بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

«نَفَس»: هل نعيد إنتاج الفشل أم نصنع بديلاً لتونس؟

2026-08-25 9 قراءة مقالات رأي حسام سعايدية
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
من حقّ كل القوى السياسية والمدنية أن تبحث عن مخارج للأزمة التونسية، وأن تسعى إلى تجميع أوسع ما يمكن من الطاقات في مواجهة الاستبداد واستعادة المجال السياسي والمدني. لكن من حقنا، في المقابل، أن نسأل بوضوح: ما الذي يجعلنا نعتقد أن مبادرة جديدة ستنجح حيث فشلت مبادرات سابقة؟ وما الذي تغيّر فعلاً حتى لا نعيد إنتاج الفشل نفسه تحت عنوان جديد؟

إن استدعاء تجربة 18 أكتوبر للمقارنة مع مبادرة «نفس» يقتضي قدراً كبيراً من الدقة السياسية. فمبادرة 18 أكتوبر لم تكن مجرد جمع لأطراف مختلفة أيديولوجياً تحت سقف واحد، بل كانت نتاج لحظة سياسية خاصة. لقد اجتمعت فيها قوى متباينة، بل ومتعارضة فكرياً، لكن اختلافاتها كانت في معظمها اختلافات أيديولوجية وسياسية بين أطراف وجدت نفسها، بدرجات متفاوتة، في مواجهة منظومة حكم واحدة. وكان أغلب الفرقاء حينها من ضحايا مراحل الحكم السابقة، ولذلك استطاعوا، رغم ثقل الذاكرة والخلاف، أن يجدوا أرضية مشتركة للالتقاء.

والأهم من ذلك أن مكونات 18 أكتوبر كانت واضحة، منذ البداية، في تحديد موقعها من منظومة الحكم ومن طبيعة المعركة السياسية. كان الخصم واضحاً، وكانت أسباب الالتقاء واضحة، وكانت المواقف الأساسية من المرحلة محددة. ولذلك أمكن للاختلاف الأيديولوجي أن يُدار داخل مساحة سياسية مشتركة، دون أن يتحول إلى غموض في تحديد المسؤوليات أو إلى تناقض في طبيعة المشروع.

أما اليوم، فإن مقارنة ذلك السياق بمبادرة «نفس» لا تخلو من قدر كبير من التبسيط. فهذه المبادرة لا تجمع فقط بين أطراف تختلف أيديولوجياً، بل تجمع أيضاً بين أطراف تختلف في موقعها من التاريخ السياسي القريب وفي مسؤوليتها عن المراحل السابقة. إنها تجمع خصوماً من مراحل حكم مختلفة، وأطرافاً كانت في مواقع متعارضة، بل وتضم من ساهم، بدرجات متفاوتة، في صناعة المناخ السياسي الذي مهّد لمسار 25 جويلية أو في توفير شروط قبوله وتبريره.

وهنا يصبح السؤال أكثر من مشروع: كيف يمكن بناء مستقبل سياسي مشترك قبل حسم الموقف من الماضي؟

إن تجاوز الخلافات لا يعني القفز فوق المسؤوليات، والمصالحة السياسية لا تعني محو الذاكرة، والعمل المشترك لا يعني أن يصبح الجميع، فجأة، متساوين في المسؤولية عما وصلنا إليه. فمن حق التونسيين أن يعرفوا كيف يقرأ كل طرف تجربته، وماذا يقول اليوم عن خيارات الأمس، وما إذا كان مستعداً لتحمل نصيبه من المسؤولية السياسية والأخلاقية.

ففي 18 أكتوبر، اجتمع المختلفون رغم اختلافهم، لأن هناك وضوحاً نسبياً في تحديد طبيعة المعركة وموقع كل طرف منها. أما اليوم، فإن جزءاً من الإشكال يكمن في أن بعض من يجتمعون تحت سقف «نفس» لم يحسموا، إلى الآن، موقعهم من التجارب السابقة، ومن المسار الذي أوصل البلاد إلى ما بعد 25 جويلية.

والأخطر من ذلك أن اللغة السياسية القديمة لم تختفِ.

فلا يزال بعض الفاعلين في هذا الفضاء يتحدثون بالمنطق نفسه: نحن ضد قيس سعيد، لكن هذا لا يعني أننا مع النهضة، أو: نحن ضد الاستبداد، ولكن...

وهنا يجب التوقف عند هذه الـ«لكن» التي تبدو، في ظاهرها، مجرد تحفظ سياسي، لكنها تكشف في جوهرها أن جزءاً من العقل السياسي القديم ما يزال حاضراً. فإذا كان رفض الاستبداد يحتاج، في كل مرة، إلى إعلان البراءة من طرف سياسي بعينه، فإننا لم نغادر بعد منطق الإقصاء الذي ندّعي تجاوزه.

من حق أي طرف أن يختلف مع النهضة، وأن يعارضها وينتقد تجربتها بأشد العبارات. بل إن النقد والمراجعة جزء أساسي من أي حياة سياسية سليمة. لكن لا يمكن، في الوقت نفسه، أن نبني جبهة للدفاع عن الديمقراطية بينما يستمر التعامل مع طرف سياسي بعقلية التحفظ الدائم، وكأن الدفاع عن حقه في الحرية والوجود السياسي يحتاج إلى تبرير إضافي.

لا يحتاج رفض الاستبداد إلى شهادة براءة من النهضة، كما لا يحتاج الدفاع عن أي ضحية للظلم إلى إعلان أنك لا تنتمي إلى خلفيته السياسية.

فالمبدأ إما أن يكون الدفاع عن الحقوق والحريات للجميع، أو يتحول إلى دفاع انتقائي يفقد معناه عند أول اختلاف سياسي أو أيديولوجي. ولا يمكن لمبادرة أن تدّعي تجاوز الإقصاء، بينما لا يزال بعض فاعليها يحتاج إلى إعلان مسافة سياسية من طرف معين كلما أعلن رفضه للاستبداد.

ثم إن الإشكال لا يقف عند مستوى الخطاب، بل يمتد إلى مستوى الممارسة. فالقائمون على مبادرة «نفس» يرفعون شعارات الدفاع عن الجميع، والقبول بالجميع، والانفتاح على الجميع. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يلمس الجميع هذا الانفتاح فعلاً؟

لأن هناك فرقاً بين أن تقول إن الباب مفتوح للجميع، وبين أن يشعر الجميع بأنهم موضع قبول وشراكة حقيقية. وهناك فرق بين قبول الجميع نظرياً وبين منح الجميع، عملياً، نفس الاعتراف، ونفس مساحة الحضور، ونفس الاهتمام، ونفس الحق في التأثير وصياغة القرار.

فالتحالف الحقيقي لا يُبنى على أن يكون طرف في المركز والبقية حوله، ولا على أن يتحول البعض إلى شركاء كاملين والبعض الآخر إلى مجرد أرقام تُستدعى عند الحاجة إلى توسيع الصورة وإضفاء صفة الشمول.

الانفتاح لا يُقاس بالشعار، بل بالممارسة. والقبول لا يُقاس بالبيانات، بل بالسلوك. والدفاع عن الجميع لا يُقاس بما نقوله عنهم، بل بما نفعله عندما يتعلق الأمر بحقوقهم ومكانتهم وحضورهم.

لكن السؤال الأعمق الذي ينبغي أن تواجهه مبادرة «نفس» لا يتعلق فقط بمن اجتمع فيها، بل بما تريد أن تقدمه لتونس.

فالمبادرة ترفع طموحاً كبيراً حين تتحدث عن بناء «نموذج حضاري للبلاد والعباد». وهو طموح مشروع، بل إن المرحلة في حاجة إلى ما هو أكبر من مجرد اصطفاف سياسي عابر. لكن الطموح الكبير يحتاج إلى إجابات كبيرة وواضحة.

ما هو هذا النموذج الحضاري؟ وما مضمونه؟

ما تصور «نفس» للاقتصاد؟ وللدولة؟ وللتعليم؟ وللصحة؟ وللعدالة الاجتماعية؟ وللتنمية الجهوية؟ وللشباب؟ وللثقافة؟ وللعلاقة بين الحرية والعدالة والتنمية؟ وما هو تصورها لمكانة تونس في محيطها الإقليمي والدولي؟

أم أننا سنعود، مرة أخرى، إلى منطق المعارضة الكلاسيكية: نعرف جيداً ما نرفضه، لكننا لا نمتلك الجرأة نفسها لتحديد ما نريده؟

لقد اعتادت المعارضة، في كثير من المحطات، على الاحتماء بعبارة: نحن لسنا في الحكم حتى نقدم برنامجاً. وكأن المعارضة معفاة من الإجابة عن الأسئلة الكبرى، وكأن وظيفتها تنتهي عند نقد السلطة وانتظار فشلها.

لكن الحقيقة أن المعارضة التي لا تملك مشروعاً للحكم ليست بديلاً، بل مجرد خصم للسلطة.

والفرق بين الاثنين كبير.

من حق «نفس» أن تعارض قيس سعيد، وأن تواجه الاستبداد، وأن تدافع عن الحريات. لكن من حق التونسيين أيضاً أن يسألوا: وماذا بعد قيس سعيد؟

ماذا ستفعلون بالاقتصاد المنهك؟ كيف ستتعاملون مع أزمة الجهات الداخلية؟ ما تصوركم للشباب الذي فقد الأمل في السياسة والعمل والحياة العامة؟ ما البديل في التعليم والصحة والتنمية؟ كيف ستعيدون بناء الثقة بين الدولة والمجتمع؟ وكيف ستمنعون إعادة إنتاج الأزمة نفسها بأسماء جديدة؟

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه «نفس» هو أن تتحول إلى جبهة ضد رجل، بدل أن تكون مشروعاً من أجل وطن.

فإسقاط الاستبداد، على أهميته، ليس مشروعاً حضارياً في حد ذاته. واستعادة الديمقراطية ليست نهاية المعركة، بل بدايتها. أما المشروع الحقيقي فهو الذي يجيب عن السؤال الأصعب: أي تونس نريد بعد الديمقراطية؟

وإذا كانت المبادرة تريد فعلاً تجاوز منطق المعارضة الكلاسيكية، فعليها أن تتجاوز أيضاً نضال المركز من أجل المركز.

لقد اعتادت القوى السياسية والنخب، في محطات كثيرة، أن تمارس السياسة داخل العواصم والمدن الكبرى، وفي القاعات والفنادق والندوات والمؤتمرات الصحفية، ثم تنتظر من الناس أن يلتحقوا بها. وكأن الشعب يوجد دائماً في الخارج، ينتظر أن تصله دعوة من المركز.

وهنا يطرح سؤال لا يقل أهمية عن كل الأسئلة السابقة: لمن تتحدث «نفس»؟

هل ستظل السياسة محصورة في العاصمة وبين النخب والقيادات والفاعلين السياسيين؟ أم أن المبادرة ستذهب إلى الدواخل والأطراف والجهات التي عاشت التهميش لعقود؟

لماذا لا تذهب «نفس» إلى الكاف والقصرين وسيدي بوزيد وقفصة والقيروان وتطاوين وسائر الجهات الداخلية، لا لتلقي خطاب سياسي، بل للاستماع؟

لماذا لا تعقد لقاءاتها في الأحياء الشعبية والقرى والمناطق المنسية؟ لماذا لا تجعل المواطن في الداخل شريكاً في صياغة مشروعها، بدل أن يكون مجرد جمهور يُستدعى لاحقاً للتصفيق أو التوقيع أو الاحتجاج؟

إن من يريد بناء «نموذج حضاري للبلاد والعباد» لا يمكن أن يصنعه من المركز وحده.

تونس ليست العاصمة فقط، وليست الأحزاب فقط، وليست النخب التي تتبادل الكلمات في القاعات المغلقة. تونس أيضاً هي الجهات المنسية، والقرى البعيدة، والشباب العاطل، والفلاح، والعامل، والمرأة في الريف، وكل من لم يجد لنفسه مكاناً في السياسة القديمة.

لقد أثبتت التجربة أن النخب لا تستطيع أن تصنع وحدها مشروعاً وطنياً ثم تطلب من الشعب أن يمنحه الشرعية. فالمشروع الوطني الحقيقي يُبنى مع الناس، ومن الناس، وفي أماكن عيشهم، ومن خلال فهم معاناتهم وتطلعاتهم.

المعارضة الكلاسيكية تستدعي الناس إلى المركز، أما المشروع الوطني الحقيقي فيذهب إليهم حيث هم.

إن الامتحان الحقيقي لمبادرة «نفس» لن يكون في عدد الأسماء التي تنضم إليها، ولا في حجم البيانات التي تصدر عنها، ولا في قدرتها على جمع شخصيات مختلفة حول طاولة واحدة. سيكون امتحانها الحقيقي في قدرتها على النزول من المركز إلى الهامش، ومن الخطاب إلى المشروع، ومن الاحتجاج على الواقع إلى تقديم بديل عنه، ومن الحديث باسم الناس إلى الحديث معهم والاستماع إليهم.

لهذا فإن نجاح مبادرة «نفس» لا يمكن أن يكون مجرد نتيجة لحسن النوايا أو لجمال العنوان. نجاحها مرهون بقدرتها على الإجابة بوضوح عن الأسئلة التي لم يعد ممكناً تأجيلها:

ما موقفها الحقيقي من التجارب السياسية السابقة؟
كيف تقرأ مسؤوليات الأطراف التي ساهمت في الوصول إلى 25 جويلية؟
هل تجاوزت فعلاً منطق الاستثناء والإقصاء؟
هل تقبل الجميع بالفعل أم بدرجات متفاوتة؟
هل تمتلك مشروعاً متكاملاً لتونس أم مجرد موقف من السلطة؟
وهل ستظل نخبوية تنتظر الناس في المركز أم ستذهب إليهم في الدواخل والأطراف؟

هذه ليست أسئلة لتعطيل المبادرة، بل هي أسئلة لإنقاذها من أن تتحول إلى تجربة أخرى تضاف إلى قائمة التجارب التي بدأت بشعارات كبيرة وانتهت دون أثر يوازي حجم الطموح.

فمن يريد أن يتعلم من تجربة 18 أكتوبر لا ينبغي أن يكرر اسمها، بل أن يفهم شروطها وسياقها وحدودها. ومن يريد بناء تحالف جديد لا يكفيه أن يجمع أطرافاً متفرقة في قاعة واحدة.

فليس كل اجتماع وحدة، وليس كل بيان جبهة، وليس كل شعار مشروعاً.

إن أكبر خطر على مبادرة «نفس» ليس اختلاف مكوناتها، فالاختلاف يمكن أن يكون مصدر قوة إذا كان قائماً على الوضوح والنقد المتبادل والاحترام الحقيقي. الخطر الحقيقي هو التظاهر بتجاوز الخلافات بينما تظل الحسابات القديمة حاضرة، والتظاهر بالانفتاح بينما يستمر الاستثناء في الممارسة، والتظاهر بالقطع مع الماضي بينما يرفض البعض تحمل مسؤوليته عنه، والتحدث عن المستقبل دون امتلاك تصور واضح له.

وإذا كانت مبادرة 18 أكتوبر قد فشلت، فإن السؤال اليوم ليس: كيف نعيد إنتاجها؟ بل: ماذا تعلمنا من فشلها؟

أما إعادة جمع المختلفين تحت عنوان جديد، مع الاحتفاظ بنفس الحسابات والعقد ومنطق التحفظ والاستثناء، ودون وضوح حقيقي في المسؤوليات والمواقف، ودون مشروع وطني يتجاوز مجرد معارضة السلطة، فلن تكون بداية جديدة.

بل ستكون إعادة إنتاج للفشل باسم جديد.

أما إذا امتلكت «نفس» شجاعة النقد الذاتي، ووضوح الموقف، وجرأة الإجابة عن الأسئلة الكبرى، وقدرة حقيقية على تجاوز الإقصاء، ونزلت من نخب المركز إلى عمق البلاد، وجعلت من التونسيين شركاء في صياغة مشروعهم لا مجرد جمهور يُستدعى إليه، عندها فقط يمكن الحديث عن مبادرة مختلفة.

لأن تونس لا تحتاج اليوم إلى معارضة جديدة فقط، بل إلى مشروع جديد. ولا تحتاج إلى جبهة ضد قيس سعيد فحسب، بل إلى قوة سياسية وفكرية واجتماعية تملك تصوراً حقيقياً لما بعده.

فالسؤال ليس فقط: كيف نُنهي ما هو قائم؟
السؤال الأهم: ماذا سنبني بعده، ومع من، ولأي تونس؟
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال