج الجميع بالرائد إن لم يكن هناك مانع"(10).
اشتمل الديوان على قصائد غير التي نشرت في الرائد تخصّ ذواتا تونسيّة هي التالية:
* تسع قصائد في مدح محمد الصادق باشا باي (ص 42 و74 و112 و167 و221 و232 و286 و356).
* قصيدان في مدح خير الدين باشا (ص 38 و303).
* قصيد واحد في مدح مصطفى بن إسماعيل (ص264).
* قطعة واحدة توجّه بها إلى نجل المرحوم سعيد بك الشماخي وكيل تونس بمصر يشكره على تهنئته بنيشان وصله من مملكة تونس مع نيشان لوالد المذكور.
تحصّل صالح مجدي على نيشان من الصنف الثاني سنة 1876 وفي السنة الموالية رشّحه وكيل تونس بمصر للصنف الأوّل قال: "وأمّا الأمير الجليل جناب السيد صالح مجدي شاعر الحضرة العليّة فهو من رجال الدولة المصريّة وهو الآن أحد قضاة مجلس الحقانيّة المختلط وهو غني ذو ثروة وله مرتب كافي ومدحه للحضرة العليّة الصادقيّة أيد الله عزّها لِما له من مزيد الحب فيها وفي رجال دولتها وهو من أعزّ أصدقائنا قديما وقد تفضُّل عليه في العام الماضي المعظم الأرفع مولانا وسيّدنا نصره الله بنيشان من الصنف الثاني وهو أوّل نيشان ورد من دولتنا لرجال الدولة المصريّة فأذنته بقبوله ولبسه بأمر حضرة خديويها المعظم إلا أنّ مقامه يستحقّ الصنف الأوّل فحرّرنا عن ذلك مدّة الوزارة السالفة فحصل الوعد بتغييره"(11) وفي ترجمة الابن لوالده صالح مجدي كتب: "وقد اتصلت شهرة مؤلّفاته وأشعاره إلى باي تونس المرحوم محمد الصادق فأهداه نيشانين الواحد بعد الثاني فقدّم المرحوم مجدي بك له بعض كتب من مؤلّفاته وتراجمه ومدحه وأثنى على وزرائه وقتئذ بقصائد شتّى"(12) واللافت للنظر أنّ النياشين المهداة من خارج مصر لا يلبسها صاحبها إلا بعد مراسلة ديوان الخارجيّة ثم الإذن له من طرف الخديوي، يقول سعيد الشماخي شارحا الأسلوب المتّبع في مثل هذه المسائل قال: "وعلى مقتضى أصول الحكومة حرّرت عنه جوابا بديوان الخارجيّة وأرسلته مع الفرمان لناظرها سعادة شريف باشا ومنه تحرّر للحضرة الخديويّة بالإشعار لصدور الإذن بتسليمه لصاحبه حسب الجاري"(13).
الجرائد والمجلات
لم يغفل وكلاء تونس في القاهرة عن متابعة الجرائد المصرية وإرسال نسخ منها إلى الجهات الحكوميّة للاطلاع وقد ورد أوّل ذكر لجريدة الوقائع المصرية وهي الجريدة الرسمية في مراسلة مؤرّخة في 27 ماي 1861 بإمضاء محمد بدر الدين الوكيل في القاهرة والإسكندرية فيما بين سنتي 1827 و1870 قال: "كما أنّه ترتب إلينا إرسال كازيتة بوقائع الديار المصريّة كما هو جاري في كلّ شهر فإن شاء الله تعالى بانسلاخ كلّ شهر نقدّم لكم جرنال بما جرى بالديار المصريّة لأجل تشريفه بأنوار المطالعة ثم وقد بلغنا أنّه جاري طبع جرنالات في كلّ شهر بطرف فخيمتكم فنأمل إرسال جرنال في كلّ شهر إلينا حتى تصير المطالعة عليه بطرفنا ويصير بمطالعة زيادة الوقار"(14) وبيّنٌ أن الوكيل يرغب في موافاته بجريدة الرائد التونسي التي علم بصدورها سنة 1860، ومن مظاهر حرص الوكيل على إرسال الوقائع المصرية إلى تونس أنّه ذكر في مراسلة أخرى لمصطفى خزندار مؤرّخة في 17 أكتوبر 1861 أنّ سفر حاكم مصر سعيد باشا إلى الآستانة صحبه: "إبطال المطبعة التي كانت تطبع بها الكازيتة وإن شاء الله عند حضور سعادة أفندينا من جهة الآستانة فربّما يظهر ترتيبات أخرى ويصير رجوع المطبعة بوقتها إن ظهرت كازيتة نبقى نرسل لكم منها"(15)، لم يتوقّف إرسال الوقائع المصريّة وبقي مستمرا في مطلع كلّ شهر وقد كُلّف بذلك شخص اسمه الشاذلي الدلاجي جاء في مراسلة من سعيد الشماخي وكيل تونس في القاهرة إلى مصطفى خزندار مؤرّخة في 27 أفريل 1871 ما يلي: "وصحيفة الوقايع المصرية جاري إرسالها منّا على يد حضرة سيدي الشاذلي الدلاجي لسعادتكم"(16) وفي مراسلة أخرى بتاريخ 3 أوت 1871 نعى الشماخي الشاذلي الدلاجي معربا عن تخوّفه من ضياع مراسلاته قال مخاطبا الوزير الأكبر: "والأمل إشعارنا بوصول المكاتبات الصادرة منا بتواريخها خوفا من ضياع بعضها"(17).
لم يتوقّف اهتمام سعيد الشماخي على إرسال جريدة الوقائع بل تجاوزها إلى متابعة ما يُنشر عن تونس من أخبار فقد ورد في رسالة له مؤرّخة في 8 جانفي 1881 وفي 29 مارس 1881 أنّ جريدة المستقل نشرت على صفحاتها مراسلات لمكاتبها قاسم بن مجوج الجربي في: "الطعن على الدولة وسياستها وسيلة للتقرب إلى قنصل إيطاليا وصاحب جريدة المستقل"(18) موردا البعض من أخباره وانتقاله بين مصر والجزائر وتونس ومن الجدير بالملاحظة أنّ جريدة المستقل صدر أوّل عدد منها بحرص من الحكومة الإيطاليّة في 28 مارس 1880 بعد أن دعا القنصل الإيطالي في بيروت يوسف باخوس(19) إلى القيام بهذه المهمّة (20) وبيّنٌ أنّ هذه الدعوة مندرجة ضمن الصراع الإيطالي الفرنسي على احتلال تونس، لم يقف الوكيل مكتوف الأيدي بل عمل على استخدام علاقاته لإيقاف جريدة المستقل عن مواصلة تهجّمها على الدولة التونسيّة فما كان منه إلا أن اتّصل بإدارة المطبوعات قال: "وإدارة المطبوعات هنا لمّا بلغها ما هو حاصل من صاحب جريدة المستقل من الطعن في رجال دولتنا صدر أمرها لعموم الجرائد العربيّة بأن لا يتعرّضوا للطعن أو القدح في مطلق انسان ولا ينقلوا ذلك من الجرائد الأجنبيّة ومن خالف الأمر عوقب كما موضّح بالوقايع المصريّة الجريدة الرسميّة رقيم 29 جمادى الأولى 1298 نمرة 1098 والغرض ردع صاحب المستقل"(21)، كما سعى الوكيل إلى نشر مقالات للردّ على المستقل غفلا من الإمضاء ففي مراسلة له قال بأنّ: "صاحب جريدة الإسكندريّة أدرج جملة تتعلّق بتونس وسياسة سيادتكم كأنّه قصد بها إلا الردّ على السفيه صاحب المستقل دمّره الله وقطع دابر مكاتبيه مرسلة للاطلاع عليها وأوصينا بدرج مثل ذلك في بعض الجرائد رغما عن أنف الأعداء"(22) إلا أنّه لم يذكر الجرائد التي استعملها للردّ على المستقل، أمّا جريدة الإسكندريّة فقد صدر أوّل عدد منها سنة 1878 (23) والمعلومات عنها شحيحة وأعدادها مفقودة يقول عبد العليم قباني: "ومن المؤسف أنّنا لم نجد أثرا لأعداد هذه الصحيفة ولا تلخيصا شافيا لمحتوياتها في أيّ من المكتبات التي قصدناها ولا في أيّ مظنّة خبر رجعنا إليها"(24).
سنة 1881 دعت الحكومة الفرنسيّة يوسف باخوس صاحب المستقل إلى إصدار جريدة البصير في باريس (25)، واللافت للنظر أنّ الصادق باي أنعم عليه بنيشان الافتخار جاء في ترجمته "وقد عرفَت إذ ذاك الحكومة التونسيّة ما كان لمقالات محرّر البصير وكتاباته من النفع والوقع في نفوس أبنائها وذويها وما أتاه من الجدّ والجهد في سبيل إحياء روح اللغة العربيّة في تلك الأصقاع الغربيّة فمنحته وسام كمندور من نيشان الافتخار وذلك في 15 تموز/جويلية لسنة 1881"(26).
الكتب
لم يغفل الوكلاء عن متابعة حركة النشر في مصر منذ منتصف القرن التاسع عشر وقد ظهر ذلك من خلال الاستجابة لطلبات بعض الذوات بتوفير عناوين معيّنة أو بتجميع كتب للمدرسة الصادقيّة التي أنشئت حديثا ففي مراسلة محمد بدر الدين الوكيل فيما بين سنتي 1827 و1870 لمصطفى خزندار الذي سأله عن شرح القسطلاني لصحيح البخاري أجابه: "ثم نخبر سيادتكم من خصوص كتب شرح القسطلاني... فإنه ورد لنا خبر بأنّه ليسوا موجودين الآن وإنّما صاير طبعهم في المطبعة المصريّة... وأمّا القايمة المطلوبة في بيان الكتب المطبوعة الموجودة بالمطبعة للبيع ومقدار أثمانها فهي واصلة لكم طيّه" وبعد سنة طلب مصطفى خزندار الوزير الأكبر موافاته بقائمة في المطبوعات فكتب الوكيل: "ومن خصوص الكتب المستجدّة بمطبعة المحروسة التي حضرتكم طالبين بيانها فها قد وجدنا كازيتة من طبع المحروسة وبها بيان جميع الكتب الموجودة بالمطبعة من قديم وجديد لغاية تاريخه وهي واصلة لكم طيّه"(27)، سنة 1860 تم طبع كتاب "إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري" للقسطلاني في دار الطباعة المصريّة الكبرى ببولاق وصحّحه أحد أعلام التصحيح والتحقيق الشيخ نصر الهوريني فما كان من الوكيل إلا أن أرسله إلى تونس جاء في مراسلة له للوزير الأكبر: "وكنتم سابقا أوصيتونا على كتاب القسطلاني وبوقتها أوصينا عليه بمصر ولم كان موجود والآن تواجد بالمطبعة فصار مشتراه وهو خمسة أجزاء فيوصلكم صحبة البابور المنصور في تسليم حسن قبطان إن شاء الله ليدكم بالسلامة"(28)، لم يكن الاهتمام بالكتاب تطوّعا من الوكلاء بل إنّ الوزير الأكبر كان حريصا على متابعة حركة النشر في مصر، يقول سعيد الشماخي في مراسلتين له: "وأخبرني حضرة سيدي محمد الدلاجي أنّ سعادتكم بلغه طبع التفسير الكبير الذي لسيدي محيي الدين ابن عربي وأمرتم بإرسال نسخة وأنه في عشرين جزء والحال أنّ هذا التفسير ما طبع بل الذي طبع مختصره في مجلّد واحد لا غير ويقع إرسال نسخة منه لسعادتكم وأغلب كلامه في التصوّف والذي طبع في عشرين جزء هو كتاب الأغاني المشهور والتفسير الكبير للفخر الرازي بعد متحرر لسعادتكم قايمة بما صار طبعه من الكتب" وفي مراسلة أخرى ورد ما يلي: "وأرسلنا نسخة من تفسير سيدي محيي الدين ابن عربي في مجلدين على يد سيدي محمد الدلاجي لعلّها الآن وصلت وهذا التفسير اختصره من تفسيره الكبير وأمّا التفسير الكبير ما طبع وقلما يوجد والذي طبع هنا من كتب التفسير التفسير الكبير للفخر الرازي في ست مجلدات وتفسير الخازن وبها تفسير النسفي وتفسير السعود والكشاف وحاشية الجمل على الجلالين وحاشية الشهاب الخفاجي على البيضاوي وبها تفسير... وما يلزم منها رهن الأمر"(29)، لم يتوقّف اهتمام الحكم في تونس عند حدود ما ذكر بل تجاوزه إلى متابعة طبع كتابين تونسيّين للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور الأكبر المتوفى سنة 1868(30) ففي مراسلة مؤرّخة في 4 سبتمبر 1879 إلى الوزير الأكبر مصطفى بن إسماعيل يقول: "وما شرحتم فيه بخصوص مادة الكتابين تأليف الأستاذ شيخنا العلامة سيدي الطاهر ابن عاشور ضاعف الله الأجور الذين طبعا بالقاهرة... بورود جواب سيادتكم اجتمعنا بصاحبه وهو الحاج علي الفندري واستعلمنا منه ما صار في هذه المدّة فأفاد أنّ الكتابين تم طبعهما من مدّة وأنّ شرح البردة بلغ عشرين ملزمة وحاشية القطر أربع وثلاثين ملزمة وأنّ مقدار تكاليف الألفين نسخة يبلغ مائة وعشرة بنيتوا..."(31) ومن الجدير بالملاحظة أن المطبعة الوهبيّة في القاهرة طبعت في نفس السنة 1296ه للشيخ كتابيه "شفاء القلب الجريح بشرح بردة المديح" في 164 صفحة و"حاشية على شرح قطر الندى وبلّ الصدى لابن هشام" في 272 صفحة.
أحدث صدور أقوم المسالك لخير الدين باشا ضجّة في العالم الإسلامي فتلقّفته الأيدي وما زال لحدّ الآن موضع درس وبحث، كتب سعيد الشماخي في مراسلة له بتاريخ 4 أكتوبر 1875 ما يلي: "وفي الليلة الثالثة والرابعة اجتمعت بأغلب الوزراء المعتبرين في منازلهم بقصد التهنية... وما من أحد منهم والله إلا أطنب بالمدح والثناء الجميل في سيركم وقال إنّ جرنالات أوروبا أطبقوا على حسن سياستكم وأنّ أقوم المسالك يشهد لكم حتى أنّ بعضهم طلبه مني وكذا طلبه مني حضرة سلطان زنجبار فوعدته بإرساله له مع بعض مصالح طلبها"(32).
الصادقيّة
من المآثر التي سيذكرها التاريخ للصادق باي موافقته على تأسيس المدرسة الصادقيّة وتمكينها من أسباب البقاء كالأوقاف ورعاية الحكم لها حتى بعد خروج خير الدين باشا من الوزارة الكبرى وهو ما نلحظه بجلاء في مراسلات الوكيل سعيد الشماخي إلى مصطفى بن إسماعيل ففي مراسلة مؤرّخة في 23 جانفي 1879 يقول: "والثاني رقيم 7 منه يتضمّن الأمر بالبحث عن شخص عالم باللّغتين التركي والعربي حميد السير مستقيم الأطوار يكون خوجة معلّما للّغة التركيّة بمدرسة الحضرة العليّة الصادقيّة"(33)، ولأنّ علاقات سعيد بالنخبة المصريّة متّسعة فقد اتّجه في بحثه عن مدرّس إلى علي المبارك أحد أهم رموز النهضة في مصر بإنشائه دار العلوم ودار الكتب وتوليه وزارة المعارف(34) فوعده خيرا قال: "وسعادة علي باشا مبارك ناظر الأوقاف والمعارف أوعدنا بتعيين من يعتمد عليه من تلامذة المدارس"(35)، لم يطل بحث سعيد عن معلّم حتى عثر على شخص تركي الأصل يسمّى إسماعيل أفندي الشريف وقد شهد له بحسن السيرة والمعرفة ناظر المعارف علي المبارك وتمّت إجراءات انتدابه ورحل إلى تونس لتدريس اللغة التركيّة والفارسيّة في الصادقيّة إلا أنّ مدّة بقائه في تونس لم تتجاوز السنة الواحدة(36) وبعد عودته إلى مصر قال عنه سعيد في رسالة بتاريخ 31 مارس 1880: "بأنّه لمّا رجع للديار المصريّة بالغ في ذمّ الدولة التونسيّة ورجالها حتى قيل أنّه ألّف في ذلك رسالة وطبعها ولتاريخه ما وقفنا عليها ومتى تحصّلنا عليها نسعى في محاكمته ومجازاته بواسطة الحكومة الخديويّة وما علمنا أسباب انفصاله هل كان بطلبه أم بصدور شيء موجب لطرده، الأمل الإفادة لنكون على بصيرة"(37)، لم تتوقّف مساعي الوكيل لانتداب معلّم فكان أن اختار عبد الكريم أفندي طاهر الطوبي المولود بمصر من أصل مغربي، تلقى تعليمه في مصر وفي الآستانة وأتقن من اللّغات الفرنسية والتركية والفارسية بجانب بعض العلوم الأخرى كعلوم الأرض والمعادن وغيرها وأمضي الاتفاق معه لتتوقّف المراسلات عن ذكره(38)، بجانب ذلك عمل الوكيل سعيد الشماخي على إرسال الكتب إلى المدرسة الصادقيّة من ذلك إرساله البعض من مؤلّفات صالح مجدي خصوصا منها المترجمة والمتعلّقة بالرياضيات والعلوم العسكريّة وغيرها(39) ولم يغفل سعيد عن إرسال المجلات لتلامذة المدرسة الصادقيّة جاء في رسالة مؤرّخة في 11 أفريل 1880 ما يلي: "في البوسطة الماضية أرسلنا جملة من نسخ من روضة المدارس بقصد توزيعها على تلامذة المدرسة الصادقيّة الخيريّة الجديدة نرجو أن نراها فايقة عن المدارس المصرية ومعها نسخ من روضة الأخبار والوقايع المصريّة"(40)، فروضة المدارس مجلة علميّة أدبيّة فنية أنشأها على المبارك وترأّس تحريرها رفاعة رافع الطهطاوي وأدّت أدوارا مهمّة في نشر المعارف وهي التي حرص سعيد على توزيعها على تلامذة المدرسة الصادقيّة أمّا روضة الأخبار فهي صحيفة سياسية لم تدم طويلا وجاء ذكرها صحبة الوقائع المصرية الموجهة للوزير الأكبر.
الهوامش
1) عن العلاقات الثقافيّة بين مصر وتونس انظر ملفّا صدر في مجلة الحياة الثقافيّة العدد 332 سنة 2022 به دراسة لنا عنوانها "مصريّون في تونس وتونسيّون في مصر" صص27-35.
2) "مصر بعيون تونسيّة، مراسلات وكلاء تونس بالقاهرة والإسكندريّة خلال القرن التاسع عشر"، إعداد الدكتور المهدي جراد وتقديم الأستاذ الهادي جلاب، نشر مؤسّسة الأرشيف التونسي، طبع الشركة التونسيّة لفنون الرسم تونس 2025، ص6.
3) مصر بعيون تونسيّة ص299.
4) بتاريخ 5 مارس 1874.
5) "صفحات من تاريخ تونس" محمد ابن الخوجة، تقديم وتحقيق حمادي الساحلي والجيلاني بن الحاج يحيى، نشر دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى 1986، ص142.
6) مصر بعيون تونسيّة ص13.
7) تاريخ الآداب العربية للأب لويس شيخو طبع دار المشرق بيروت، الطبعة الثالثة سنة 1991، ص131.
8) عنه في مقدمة ديوان صالح مجدي بقلم ابنه محمد بك مجدي، طبع في المطبعة الأميريّة ببولاق مصر المحمية سنة 1311 هجريّة وفي "الشعر والشعراء المجهولون في القرن التاسع عشر" لطه وادي، ط 3 دار المعارف القاهرة 1995 ص61، ومعجم كحالة 1/833 وهدية العارفين 1/425.
9) مصر بعيون تونسيّة ص383.
10) مصر بعيون تونسيّة ص390.
11) مصر بعيون تونسيّة ص384.
12) مقدمة ديوان صالح مجدي الصفحة ي.
13) مصر بعيون تونسيّة ص359.
14) مصر بعيون تونسيّة ص103 والكازيتة هي Gazette.
15) مصر بعيون تونسيّة ص104.
16) مصر بعيون تونسيّة ص 229 و230.
17) مصر بعيون تونسيّة ص237.
18) مصر بعيون تونسيّة ص492.
19) ترجمته في "تاريخ الصحافة العربيّة" لدي طرازي ج2 ص306 وما بعدها انظر كذلك "السوريّون في مصر" إلياس زاخورا طبع بالمطبعة العربيّة بمصر سنة 1927 ج1 ص107 وما بعدها، و"ترجمة العالم المأسوف عليه يوسف حبيب باخوس" لنجيب فارس باخوس في مجلة المشرق العددان 10 و11 سنة 1902 وهذه الترجمة استغلها حرفيا فيليب دي طرازي فيما نشر في كتابه.
20) تاريخ الصحافة العربيّة ج4 ص370.
21) مصر بعيون تونسيّة ص501.
22) مصر بعيون تونسيّة ص492.
23) تاريخ الصحافة العربيّة ج4 ص214.
24) "نشأة الصحافة العربيّة في الإسكندريّة 1873-1882" عبد العليم قباني، الهيئة المصريّة العامة للكتاب 1973 ص11.
25) تاريخ الصحافة العربيّة ج4 ص374.
26) تاريخ الصحافة العربيّة ج2 ص310 نقلا عن مقال نجيب باخوس في المشرق سنة 1902 العدد 11 ص501.
27) مصر بعيون تونسيّة ص93، مراسلتان الأولى بتاريخ 17 ماي 1859 والثانية بتاريخ 15 سبتمبر 1859.
28) مصر بعيون تونسيّة ص107.
29) مصر بعيون تونسيّة ص241 و242، مراسلتان الأولى بتاريخ 29 سبتمبر 1871 والثانية بتاريخ 12 أكتوبر 1871.
30) انظر ترجمته في كتاب العمر لحسن حسني عبد الوهاب الترجمة رقم 403 المجلّد الثاني القسم الأول ص 359 طبعة دار الغرب الإسلامي، وتراجم المؤلّفين التونسيّين لمحمد محفوظ الترجمة رقم 338 و"مسامرات الظريف بحسن التعريف" محمد السنوسي، تحقيق محمد الشاذلي النيفر، طبعة دار الغرب الإسلامي بيروت 1994، ج2 ص264.
31) مصر بعيون تونسيّة ص455.
32) مصر بعيون تونسيّة ص334.
33) مصر بعيون تونسيّة ص422.
34) عنه انظر الأعمال الكاملة لعلي المبارك جمع وتحقيق محمد عمارة المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر بيروت 1979، و"علي المبارك أبو التعليم" لحسين فوزي النجار، سلسلة أعلام العرب رقم 71 سنة 1967.
35) مصر بعيون تونسيّة ص 423.
36) مصر بعيون تونسيّة ص425 و430 و431 و433 و437 و463 469.
37) مصر بعيون تونسيّة ص475.
38) مصر بعيون تونسيّة ص469 و470 و471.
39) مصر بعيون تونسيّة ص359.
40) مصر بعيون تونسيّة ص477.
الثقافة في مراسلات وكلاء تونس في مصر في القرن التاسع عشر
2026-10-28
80 قراءة
مختلفات
أنس الشابي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال