بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

كيف يتكون وعي الإنسان الفردي والجمعي ....

2026-06-12 48 قراءة مقالات رأي د. ضرغام عبد الله الدباغ
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
هذا سؤال كبير، تصعب الإجابة عليه، ولكن أستاذا فذا في الفلسفة (جامعة دمشق) هو طيب الذكر عليه الرحمة الدكتور نايف بلوز درسنا موضوعات فلسفية بالغة العمق، منها كيف يتكون وعي الإنسان. وباعتبار أن هذه مضى عليها نحو نصف قرن من الزمان، ليس بوسعي أن أتذكر بالضبط المحاضرات، ولكني سأسرد تجربتي الشخصية، وهي ليست بعيدة أبداً عن ما تلقيناه من دروس على مقاعد الدراسة الجامعية الأولية والعالية.

الإنسان اليقظ النبه المنتبه، هو من يراقب كل ما يدور حوله، ولا يكتفي بالظواهر السطحية، بل وتلك العميقة الغير ظاهرة، وبذلك يدرب حواسه على التقاط ما يتكرر، وما يبدو أساسيا في الظاهرة المتكررة، ربما تكون هذه اليقظة الذهنية تسمى بالفضول (كما يفعل الأطفال حين يكثرون الأسئلة لذويهم، لأبائهم خاصة)، أو الرغبة في المعرفة، وتخزين ما يحصل عليه من معارف، وبدرجة الانتباه، والقدرة على التخزين (كجهاز الكومبيوتر)، ثم القدرة على استعادة الخزين واستخدامه في تجاربه الابتدائية. وهنا تكمن أولى القدرات على التطور العقلي والذهني للإنسان.

الوعي يتكون عبر سلسلة من التشكلات، وهذه هي خلاصة التجربة الذاتية، والتجارب الجمعية، والتعلم من خلال القراءة والتثقيف الذاتي، والتعلم عن طريق المحاكاة والتقليد، ومن خلال التجربة والتعييث، وهذه بمحصلتها ستقوده إلى إدراكات، ومجموعة الإدراكات إلى وعي. والوعي بتقديري هو قدرة أي إنسان على تقدير عواقب أي فعل يقوم به هو أو غيره من الجمع المحيط به، وبمعرفة عميقة لقوانين التطور سيكون بوسعه التقدير بدرجة عالية من الدقة، وبتوظيف شامل متلازم للقدرات. فسيكون بوسعه مثلاً أن يقدر الوقت اللازم لغليان لتر واحد من الماء، وبدرجة حرارة معينة، بيد أن الغليان سيحتاج لوقت أقل لنصف لتر، وبدرجة حرارة ضعف تلك التي تعرض لها لتر الماء. وأن يصيغ من هذه التجربة قاعدة : أن أي زيادة في الكمية ستغير النوعية. وهذا سيوصلنا إلى قاعدة أن الإنسان المتعلم جيداً والعميق التجربة، ستقل أخطاؤه. والأكثر صلاحية في الممارسة العملية.

وعلى صعيد الفرد الواحد، فإن وعي الإنسان بموضوعة معينة، تعني إحاطته بآلياتها، وبدرجة وعيه، وباستحضاره واسترشاده بمغزى النظرية والتجربة سيكون بوسعه توظيف هذا الوعي. ولكن الشعوب تسعى إلى خلق وعي جمعي، وهذه ناجمة عن التجارب الجمعية، ومن الثروة المعرفية المتراكمة عبر العصور لدى كل شعب..

وفي مقدمة قواعد فهم التاريخ، ينبغي أن نتعلم أننا لا نستطيع تحليل أحداث قديمة بمقاييس معاصرة، والعكس صحيح. كما يحسن بنا أن نفهم العصر الحالي بمعادلات اليوم وقواعده وقوانينه، ولكل عصر قاموسه وحساباته. والدراسة الصحيحة التي لا تنطوي على تهريج أو مبالغات، أو معطيات غير مادية، سوف لن تؤدي دورها في تكريس الوعي الجمعي للشعب.

ومن هنا تحديداً أكدنا مراراً، أن يتصدى لتحليل الاحداث التاريخية وتقييمها، من درسوا التاريخ دراسة مادية علمية، ليتمكن من تقديم مادة ودروس تستحق أن تتعلمها الأجيال وتكرس كثقافة وتجارب جمعية.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال