بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

تونس التي تنتظر المعجزة بينما يقتات أبناؤها من خرابها.

2026-10-24 57 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
أخشى أنني بدأت أفقد إيماني بفكرة التغيير الجماعي في تونس لا لأن التونسيين عاجزون عن التغيير بل لأنني اكتشفت أن بعض الناس لا يريدون الخروج من الفوضى فالفوضى بالنسبة إليهم ليست مرضا يريدون الشفاء منه بل وظيفة ومصدر رزق ومصعدا اجتماعيا يصعدون به فوق ظهور الآخرين.
هناك من يعيش على خراب المؤسسات ومن يبني مجده على تعطل القانون ومن يعتبر النظام مؤامرة عليه لأن النظام سيحرمه من الامتيازات التي اعتاد الحصول عليها مجانا. وهؤلاء لن تقنعهم الخطب الوطنية ولن توقظ ضمائرهم المقالات لأن المشكلة ليست دائما في غياب الوعي بل أحيانا في وجود مصلحة حقيقية في إبقاء البلاد مريضة.

لهذا بدأت أعتقد أن انتظار التغيير الشامل ضرب من ضروب الانتظار في محطة قطار لا يمر بها أي قطار. ربما علينا أن نبدأ من مكان آخر من بلدية صغيرة تقرر أن تحترم القانون ومن مؤسسة تقرر أن تعين الأكفأ لا الأقرب ومن قطاع مهني يرفض أن يبقى رهينة الرداءة ومن مدينة تقرر أن تبني مستقبلها وفق مخطط هندسي لا وفق شهية المقاولين ومزاج المسؤولين.
لا نحتاج إلى إقناع تونس كلها في يوم واحد. نحتاج إلى بناء نماذج ناجحة تثبت أن النظام ليس سجنا وأن القانون ليس عدوا وأن الكفاءة ليست تهمة وأن العمل يمكن أن يكون طريقا للارتقاء بدلا من أن تكون القرابة والولاءات والسمسرة هي الطرق المختصرة إلى الثروة والنفوذ.
أريد مدنا جديدة لا تشبه الاعتذار المتأخر الذي تقدمه الدولة عن فشلها القديم. مدنا مخططة قبل أن يسكنها الناس، فيها مدارس ومستشفيات ووسائل نقل ومناطق إنتاج ومساحات خضراء لا مدنا ندفن فيها أخطاءنا العمرانية ثم نطلق عليها أسماء براقة. مدنا تحترم الإنسان لأنها تحترم الفضاء الذي يعيش فيه وتطبق القانون على الجميع فلا يكون الفقير وحده مطالبا باحترامه ولا يصبح صاحب النفوذ مالكا لنسخة خاصة منه.
لكن المدينة الذكية لا تصنعها الحواسيب وحدها كما أن الدولة الحديثة لا يصنعها المهندسون وحدهم. يصنعها نظام مؤسسي يعرف كيف يختار الكفاءات ويمنحها الصلاحيات ويراقب أداءها ويحاسبها عندما تفشل.
نحتاج إلى الميريتوقراطية، إلى دولة يتقدم فيها الإنسان بقدر ما يعرف وينجز لا بقدر ما ينافق ويصطف ويجيد ارتداء الأقنعة. نحتاج إلى أن يصبح المنصب مسؤولية لا غنيمة والإدارة خدمة لا ضيعة والمال العام أمانة لا وليمة مفتوحة.

أما الذين يتعيشون من الفساد والمحسوبية والاحتكار وتعطيل مصالح الناس فلا ينبغي أن نضيع أعمارنا في انتظار تحولهم إلى ملائكة. يجب أن نجردهم من أدوات العبث وأن نغلق منافذ الريع وأن نكشف تضارب المصالح وأن نطبق القانون على الجميع بلا انتقام ولا استثناء.
لا نحتاج إلى محاكمات في الشوارع ولا إلى تصنيف التونسيين إلى بشر يستحقون الحياة وآخرين لا يستحقونها بل إلى مؤسسات تجعل الفساد صعبا ومكلفا وتجعل النزاهة والكفاءة طريقا أكثر جدوى.
فالمشكلة ليست في وجود أشخاص سيئين فحسب بل في وجود أنظمة تسمح للسيئ بأن ينجح وللكفء بأن يتعب وللنزيه بأن ينسحب وللمجتهد بأن يكتشف بعد سنوات أن الطابور كان مسرحية وأن الفائز حُدد قبل بداية السباق.

ومع ذلك لا أريد أن تتحول خيبتي إلى كراهية للمجتمع ولا أن يصبح احتقاري للفوضى احتقارا للفقراء أو للمهمشين أو لكل من لم تسعفه الظروف كي يتعلم ويتقدم، فالدولة التي تعاقب الناس على نتائج فشلها ليست دولة قوية بل دولة عاجزة تبحث عن ضحايا تعلق عليهم أخطاءها.يحب أن نمنح الناس فرصة عادلة ثم نطالبهم باحترام القواعد نفسها التي يخضع لها الجميع.
ربما لا نستطيع تغيير تونس كلها دفعة واحدة لكننا نستطيع أن نبدأ بتغيير الأجزاء التي نملك القدرة على تغييرها وأن نبني مؤسسات ناجحة وننظم قطاعات مهنية وننشئ مدنا تحترم الإنسان والقانون ثم نترك للنتائج أن تتحدث.
فالنجاح الذي يراه الناس بأعينهم أقوى من ألف خطبة والمؤسسة التي تنجز أقوى من حزب يوزع الوعود والمدينة التي تمنح سكانها حياة كريمة أبلغ من كل الشعارات الوطنية المعلقة على الجدران.
تعبت تونس من الذين يريدون إصلاحها بالكلام ومن الذين يريدون حكمها بالنيات ومن الذين يطلبون من المواطن أن يصبر إلى الأبد بينما يتقاسمون هم ثمار صبره.
لسنا مضطرين إلى انتظار معجزة جماعية. علينا أن نبدأ من حيث يمكن البدء وأن نوسع دائرة النجاح وأن نحرر الدولة من المحسوبية وأن نعيد الاعتبار للكفاءة والإنتاج والمسؤولية.
فالأوطان لا تنهض لأن جميع أبنائها أصبحوا صالحين فجأة بل لأنها تبني مؤسسات تمنع الفاسد من التحكم في مصائرهم وتمنح الكفء فرصة للعمل وتجعل القانون أقوى من النفوذ.

وربما كانت المأساة التونسية أننا أمضينا وقتا طويلا ننتظر أن يتغير الناس حتى نبني الدولة بينما كان علينا أن نبني دولة تجعل التغيير ممكنا وتحميه من الذين يخافون منه وتمنحه فرصة كي يتكاثر.
لا أريد تونس مثالية يسكنها ملائكة بل دولة طبيعية لا يحتاج فيها المواطن إلى أن يكون بطلا كي يعيش بكرامة ولا يحتاج فيها الكفء إلى واسطة كي ينجح ولا يحتاج فيها القانون إلى إذن من أحد كي يُطبَّق.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال