استلمت ردود ورسائل وهواتف على مقالتي التي كانت بعنوان " لم يسيئ أحد للشيعة قدر إساءة الفرس لهم ". نعم هذه الخاطرة كامنة في فكري منذ زمن بعيد، وقد تحدثت بها لبعض الأصدقاء في الثمانينات، ممن هم بعيدين كل البعد عن الهوس الطائفي الذي يجتاح الكثيرين، وكنت قد توصلت لقناعة صارحت بها بعض أصدقائي المقربين، ولعل بعضهم يقرأ هذه المقالة ويتذكرها بالضبط لأني استخدمت حينها كلمات لوذعية لا تنسى. حيث أكدت أن الدبكة الدينية ستتلاشى، ومنحتها فترة 45 / 50 سنة، ولحس الحظ، أن التيار الديني السياسي الذي سفك أنهاراً من الدماء أكثر بكثير من زمن الرسالة الإسلامية في عهد الرسول والصحابة، الآن في تراجع ملحوظ كما كنت قد توقعت وسيتلاشى، ويصبح من الماضي. لأنهم يصرون على مطالعة وبحث مواضيع اليوم، بعقلية ما قبل القرون الوسطى ...
ما هي حجتي في هذا، لاحظ عزيزي القارئ، أن الفكر السياسي الاسلامي في العصر القديم والوسيط، شهد حركات سياسية ونظريات عمل ناضجة ومحترمة ليومنا هذا، كالخوارج، والمعتزلة والمرجئة وغيرهم كثير، وارائهم بلغت درجة رفيعة من النضج، رغم بساطة الحياة يومذاك،. ولكننا نلاحظ أن الحركات السياسية الدينية الحالية، وأنا على اطلاع جيد / دقيق على معظمها، أنها لم تستطع أن تتحول إلى حركات شعبية جماهيرية، فبقيت أسيرة خطابها الديني، الطائفي غالباً، وناصبوا العداء (وهذا خطأ فادح) للحركات القومية والاجتماعية (الاشتراكية) وبهذا اصطفوا في حمأة العداء للأمة مع قوى أجنبية / خارجية، فأغلقوا بأنفسهم أفقهم الفكري والسياسي، ولم يتمكنوا من التقدم للأمام رغم أنهم كانوا قد وجدوا في الجماهير الفقيرة، الغاطسة في الجهل، خير معين لهم، وحققوا المكاسب في أكثر من ساحة وميدان.
ومرات عديدة أخاطب فيها قيادات من حركة الاخوان المسلمين(والحق انهم يمتلكون نضجاً آيديولوجياً أكثر من غيرهم) وقدرة أفضل على خوض المناقشات المفيدة (تقريباً) وبإجراء مقاربات مختصرة وسريعة، لكنها مقنعة، نجد أن حركة الاخوان وقيادتهم العالمية، رغم أنهم واجهوا حملات قمع وتصفيات مؤلمة وكبيرة، إلا أنهم نجحوا نجاحا باهراً مقنعاً في بلدين مهمين: تركيا وماليزيا، ففي هذين البلدين نجح الإسلام السياسي في تسجيل نجاحات خارقة بسبب احترامهم لأفكار الغير، واختفاء مظاهر ومؤشرات فرض ومصادرة أراء وقناعات الآخرين، واحترامهم لصندوق الانتخابات، ولأتجاهات الرأي العام فنجحوا نجاحاً باهراً وتمكنوا من نقل هذان البلدان(تركيا وماليزيا) إلى مواقع متقدمة سياسياً واقتصادياً نقلوهما لمصاف الدول الصناعية المهمة. وهو نجاح يحسب لهم، ولكن التجربة الناجحة بحاجة لدراسة وتقييم، وتعميم ...!
وفي هذه المرحلة الحساسة، يحق لكل مراقب موضوعي أن يدلي برأيه، أن مشروع، إحالة البشر ومشاعرهم إلى فقرة في برنامج السياسي، هو عمل قمعي مستنكر ومرفوض، وسوف لن يلقى النجاح على المدى البعيد. إن حقق تقدماً محسوساً، إلا أنه سيضل هامشياً، لأن المشروع الديني / الطائفي، ومحتوياته التي لا يمكن تعميمها بحال من الاحوال حتى على فئات من داخل بلادهم. وأن الموقف الثقافي / الحضاري، قد قطع أشواطاً كهمة، يصعب وضع الجماهير وآمالها وطموحها، في قوالب كونكريتية جاهزة مسبقة الصنع.
هذا المشروع الذي يريدون تحقيقه بالحديد والنار، هو مشروع مرفوض، وبأي حق تريد فرضه على ملايين البشر، ترفضه جملة وتفصيلاً. وإيران هي من يدير هذا المشروع الدموي الاعتدائي، وهي من تسيئ للشيعة وللإسلام إساءة بالغة وعميقة وجذرية، سيدفع ثمنها الشيعة بالدرجة الأولى حيثما كانوا في أوطانهم الأصلية، أو في تلك التي هاجروا إليها، أو التي سيهاجرون إليها، والسلطات في أوربا وفي غيرها، يعلمون علم اليقين، وهذا مثبت في دوائر الاقامة والجوازات ودوائر العمل، أن المذهب " البدعة الباطلة / ولاية الفقيه " إنما تضع أي شيعي في العالم وتصنفه كإرهابي احتياط، ينفذ ما يؤمر به كالمنوم مغناطيسياً، وقد شحنت جمجمته بخرافات ما أنزل الله بها من سلطان. وقد غدا إنساناً ليس سوياً، بل كجهاز روبوت(إنسان آلي) يسير بواسطة جهاز التوجيه عن بعد، (الرموت كونترول).
نظام ملالي طهران أعتدى على 12 دولة أو أكثر خلال الحرب التي شنت عليهم من دولتين، بالطبع ليس كل الشيعة هم من اتباع ولاية الفقيه، وبل والكثيرين منهم يدركون ابعاد هذه السطور ويتأسفون على ما يدور، ولكن كيف يقنع الشيعي ضابط البوليس في دولة أوربية أو عربية، أنني غير معني بولاية الفقيه ولا بغيره، أنا معني بنفسي فحسب ...! فيعاقبون هذا بجريرة ذاك، وهذه مسألة ليست سهلة، وهناك دول بدأت تطبق هذه القاعدة. لذلك فالشيعة في أوربا ينأون بأنفسهم عن مسارات الشبهة، فهو معني بمدرسة أطفاله، ومعني أن يكون مقبولاً من جيرانه، وأن لا يكون موضع شبهة.
النتيجة وخيمة، فالشيعة أول من يستجيب للنشاطات التبشيرية، ويتكون التشيع ويلجأون للمسيحية، ومعظمهم (الغالبية العظمى) عن قناعة تامة، بل من يتزعم حملة التبشير للنصرانية هم شيعة إيرانيون، ولبنانيون. وفي معسكر للاجئين تشاهد وتسمع العجب العجاب.. وتصدم بأرقام واحصاءات مؤسفة ... لا أريد الخوض فيها، فليس من أهداف إقناع أحد بدعاية إسلامية ولا شيعية، إنما أؤكد على أن التشيع الصفوي / ولاية الفقيه، ألحقت الضرر البالغ بالشيع الصفوية أنفسهم مع اخوانهم وشعوبهم أولاً وفي المهاجر ثانياً.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
رد على تساؤلات القراء
2026-10-01
9 قراءة
مختلفات
د. ضرغام عبد الله الدباغ
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال