بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

تعمّق الهيمنة الفرنسيّة على التعليم في تونس

2026-08-13 165 قراءة مقالات رأي عبد المنعم حواس
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
بالنظر إلى ارتفاع عدد مؤسّسات التعليم (مدارس، معاهد) التي تعتمد المناهج الفرنسيّة في تونس إلى 32 (مقابل 12 سنة 2024 و9 سنة 2018) واستقطابها أزيد من 20 ألف تلميذ، فإنّ إنفاذ سياسة تعزيز حضور اللغة الفرنسيّة في الجامعة التونسيّة بداية من السنة الجامعيّة الآتية إجراءٌ منطقي. منطقي ضمن السيطرة الفرسيّة المنهجيّة مقابل التبعيّة التونسيّة الفاسدة.

تتأتّى في هذا الإطار عمليّة ضخّ فرنسا مليونَي يورو في التعليم العالي التونسيّ، بغطاء المسمّيات التي نمّق الطرفان، والتي تبدو أشبه بتفويت الدولة التونسيّة بالدينار الرمزي، لكن ليس في أرض أو عقّار هنا، بل في ثروتها البشريّة. وليتها كانت مليونَي يورو لسنة واحدة، فالحال أتعس: لقد تمّ ضخّها على امتداد أربع سنوات من 2023 إلى 2026، أي بمعدّل 500 ألف يورو في السنة، وهو مبلغ بخس.. بل حتّى الإجمالي زهيد، بالكاد يغطّي مصاريف دراسة عشرة طلّاب بإحدى الجامعات الغربيّة المرموقة، لكن فرنسا بهذا المبلغ وبأقلّ منه – بحسن استعداد تونس البروقنصليّة لخدمتها – تحصد المئات وحتّى الآلاف من خريجي جامعاتنا سنويًا ليعزّزوا اقتصادها، ويثري بعضهم نشاطها في البحث العلميّ. أ ليس هذا أشبه بالتفويت بالدينار الرمزيّ.. "ها أمّا امّيمتي قدّاش رخصنا" اقتباسًا لتقهّر شخصيّة من مسلسل.

بعيدًا عن اللغة الخشبيّة ل"التعاون المتواصل" و"تحديث التعليم"، يتأتّى هذا المبلغ وغيره مقابلًا بخسًا لإقرار الجامعة التونسيّة تقديم اللغة الفرنسيّة في مناهجها وتجعلها حاملًا لنيل شهادة التخرّج، لتأتي فرنسا هنا وتستقطب المتفوّقين من خرّيجي الطبّ والهندسة بمجالاتها، مقتطفةً الثمار دون منافسة ذات بال، بحكم أنّ اعتماد اللغة الفرنسيّة – لا الإنجليزيّة العالميّة – يضيّق الآفاق على الخريّجين ويجعل فرنسا وبعدها كندا، بمراحل، الوجهتين الأساس للراغبين بالهجرة منهم، وهُم الغالبيّة بحكم تحولّ البلد عمومًا إلى بيئة طاردة. أمّا من يبقى، خصوصًا دارسو الآداب والعلوم الإنسانيّة، فنسبة خطيرة منهم تتخرّج وتتدرّج تابعة فكريًّا لفرنسا، وتتبوّأ المناصب السياسيّة والمدنيّة والأكاديميّة في البروقنصليّة لتكريس واقع التبعيّة هذا.

ليت مشهد البشاعة والرخص يتوقّف هنا. إنّه متشعبّ مستشري كما السرطان في مراحله الأخيرة، تستلزم الإحاطة به مجلّدات من البحوث. لكن سأتوقّف عند مشهدين في التعليم الأساسيّ والثانويّ أختتم بهما، التعداد الكبير المتفاقم للمدارس الفرنسيّة المذكورة آنفًا، ومناهجها الشنيعة الخبيثة التي رأينا منها نصًّا يحرّض على الإلحاد والشذوذ الجنسي. لكن لا تظنّن أنّ تلميذ التعليم العمومي في مأمن. المشهد الثاني أنّ مناهج التعليم العمومي بدورها تصوغها الفئة الخطيرة المذكورة أعلاه، التابعة لفرنسا، بمعيّة فرنسا. فإضافة إلى تعداد الساعات المهدرة في تعليم الفرنسيّة. لك أن تصفّح المناهج ستجدها منتنة بالفكر النسويّ والقيم الغربيّة، ستجد فيها نصوصًا للضالّة المريضة نوال السعداوي ومن لفّ لفّها.. فخراب الأسرة والمجتمع التونسيّ ليس متأتّيًا من فراغ.. وهذا باب من ضمن أبواب تحتاج تفصيلًا لا يحتمله المقال.

إنّ التفويت بالدينار الرمزي جارٍ دارج أينما ولّيت بصرك في تونس البروقنصليّة، وهي في يد الفئة التابعة لفرنسا أرخص ممّا كان عليه 'ابراهيم الأبيض' عند صاحبه 'عشري' إذ خانه وباعه.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال