بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

هل ستبقى السدود في تونس قبورا مائية؟؟؟؟

2026-09-19 36 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
هل ستبقى السدود في تونس  قبورا مائية؟؟؟؟
السدود في تونس ليست مجرد منشآت مائية بل سيرة دولة كُتبت بالإسمنت ثم تُركت لتشيخ في العراء .
لأن الدولة التي لا تمسك الماء لا تمسك الزمن ولا المستقبل والأرقام هنا ليست زينة تقنية بل لائحة اتهام كاملة ضد عقل حكم فحوّل السد من منظومة علمية إلى أيقونة خطابية ومن سياسة مائية إلى سياسة انتظار المطر.
تونس تمتلك رسميًا سبعة وثلاثين سدًا كبيرًا تشرف عليها وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عبر الإدارة العامة للسدود والأشغال المائية الكبرى بطاقة نظرية معلنة تناهز 2.7 إلى 3 مليارات متر مكعب إضافة إلى أكثر من 230 سدًا جبليًا وحاجزًا مائيًا لكن القدرة الفعلية للتخزين أقل بكثير لأن الترسب الطيني وحده التهم في بعض السدود بين 20 و45 بالمائة من السعة الأصلية وفق تقديرات تقنية داخلية .
سد سيدي سالم أكبر خزانات البلاد بطاقة تصميمية تقارب 580 مليون متر مكعب فقد في بعض التقديرات أكثر من 150 مليون متر مكعب بسبب الطمي المتراكم منذ تشغيله في ثمانينات القرن الماضي.
سد سجنان وسد بوهرتمة وسد بربرة وسد نبهانة تعيش نفس النزيف الصامت لأن الدولة لم تطلق برنامجًا وطنيًا جديًا لإزالة الأوحال ولم تحمِ الأحواض العليا من الانجراف رغم أن كل متر مكعب طمي في الخزان هو متر ماء ضائع إلى الأبد.
ثم يأتي التبخر هذا العدو الذي لا يُذكر في الخطب في مناخ متوسطي شبه جاف يبلغ معدل التبخر السنوي في خزانات الشمال والوسط ما بين 900 و1400 مليمتر أي ما يعادل ضياع مئات ملايين الأمتار المكعبة سنويًا في الهواء.
دولة تفقد ما بين 10 و15 بالمائة من مخزونها السطحي سنويًا بالتبخر ثم تتحدث عن حملات ترشيد وكأن المشكلة في صنبور المواطن لا في خزان مكشوف بحجم مدينة.
الأخطر أن معظم السدود التونسية صُممت بين ستينات وثمانينات القرن الماضي على فرضيات مطرية لم تعد قائمة اليوم ، بُنيت على فترات عودة فيضانية من 20 إلى 50 سنة ومعاملات أمان لا تأخذ بعين الاعتبار تغير نمط الأمطار الذي أصبح أكثر تركّزًا وأقصر زمنًا .
ومع ذلك لم تُراجع مخططات التفريغ ولم تُحدّث قواعد التشغيل إلا جزئيًا لأن القرار المائي ما زال مركزيًا بطيئًا يخاف من الاعتراف بأن التصميم القديم لم يعد صالحًا. وعندما تُفتح بوابات التفريغ تُفتح غالبًا متأخرة فتتحول حماية السد إلى فيضان مصطنع يدمّر الزراعة والبنية التحتية أسفل الوادي كما حدث في أكثر من حوض دون مساءلة حقيقية.
إدارة المياه المخزنة نفسها تعاني انفصامًا مؤسسيًا فالشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه SONEDE تدير مياه الشرب وشبكات التوزيع بإجمالي إنتاج سنوي يقارب 500 إلى 600 مليون متر مكعب بينما القطاع الفلاحي يستهلك أكثر من 80 بالمائة من الموارد المائية المتاحة أي ما يفوق 3 مليارات متر مكعب سنويًا.
ومع ذلك يُدار الري عبر شبكات قديمة فاقدها في بعض المناطق يتجاوز 30 بالمائة بسبب التسرب والتبخر وسوء الجدولة لأن الدولة فضّلت توسيع المساحات المروية على حساب كفاءة الاستعمال فحوّلت السدود إلى خزانات تُفرغ بلا حساب في زراعات عالية الاستهلاك للماء في مناطق عطشى ثم تُحمّل السد مسؤولية العجز.
المفارقة الفاضحة أن تونس دولة تغرق شتاءً وتعطش صيفًا لأن السدود معزولة عن المدن ومعزولة عن الموائد الجوفية ومعزولة عن سياسة التهيئة الترابية .
لا توجد سلطة مائية سيادية موحدة تجمع التخزين والتوزيع والري والطاقة والبيئة بل وزارات وإدارات تتقاسم الماء كما تتقاسم الملفات كل واحدة تحرس اختصاصها بينما الماء يضيع بين الخزانات والقنوات والبحر.
وحين نقارن تونس بدول شبيهة تنكشف العزلة الذهنية. المغرب الذي يملك مناخًا متوسطيًا قريبًا وسكانًا أكثر استثمر في أكثر من 150 سدًا كبيرًا لكنه لم يتوقف عند البناء بل ربط الأحواض المائية وأطلق برامج لحماية المنابع والتهيئة الجبلية وخفّض الترسب وذهب بقوة إلى تحلية مياه البحر بطاقة تتجاوز مليار متر مكعب سنويًا وإلى إعادة استعمال المياه المعالجة في الري والصناعة .
إسبانيا التي تعاني جفافًا دوريًا أقسى من تونس أعادت استعمال أكثر من 80 بالمائة من مياهها المعالجة وفرضت تسعيرًا تصاعديًا حقيقيًا للماء وربطت السدود بنماذج رقمية متقدمة لإدارة المخاطر لأن الدولة هناك تعاملت مع الندرة كحقيقة استراتيجية لا كحادث موسمي.
أما في تونس فما زال الخطاب الرسمي يتحدث عن موسم مطير وآخر جاف وكأن الأمن المائي نشرة جوية لا سياسة دولة.
حتى الأردن الذي لا يملك سدودًا كبيرة ولا أمطارًا كافية بنى سياسته على تخفيض الفاقد وإعادة الاستعمال شبه الكامل للمياه المستعملة وربط كل قطرة بنظام مراقبة صارم لأن الندرة هناك لم تُترك للشعارات.
الحقيقة القاسية أن سياسة السدود في تونس بلغت سقفها الفيزيائي والعقلي لم يعد ممكنًا إنقاذ الأمن المائي بسد إضافي أو قرض جديد أو لجنة ظرفية .
الحل يبدأ بهدم عقل قديم وبناء عقل مائي جديد يعترف أن التخزين السطحي وحده انتحار بطيء وأن المستقبل في مزيج ذكي يشمل إزالة الأوحال من السدود الاستراتيجية وحماية الأحواض العليا بالتشجير والتهيئة الجبلية والتحول إلى التخزين الجوفي الاصطناعي لإعادة شحن الموائد المائية وتحلية مياه البحر للمناطق الساحلية لتخفيف الضغط عن السدود وإعادة استعمال المياه المعالجة بنسبة تقارب 100 بالمائة في الفلاحة والصناعة وربط كل ذلك بنظام رقمي وطني صارم لإدارة العرض والطلب في الزمن الحقيقي.
لا مستقبل للسدود دون ثورة في الخيارات الزراعية لأن الاستمرار في زراعات عالية الاستهلاك للماء في مناطق إجهاد مائي هو جريمة استراتيجية.
يجب الانتقال إلى زراعات ذكية مناخيًا وتعميم الري الموضعي الحقيقي لا الشكلي وفرض تسعير تصاعدي للماء الفلاحي يربط الدعم بالكفاءة لا بالمساحة لأن الماء مورد سيادي لا أداة إرضاء اجتماعي.
السد في النهاية ليس جدارًا إسمنتيًا بل امتحان أخلاقي للدولة إما دولة تحسب وتخطط وتحمي كل متر مكعب كأنه سيادة مؤجلة أو دولة تترك الطمي يأكل الخزان والتبخر يسرق الماء ثم تلقي خطابًا عن الصبر.
تونس اليوم أمام خيار مائي لا يحتمل البلاغة إما أن تتحول السدود من قبور مائية إلى أعمدة سيادة حقيقية تُدار بالعلم والأرقام والمساءلة أو تواصل كتابة تاريخ عطشها بنفس الحبر الذي كتبت به تاريخ أزماتها.
دولة تعرف الأرقام بدقة لكنها تخاف من الاعتراف بما تعنيه.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال