بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

قانون الصرف: حين تصبح الدولة حارسة على الفقر بدل أن تكون بوابة للثروة.

2026-09-20 93 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
قانون الصرف: حين تصبح الدولة حارسة على الفقر بدل أن تكون بوابة للثروة.
هناك ملفات في تونس لا تبقى مغلقة لانها صحيحة بل لان احدا لا يريد الاقتراب منها.
ملفات تدفن تحت طبقات من النصوص والمناشير والاجراءات واللجان حتى يصبح المواطن نفسه عاجزا عن معرفة اين يبدأ حقه واين تنتهي سلطة الادارة.
وقانون الصرف واحد من هذه الملفات وربما يكون من اكثرها حساسية لانه ليس مجرد قانون تقني ينظم حركة العملات بل هو في جوهره قانون ينظم علاقة الاقتصاد التونسي بالعالم وعلاقة المواطن التونسي بالسوق الدولية وعلاقة الدولة بالعملة الصعبة وعلاقة الشباب التونسي بفرص عمل لم تعد تحتاج بالضرورة الى مصنع ذي مدخنة ولا الى مكتب في باريس ولا الى هجرة عبر البحر.

القانون عدد 76-18 المؤرخ في 21 جانفي 1976 ولد في زمن اقتصادي مختلف جذريا عن الزمن الذي نعيشه اليوم. كان الاقتصاد العالمي آنذاك يقوم بدرجة كبيرة على التجارة المادية وكانت الخدمات العابرة للحدود محدودة وكانت التكنولوجيا لا تسمح لشخص يجلس في فصة او سيدي بوزيد او صفاقس او تونس ان يبيع خلال دقائق خدمة برمجية او تصميما او استشارة لشركة في الولايات المتحدة او فرنسا او الخليج.
اليوم تغير العالم بصورة جذرية لكن السؤال الذي يجب ان يطرح في تونس ليس هل تغير العالم فهذا امر لم يعد يحتاج الى برهان بل هل تغيرت فلسفة الدولة بالسرعة نفسها؟
وهنا تبدأ المسألة الحقيقية.

تونس تعاني بطالة بلغت 14.9 % في الثلاثي الثاني من سنة 2026 اي ما يعادل 622.4 الف عاطل، فيما بلغت بطالة الشباب بين 15 و24 سنة 35.4 % وبلغت بطالة خريجي التعليم العالي 26.6 % وفق الارقام الواردة في المادة الاصلية نقلا عن المعهد الوطني للاحصاء.

ثم نسأل لماذا يريد الشباب الهجرة ؟؟ ولماذا تغادر الكفاءات؟ و لماذا لا تتوسع قاعدة المؤسسات ؟؟؟ و لماذا لا تدخل العملة الصعبة بما يكفي ؟؟؟ و لماذا يشتغل جزء من الشباب مع الخارج عبر منصات وانظمة مالية اجنبية؟؟؟
ثم نعقد مؤتمرا جديدا حول التحول الرقمي ونصدر بيانا جديدا عن الاقتصاد المعرفي ونعلن ان تونس تريد ان تلتحق بالثورة التكنولوجية.
لكن الاقتصاد لا يعيش بالبيانات والشباب لا يعيش بالمؤتمرات والعملة الصعبة لا تدخل البلاد بالشعارات.

المشكلة ليست فقط ان لدينا قانونا قديما ،المشكلة الاعمق ان لدينا اقتصادا تغير بسرعة اكبر من قدرة المنظومة الادارية والمالية على التكيف معه.
القانون القديم يمكن تعديله لكن العقلية التي تنظر الى العملة الصعبة باعتبارها شيئا يجب حراسته من المواطن بدلا من النظر اليها باعتبارها موردا يجب مساعدة المواطن المنتج على جلبه الى تونس بصورة قانونية وشفافة هي المشكلة التي تحتاج الى مراجعة جذرية.
يجب هنا وضع حد للخلط الذي يفسد النقاش كله.
هناك مواطن قد يحاول اخراج اموال مجهولة المصدر او اجراء عمليات مالية مشبوهة وهناك مهندس او مطور برمجيات او مصمم او مترجم او مستشار يعمل بعقد مع شركة اجنبية ويتلقى مقابلا عن خدمة حقيقية.
لا يجوز وضع الاثنين في السلة نفسها.

مكافحة غسل الاموال ضرورية و الرقابة على الصرف ضرورية و معرفة مصدر الاموال ضرورية لكن الرقابة الاقتصادية الذكية لا تعامل الجميع باعتبارهم خطرا واحدا بل تميز بين المخاطر وتحدد درجة الرقابة وفقا لطبيعة العملية ومصدر الاموال وحجمها وسلوك الحساب.

المستقل الذي يصدر خدمة رقمية ليس عدوا للدولة بل هو مصدر محتمل للعملة الصعبة.
والشركة الناشئة التي تبيع خدمة الى الخارج ليست ثغرة امنية إنما شركة تصدير.
والمستشار الذي يعمل من تونس مع مؤسسة اجنبية ليس مهاجرا افتراضيا إنما مصدر لصادرات الخدمات.
هذه هي اللغة التي يجب ان تدخل بها الدولة الى الاقتصاد الجديد.

المشكلة ليست في وجود الرقابة بل في نوعية الرقابة فالدولة الحديثة لا تلغي الرقابة بل تجعلها اكثر ذكاء فتشدد على العمليات غير العادية والمشبوهة وتبسط في المقابل العمليات الصغيرة والموثقة والمنخفضة المخاطر.

هنا تظهر المفارقة بصورة اكثر قسوة.
في تونس تبلغ بطالة الشباب 35.4 % وفقا للارقام الواردة في المادة وفي الهند بلغت صادرات خدمات البرمجيات 190.7 مليار دولار خلال 2023-2024 منها نحو 171.3 مليار دولار عبر التوريد العابر للحدود بينما بلغت الخدمات المقدمة خارج موقع العميل نحو 171.6 مليار دولار.

توقفوا عند المعنى قبل الرقم.

العالم اكتشف منذ سنوات ان العامل لا يحتاج بالضرورة الى السفر حتى يصدر عمله.
المهندس يستطيع ان يبقى في بلده و المبرمج يستطيع ان يبقى في بلده و المصمم يستطيع ان يبقى في بلده و المحاسب يستطيع ان يبقى في بلده و المستشار يستطيع ان يبقى في بلده.
وكل ما يحتاجه هو منظومة تسمح له بالتعاقد مع الخارج واصدار الفاتورة وقبض مستحقاته والتصريح بها ودفع الضرائب المستوجبة عليه واستعمال النظام البنكي بصورة قانونية وسريعة.

الهند لم تبن صناعة خدماتها الرقمية بالوعظ بل بنتها بالمنظومة.وهنا يجب ان يقال الكلام بوضوح
من لا يرى المستقل مصدرا محتملا للتصدير لم يفهم بعد كيف تغيرت التجارة العالمية.
فالمصنع في الاقتصاد الجديد قد يكون حاسوبا والميناء قد يكون شبكة الانترنت والبضاعة قد تكون برمجية والخدمة قد تكون ساعة استشارة والعميل قد يكون في نيويورك بينما المنتج جالس في تونس.
وهذه ليست فلسفة ادبية بل تجارة عالمية قائمة بالفعل.

لنأخذ المغرب لا لكي نقول ان علينا نسخ تجربته حرفيا ولا لكي نحول المقارنة الاقتصادية الى مسابقة وطنية بل لكي نفهم كيف تفكر دولة في التصدير.
وفقا للمادة الاصلية وضعت خارطة الطريق المغربية للتجارة الخارجية للفترة 2025-2027 اهدافا كمية من بينها استهداف 400 مصدر جديد سنويا وزيادة الصادرات بـ80 مليار درهم وخلق 76 الف موطن شغل مع برامج لمرافقة المصدرين ودعم النفاذ الى الاسواق والتأمين على التصدير.

المهم هنا ليس الرقم المغربي وحده بل فلسفة الدولة.
السؤال ليس فقط كيف نمنع؟
السؤال يصبح كيف نزيد عدد المصدرين؟
كيف نفتح الاسواق؟ كيف نرفع قيمة الصادرات؟ كيف نخلق الوظائف؟ كيف نؤمن العمليات؟ كيف نرافق المؤسسة الصغيرة حتى تصبح مصدرا؟
هذه هي فلسفة الدولة التي تفكر في التصدير.

اما الدولة التي تبدأ دائما من السؤال كيف نمنع؟
فقد تجد نفسها بعد سنوات خبيرة في المنع وفقيرة في الصادرات.
جورجيا ليست الهند وليست الامارات وليست قوة صناعية عملاقة ومع ذلك تشير الارقام الواردة في المادة الى ان صادرات الخدمات الجورجية بلغت 7.0538 مليار دولار سنة 2023 منها 892 مليون دولار لخدمات الاتصالات والحاسوب والمعلومات بما يمثل 12.6 % من صادرات الخدمات.

مرة اخرى لا يتعلق الامر بضرورة تقليد جورجيا.
المسألة ابسط واكثر احراجا ،دولة صغيرة استطاعت ان تجعل الخدمات العابرة للحدود قطاعا قابلا للقياس داخل صادراتها.
والسؤال الذي يجب ان يطرح في تونس ليس فقط كم نصدر؟ بل هل نعرف اصلا كم نصدر من الخدمات الرقمية؟
كم يصدر المبرمجون؟كم يصدر المصممون؟كم تصدر شركات البرمجيات؟كم تصدر خدمات الهندسة والاستشارة؟
كم يدخل من هذه المداخيل الى النظام البنكي؟
وكم يبقى خارج الدورة الاقتصادية الرسمية؟

اذا لم نقس الظاهرة فلن نستطيع ادارتها واذا لم نديرها فسوف تظل الدولة ترى جزءا من الاقتصاد الرقمي وكأنه نشاط هامشي بينما هو في الحقيقة جزء من التجارة الدولية الجديدة.
في الاتجاه الاخر وضعت الامارات استراتيجية رسمية للاقتصاد الرقمي تستهدف رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي من 9.7 % سنة 2022 الى 19.4 % خلال 10 سنوات مع برامج ومبادرات محددة.
المهم هنا ليس الرقم الاماراتي في حد ذاته بل فكرة وجود هدف قابل للقياس.

الدولة التي تريد الاقتصاد الرقمي تقيسه والدولة التي تريد التصدير تحدد له اهدافا والدولة التي تريد الاستثمار تبني له منظومة والدولة التي تريد مكافحة غسل الاموال تستعمل البيانات ومعرفة العميل وتحليل المخاطر بدل ان تجعل الورق غاية في حد ذاته.
تونس لا تحتاج الى ان تصبح المغرب ولا جورجيا ولا الهند ولا الامارات. تونس تحتاج الى ان تتعلم من المنطق المشترك لهذه التجارب ثم تصنع نموذجا تونسيا يتناسب مع حجم اقتصادها وموقعها الجغرافي وبنيتها المالية والبشرية وعلاقاتها الاوروبية والافريقية.

من المغرب نتعلم ان التصدير يمكن ان يتحول الى سياسة دولة لها اهداف كمية ومن جورجيا نتعلم ان الخدمات يمكن ان تصبح صادرات قابلة للقياس ومن الهند نتعلم ان المعرفة يمكن ان تتحول الى صناعة تصديرية ضخمة ومن الامارات نتعلم اهمية وضع اهداف واضحة للاقتصاد الرقمي ثم نبني النموذج التونسي.

وهنا نصل الى اكثر نقاط الملف حساسية والتي يجب التعامل معها بدقة حتى لا يتحول النقاش الاقتصادي الى مزايدة سياسية.
قانون المالية لسنة 2026 يتضمن احكاما تتعلق بحسابات بالعملات وبشروط استعمالها كما ورد في المادة التي يقوم عليها هذا المقال لكن وجود النص القانوني لا يعني تلقائيا ان المواطن اصبح يعيش اثره في حياته اليومية وهنا يجب التفريق بين التشريع و التفعيل.

حتى اليوم 20 سبتمبر 2026 لا يظهر في المصادر الرسمية التي تم التثبت منها اعلان حكومي واضح يعلن اطلاق منظومة عملية شاملة تجعل هذا الاصلاح خدمة مصرفية متاحة بصورة واضحة ومعلنة لكل الفئات المستهدفة.
وفي المقابل لا يجوز القفز من غياب اعلان رسمي الى القول ان الحكومة لا تريد تفعيل هذا الاجراء لان مثل هذا الحكم يحتاج الى تصريح او وثيقة رسمية تثبته لكن هناك حقيقة سياسية واقتصادية لا تحتاج الى مبالغة.
هناك فرق بين ان يكون الاصلاح مكتوبا في القانون وان يكون الاصلاح قابلا للاستعمال فعليا.

المواطن لا يفتح حسابا في قانون المالية بل يفتحه في البنك.
ولا يقبض امواله في النصوص بل يقبضها في النظام البنكي.
ولا يصدر خدماته بمادة قانونية بل يصـدرها بعقد وفاتورة وتحويل مالي.
ولهذا فان نجاح الاصلاح لا يقاس بعدد الكلمات التي اضيفت الى قانون المالية بل بعدد المواطنين والمؤسسات الذين يستطيعون استعمال هذه القواعد فعليا وبصورة واضحة وقنونية.
اذا لم يتحول النص الى اجراء مفهوم ومناشير تطبيقية واضحة ومسار مصرفي معروف فلا يمكن اعتبار الاصلاح مكتمل الاثر.
الاصلاح الذي لا يصل الى المواطن ليس اصلاحا مكتمل الاثر وهذه ليست معارضة للنص بل مطالبة بتحويله من نص الى واقع.
الدولة تقول رقمنة.والادارة ما زالت تتحدث بلغة الطابع والختم و هنا يظهر تناقض اخر.

نقول Numérisation ثم نطلب وثيقة ثم وثيقة تثبت الوثيقة ثم امضاء ثم ختم ثم شهادة ثم تفسيرا ثم نرسل المواطن الى مؤسسة اخرى.
وفي الجهة المقابلة يستطيع عميل اجنبي ان يتعاقد رقميا مع مستقل تونسي ويرسل العقد الكترونيا ويتلقى الخدمة عن بعد، ويدفع مستحقاتها عبر منظومة مالية دولية.

السوق يتحرك بسرعة هائلة والادارة تتحرك احيانا بسرعة البريد القديم ثم نستغرب لماذا يبحث المواطن عن طرق اخرى.
المشكلة هنا ليست اخلاقية فقط. انها مشكلة حوافز اقتصادية.
اذا كان الطريق الرسمي اطول واكثر غموضا وكلفة من الطريق غير الرسمي فانت لا تحارب الاقتصاد الموازي بالوعظ بل انتجت له البيئة التي تسمح له بالنمو.

يجب ان تكون المعركة الفكرية والقانونية واضحة.
مكافحة غسل الاموال ليست المشكلة بل هي جزء من الحل لكن مكافحة غسل الاموال الحديثة تقوم على مقاربة قائمة على المخاطر.
من اين جاءت الاموال؟ما طبيعة النشاط؟ما حجم العملية؟
هل توجد فاتورة؟هل يوجد عقد؟هل يوجد عميل معروف؟
هل يتناسب حجم التدفقات مع النشاط المعلن؟
هل توجد عمليات غير عادية؟هل توجد شبكة تحويلات مشبوهة؟هنا يجب ان تتدخل الرقابة بقوة.

اما ان يعامل النظام المالي شاب يتلقى 1000 دولار مقابل عمل برمجي موثق بالطريقة نفسها التي يعامل بها نشاط مالي مجهول المصدر بمبالغ ضخمة وسلوك غير عادي، فهذه ليست رقابة دقيقة.
الرقابة الحديثة يجب ان تكون اكثر صرامة حيث توجد المخاطر، واكثر مرونة حيث تكون العمليات موثقة ومنخفضة المخاطر.
وهنا تستطيع التكنولوجيا ان تقدم حلا حقيقيا
بيانات مصرفية و معرفة رقمية بالعميل و مكافحة غسل الاموال و فوترة الكترونية و تعريف جبائي و وتحليل للمعاملات.
بدل ان نراقب الجميع بالطريقة نفسها علينا ان نعرف اين يوجد الخطر الحقيقي.

لنقلها بوضوح اذا احتاج المواطن الى طريق طويل حتى يعمل بصورة قانونية ثم وجد طريقا اخر اسهل خارج المنظومة فلا ينبغي ان نتفاجأ اذا اختار الطريق الاسهل.

اذا كان التصريح اكثر تعقيدا من عدم التصريح فقد صنعت الدولة حافزا للاقتصاد الموازي و اذا كانت المعاملة البنكية بطيئة بينما المنصة الاجنبية سريعة فان المواطن سيتعامل مع المنصة و اذا كان بعث النشاط يحتاج سلسلة من الاجراءات بينما تأسيس نشاط رقمي خارج البلاد يمكن ان يتم خلال وقت قصير فان الدولة تدرب شبابها على ما يمكن تسميته الهجرة المؤسسية وهذه قد تكون اخطر من الهجرة الجغرافية.
لان الشاب يمكن ان يبقى جسديا في تونس لكن شركته وحسابه ونشاطه وعلاقته المالية وقيمته الاقتصادية تصبح مرتبطة بالخارج وهنا تخسر تونس حتى عندما يبقى المواطن داخل حدودها.

يجب هنا ان نكون اكثر صرامة مع الارقام لان الفرق بين الاحصائية والسيناريو هو الفرق بين التحليل العلمي والدعاية.
لا توجد في المصادر الرسمية المتاحة احصائية تونسية شاملة تثبت ان لدينا بالضبط 50 الف مستقل يصدرون خدمات رقمية بمتوسط 1000 دولار شهريا لذلك لا يجوز تقديم هذا الرقم باعتباره واقعا تونسيا.
لكن يمكن استعماله كسيناريو حسابي لتوضيح حجم الفرصة.

اذا افترضنا وجود 50 الف مستقل بمتوسط مداخيل قدره 1000 دولار شهريا لكل واحد منهم فنحن نتحدث عن 50 مليون دولار شهريا اي 600 مليون دولار سنويا.
اذا دخل 20 % فقط من هذا المبلغ بصورة رسمية الى الاقتصاد فهذا يعادل حسابيا 120 مليون دولار.
واذا بلغ الادماج الرسمي 60 % يصبح الرقم 360 مليون دولار.
هذه ليست توقعات للبنك المركزي وليست دراسة رسمية وانما عملية حسابية افتراضية لتوضيح حجم الفرصة.
لكن حتى هذا السيناريو الافتراضي يكشف شيئا شديد الاهمية .
يمكن لتونس ان تزيد مواردها من العملة الصعبة عبر تصدير المعرفة والخدمات دون انتظار بناء مصنع ضخم جديد او اكتشاف حقل نفط جديد وهنا تحديدا توجد الثورة التي لم نستوعبها بعد.

العملة الصعبة يمكن ان تأتي من السياحة ومن التونسيين بالخارج ومن تصدير السلع والصناعات ولكنها يمكن ايضا ان تأتي من الخدمات والبرمجيات والاستشارات والتصميم والهندسة والمحتوى والخدمات المعلوماتية والذكاء الاصطناعي والبحث والتطوير والمنتجات الرقمية وهذا ليس تفصيلا.
انه تحول استراتيجي في طبيعة التجارة.
تصدير سلعة مادية يحتاج عادة الى سلسلة لوجستية ومخازن ونقل وموانئ وتأمين ووثائق.
اما تصدير المعرفة فيمكن ان يبدأ احيانا من حاسوب واتصال جيد بالانترنت ومهارة قابلة للبيع عالميا.

يمكن لشخص واحد ان يبيع ساعات من المعرفة الى العالم ويمكن لشركة صغيرة من 5 اشخاص ان تقدم خدمات لمؤسسة اوروبية ويمكن لفريق تونسي ان يطور منتجا رقميا يستعمله الاف العملاء في الخارج.
هنا تصبح المعرفة نفسها سلعة قابلة للتصدير.

الارقام الهندية الواردة في المادة يجب ان تقرأ باعتبارها مؤشرا على تحول التجارة العالمية لا باعتبارها مجرد نجاح هندي ففي 2023-2024 بلغت صادرات خدمات البرمجيات الهندية 190.7 مليار دولار وكان الجزء الاكبر منها مرتبطا بخدمات تقدم خارج موقع العميل وبالتوريد العابر للحدود.

المعنى اكبر من الرقم و المصنع لم يعد دائما مبنى والتصدير لم يعد دائما حاوية والعامل لم يعد دائما مهاجرا والشركة لم تعد دائما مرتبطة بجغرافيا واحدة.
يمكن ان يكون المصنع حاسوبا ويمكن ان يكون الميناء شبكة الانترنت ويمكن ان تكون البضاعة شيفرة برمجية ويمكن ان تكون السلعة استشارة هندسية ويمكن ان تكون العملة الصعبة فاتورة ويكون العامل موجودا في تونس والعميل في نيويورك.
اذا لم تفهم الدولة هذه المعادلة فستواصل بناء سياسات تناسب اقتصادا يتراجع امام اقتصاد جديد ولد بالفعل.

المشكلة اننا ما زلنا لا نتعامل مع هذا القطاع بالجدية الاحصائية التي يستحقها.
نحتاج الى منظومة مشتركة بين المعهد الوطني للاحصاء والبنك المركزي ووزارة المالية ووزارة تكنولوجيات الاتصال هدفها انتاج احصاء وطني واضح لصادرات الخدمات الرقمية.

نريد ان نعرف كم تصدر تونس من الخدمات المعلوماتية.
كم تصدر من خدمات الاستعانة بمصادر خارجية؟كم تصدر من الخدمات الهندسية.
كم تصدر من الاستشارات؟كم تصدر من التصميم؟
كم تصدر من خدمات الذكاء الاصطناعي؟كم تصدر من البرمجيات؟كم تصدر من المحتوى الرقمي؟
وكم من هذه المداخيل يدخل الى النظام المالي الرسمي؟

لان ما لا يقاس لا يمكن ان يصبح سياسة وما لا يصبح سياسة سيبقى فرصة ضائعة.

الحل لا يكون في مجرد تعديل مادة هنا او منشور هناك.
تونس تحتاج الى منظومة متكاملة يمكن ان تقوم على فكرة جواز رقمي للمصدر الصغير ليس جواز سفر بالمعنى الحرفي بل هوية اقتصادية رقمية واضحة للمستقل الذي يبيع خدماته الى الخارج.
يسجل مرة واحدة و يحدد نشاطه و يرتبط بمعرفه الجبائي.
يفتح حسابه المهني و يصدر فاتورته الكترونيا و يتلقى مستحقاته.
يدفع ما عليه من ضرائب(في إطار المعقول) ويستفيد من حماية اجتماعية واضحة وتراقب الدولة نشاطه رقميا وفقا لمستوى المخاطر.
عندها يعرف الشاب منذ اليوم الاول كيف يسجل؟كيف يصدر؟كيف يفوتر؟كيف يقبض؟كيف يدفع الضرائب؟كيف يستعمل العملة؟كيف يوظف شخصا اخر؟وكيف ينتقل من Freelance الى Start-up؟
هذه هي السلسلة التي تصنع الثروة.

حتى اذا اعتبرنا النص القانوني لسنة 2026 خطوة في الاتجاه الصحيح فهذا ليس نهاية الطريق.
المطلوب هو بناء منظومة متكاملة تشمل Compte d'exportation numérique للمصدر الرقمي وحسابا مهنيا واضحا وفوترة الكترونية وعقودا رقمية ومعرفا جبائيا مرتبطا بالنشاط ومعرفة رقمية بالعميل ومقاربة قائمة على المخاطر في مكافحة غسل الاموال وتصريحا رقميا وربطا رقميا بين البنك والجباية ومسارا واضحا لاستقبال عائدات التصدير وقواعد معروفة مسبقا لاستعمال العملة الصعبة.
عندها يصبح الاصلاح فعليا.

اما ان نكتب مادة قانونية ثم نترك المواطن يبحث عن كيفية تطبيقها بين البنك والادارة والمناشير فهذا نصف اصلاح.
والاقتصاد العالمي لا ينتظر نصف اصلاح.

سيقول البعض ان هذا الكلام يعني تحرير الصرف
ليس بالضرورة.
المطلوب ليس فتح الباب للفوضى ولا الغاء الرقابة ولا الغاء معرفة العميل ولا الغاء مكافحة غسل الاموال ولا تحويل تونس الى سوق للمضاربة.
المطلوب هو تحرير منظم ومدروس للصرف
تدفقات معروفة و حسابات موثقة و قواعد واضحة و حدود للمخاطر و تدقيق رقمي و رقابة قوية على العمليات المشبوهة و تبسيط للعمليات الصغيرة والمنخفضة المخاطر.
وتشديد حقيقي على العمليات غير العادية.

هذه هي الدولة الذكية يا سادة فليست الدولة التي تعامل الجميع كخطر بل الدولة التي تعرف اين يوجد الخطر.

و ما يحصل إذا تأخرت تونس ؟؟؟؟
نخسر العملة الصعبة لكن الخسارة لا تتوقف هنا.
نخسر وظائف و شركات ناشئة و ضرائب و بيانات عن الاقتصاد الحقيقي و فرص استثمار و الكفاءات.
نخسر القدرة على بناء قطاع تصديري للخدمات والاخطر من كل ذلك اننا نخسر الوقت.
الهند لا تنتظر تونس و المغرب لا ينتظر تونس و جورجيا لا تنتظر تونس و الامارات لا تنتظر تونس والسوق العالمية لا تنتظر احدا.
كل سنة تأخير تعني ان شركات اخرى تجد العملاء.
كل سنة بيروقراطية تعني ان شخصا اخر يبني منتجا.
كل سنة غموض تعني ان مستثمرا اخر يختار بلدا اخر.
وكل سنة بلا استراتيجية تعني ان جزءا من الكفاءات يتعلم كيف يعمل خارج النظام التونسي.

و اخطر نزيف هو ان نصدر عقولنا بدل خدماتنا
هناك شاب تونسي تعلم في الجامعة التونسية وانفقت الدولة على تعليمه وانفقت عائلته عليه ثم اكتسب خبرة ووجد شركة اجنبية يمكن ان يغادر ويمكن ايضا ان يبقى جسديا في تونس لكنه يجعل نشاطه الاقتصادي كله مرتبطا بالخارج
و في الحالتين توجد خسارة اقتصادية.

والحل ليس منع الشباب من الهجرة بل الحل هو اعطاؤهم سببا اقتصاديا للبقاء و ان تقول له الدولة ابق هنا و اعمل من هنا و بع للعالم و ادخل العملة و ادفع ضريبتك و وظف غيرك و ابن شركتك و كبرها ثم صدرها.
هذه هي السياسة التي تحتاجها تونس.
تونس تحتاج تصدير الخدمات دون تصدير اصحابها.

لا يمكن اصلاح الصرف وحده.
يجب ان يترافق مع مراجعة مجلة الشغل وتطوير النظام الجبائي للمستقلين وتسهيل بعث المؤسسات وتوفير حماية اجتماعية للمستقل وتحديث قانون الاستثمار وتطوير التكنولوجيا المالية وانشاء بنك تجريبي مالي يسمح باختبار حلول مالية جديدة في اطار رقابي ودعم الذكاء الاصطناعي وتطوير التكوين الجامعي والمهني وخلق وضع قانوني واضح للمستقل الذي يبيع خدماته الى الخارج.

نحتاج الى دولة تعرف ان المستقل يمكن ان يكون اليوم شخصا واحدا وغدا شركة صغيرة وبعد غد مؤسسة تصديرية تشغل عشرات الاشخاص.
الخطأ هو ان ننظر اليه في كل مراحل تطوره باعتباره مجرد ملف اداري فالمستقل الناجح يجب ان يصبح جزءا من سياسة الدولة التصديرية.
لا نريد ان نحارب الاقتصاد الموازي بالشرطة فقط
الاقتصاد الموازي ليس دائما نتيجة جشع المواطن بل يمكن ان يكون ايضا نتيجة تصميم سيئ للحوافز.
عندما تجعل الرسمي معقدا والموازي مرنا فانت تنتج الموازي وعندما تجعل الرسمي بطيئا والموازي سريعا، فانت تنتج الموازي وعندما تجعل الرسمي غامضا والموازي واضحا في تكلفته فانت تنتج الموازي.
لذلك لا يكون اصلاح الاقتصاد الموازي بالخطاب الاخلاقي وحده بل يكون بتغيير معادلة الربح والمخاطر.

اجعل الاقتصاد الرسمي اسهل واسرع واوضح واكثر حماية واجعل الرقابة الرقمية اقوى.
عندها يبدأ المواطن بالانتقال من الموازي الى الرسمي لان مصلحته الاقتصادية ستصبح في صالح القانون.
تونس لا ينقصها الشباب بل ينقصها الطريق
لدينا شاب يستطيع البرمجة وشاب يستطيع التصميم وشاب يستطيع العمل في الذكاء الاصطناعي ومهندس يستطيع تقديم خدمات هندسية وخريج لغات يستطيع العمل مع شركات عالمية ومحاسب يستطيع تقديم خدمات محاسبية وطبيب او مهندس او مستشار يستطيع بيع خبرته عن بعد.

لكن السؤال الحاسم هو هل لدينا الطريق القانوني والمالي والاداري السريع الذي يجعل هذا النشاط جزءا واضحا من الاقتصاد الوطني؟ هنا المشكلة وليس في قدرة الشباب.

الدولة لا يجب ان تراقب النجاح فقط بل ان تصنع شروطه
و الدولة الاقتصادية الحديثة لا ينبغي ان تكون مجرد شرطي صرف ولا موظف ختم ولا ادارة رفض.
يجب ان تكون في الوقت نفسه جهة تنظيم وميسر نشاط ومنتج بيانات ووسيطا لفتح الاسواق وداعما للمصدرين ومستثمرا في البنية التحتية الاقتصادية.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال