بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

القفص الحديدي للبراكسيولوجيا التربوية : حين تُستوعب الممارسة النقدية داخل الجهاز المدرسي

2026-06-05 30 قراءة مقالات رأي سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تقديم:

يبدو أن البيداغوجيا المعاصرة لا تُعيد فقط صياغة أدواتها، بل تُعيد أيضًا إنتاج شروط رؤيتها لذاتها، في حركة تجعل من “التجديد” نفسه آلية لإعادة الاستقرار داخل النظام التربوي. فكل دعوة إلى تفعيل المتعلم أو تجاوز التقنوية لا تشتغل خارج الجهاز المدرسي، بل تُدمج داخله بوصفها وظيفة جديدة للضبط الناعم.

وهكذا لا يعود السؤال التربوي مرتبطًا فقط بكيفية التعليم، بل بكيفية إنتاج شروط تجعل هذا التعليم ممكنًا ومقبولًا ومقاسًا داخل منطق مؤسساتي محدد. ومن هنا، لا تُفهم البراكسيولوجيا كتحرير للفعل، بل كاختبار لمدى قدرة المنظومة على استيعاب الفعل ذاته داخل بنيتها دون أن تفقد توازنها الرمزي.

ويحيل مفهوم "القفص الحديدي" الوارد في عنوان هذا المقال إلى تحليل ماكس فيبر (Weber, 1905)، كما يتعمق فيه لاحقاً في أعماله حول البيروقراطية (Weber, 1922)، حيث تتحول الحداثة إلى مسار عقلنة شامل يجعل المؤسسات تعمل وفق منطق الحساب والنجاعة والإجراء. وفي هذا السياق، لا يُلغى الفعل الإنساني، بل يُعاد تنظيمه داخل شبكات من القواعد والمؤشرات والتقنيات التي تجعل الكفاءة الإجرائية تتقدم على المعنى والغاية.

1. البراكسيولوجيا كأثر داخل جهاز معرفي وليس كمفهوم مستقل:

ويقصد بالبراكسيولوجيا، في معناها العام، ذلك التصور الذي يربط الممارسة بالتفكير النقدي في شروطها، بحيث لا يُنظر إلى الفعل باعتباره تطبيقًا تقنيًا مجردًا، بل بوصفه ممارسة واعية بسياقاتها التاريخية والاجتماعية. وهي بهذا المعنى تتجاوز الفصل التقليدي بين النظرية والتطبيق، لتجعل من الفعل نفسه موضوعًا للتفكير والنقد والتحويل.

ينبع مفهوم البراكسيولوجيا من لحظة ماركسية عند كارل ماركس (Marx, 1867)، حيث لا يُفصل الفعل عن شروطه المادية والتاريخية. غير أن انتقاله إلى الحقل التربوي مع باولو فريري (Freire, 1970) لم يكن انتقالًا بريئًا، بل إعادة توزيع لوظائفه داخل جهاز معرفي جديد يعيد تشكيل المفهوم بدل استثماره في جذره النقدي.

ويؤكد مايكل آبل (Apple, 2004) أن المناهج ليست محايدة، بل تعكس علاقات القوة داخل المجتمع، فيما يوضح ستيفن بول (Ball, 2012) أن السياسات التعليمية أصبحت تُنتج داخل شبكات عالمية تربط الدولة بالمؤسسات الدولية والخبراء والأسواق.
وبذلك تتحول البراكسيولوجيا من نقد لوهم الوعي المنفصل إلى عنصر داخل هندسة تربوية تعيد تعريف الفعل بما يتناسب مع قابلية قياسه وضبطه.

2. الانفصال كشرط إنتاج لا كخلل في النظام:

الانفصال بين الممارسة وشروطها لا يظهر كخلل في النظام، بل كآلية إنتاج له. فالمؤسسة التربوية الحديثة لا تشتغل عبر دمج الفعل في شروطه، بل عبر تجزئة هذه الشروط إلى وحدات قابلة للإدارة.

بهذا المعنى، تصبح الممارسة قابلة للتدريس لأنها فقدت امتدادها التاريخي والاجتماعي، وتصبح قابلة للتقويم لأنها فقدت عمقها الإبستمولوجي. هنا يتقاطع التحليل مع ميشال فوكو (Foucault, 1975)، الذي يبيّن أن السلطة التأديبية لا تعمل عبر المنع, بل عبر إنتاج أنظمة معرفة تجعل الانفصال نفسه يبدو طبيعيًا وضروريًا.

كما يتقاطع مع تحليل ماكس فيبر للعقلنة الحديثة (Weber, 1922)، حيث تُختزل الأفعال المعقدة تدريجيًا إلى إجراءات معيارية قابلة للقياس والإدارة. فكلما ازدادت المؤسسة بحثًا عن النجاعة، ازدادت حاجتها إلى تحويل الخبرة الإنسانية إلى مؤشرات وتقارير وقواعد تشغيل، وهو ما يجعل القفص الحديدي منطقًا بنيويًا لا مجرد استعارة.

3. من البيداغوجيا كخطاب تحرر إلى البيداغوجيا كإدارة للفعل:

تُظهر المقاربات النقدية أن الدعوات إلى تجاوز التقنوية لا تبقى خارج النظام التربوي، بل تُعاد صياغتها داخله بوصفها جزءًا من آليات ضبط أكثر مرونة ونعومة.

في هذا السياق، يوضح بيير بورديو (Bourdieu, 1979) أن الرمزية ليست انعكاسًا للواقع، بل جزء من إنتاجه داخل الحقول الاجتماعية، حيث تُخفى علاقات الهيمنة داخل أشكال تبدو طبيعية.

وتقدم بعض الإصلاحات التربوية أمثلة دالة على هذه الديناميكية: فالمقاربة بالكفايات، التي ظهرت بوصفها تجاوزًا للتلقين، تحولت في كثير من السياقات إلى شبكات مؤشرات وتقييمات معيارية. كما أن التقييم المرحلي و ما يتبعه من ملفات المتابعة، التي يفترض أنها أدوات لتعزيز استقلالية المتعلم، أصبحت في حالات عديدة أدوات إدارية للضبط والمتابعة (Biesta, 2015).

وفي السياق نفسه، يحذر غيرت بييستا (Biesta, 2015) من اختزال التعليم في ما يمكن قياسه فقط، لأن ذلك يؤدي إلى فقدان أبعاده الأخلاقية والسياسية والتكوينية.
كما يبيّن نيل سلوين (Selwyn, 2016) أن التكنولوجيا التعليمية ليست محايدة، بل تعيد إنتاج البنى الاجتماعية والسياسية نفسها.

4. التكوين التربوي وإنتاج الفاعل المنفصل:

لا يشتغل التكوين التربوي فقط على نقل المهارات، بل على إنتاج فاعل قادر على ممارسة الفعل داخل شروط مقطوعة عن تاريخها.
فالمعلم لا يُطلب منه فقط أن يُدرّس، بل أن يُدرّس داخل نموذج جاهز للفعل يُقصي التفكير في الشروط باعتباره عنصرًا ثانويًا.

ويكشف إيفان إيليتش (Illich, 1971) أن المدرسة الحديثة لا تحتكر المعرفة فقط، بل تحتكر أيضًا تعريف ما يُعتبر معرفة قابلة للتدريس، مما يجعل الانفصال بين الفعل وشروطه شرطًا بنيويًا لاستمرارها.

5. البراكسيولوجيا في سياق العولمة النيوليبرالية:

لا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن السياق العالمي الذي أعاد تشكيل السياسات التعليمية خلال العقود الأخيرة.
فمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD, 2019)، والبنك الدولي (World Bank, 2018)، يربطان جودة التعليم بالمهارات القابلة للقياس وسوق العمل.

وفي هذا الإطار، يوضح مايكل آبل (Apple, 2004) أن التعليم أصبح ساحة صراع أيديولوجي، بينما يبيّن ستيفن بول (Ball, 2012) أن السياسات التعليمية تُدار عبر شبكات عابرة للدول.

6. من القفص البيروقراطي إلى القفص الخوارزمي:

إذا كان القفص الحديدي عند ماكس فيبر (Weber, 1905) قد ارتبط بالبيروقراطية والعقلنة، فإن التحول الرقمي يعيد تشكيله في صورة قفص خوارزمي.

يشير بن ويليامسون (Williamson, 2017) إلى أن البيانات الضخمة لا تقيس التعلم فقط، بل تعيد تشكيله وفق ما يمكن تحويله إلى بيانات.

كما يبيّن نيل سلوين (Selwyn, 2016) أن التكنولوجيا التعليمية تدمج المراقبة داخل الحياة اليومية بشكل غير مرئي.
وهنا يصبح التعلم ذاته موضوعًا لإعادة البرمجة عبر الخوارزميات.

خاتمة:

يتضح أن البراكسيولوجيا، في أصلها النقدي عند ماركس (Marx, 1867) وفريري (Freire, 1970)، لم تنشأ لفصل الفعل عن شروطه، بل لإعادة ربطه بسياقه التاريخي والاجتماعي. غير أن انتقالها إلى المجال التربوي جعلها عرضة لإعادة التوظيف داخل منطق مؤسسي يسعى إلى التنظيم أكثر من التحرير.

ومع ذلك، فإن تحليل فوكو (Foucault, 1975) وبورديو (Bourdieu, 1979) وإيليتش (Illich, 1971) يبيّن أن المؤسسات ليست مغلقة بالكامل، بل تتخللها دائمًا إمكانيات للتوتر وإعادة التشكيل. كما أن النقد المعاصر عند بييستا (Biesta, 2015) وسلوين (Selwyn, 2016) وويليامسون (Williamson, 2017) يوضح أن السلطة التربوية اليوم لم تعد بيروقراطية فقط، بل خوارزمية أيضًا.

ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: هل يمكن تحرير التعليم؟ بل: كيف يُعاد إنتاج القفص الحديدي داخل كل محاولة للتحرير نفسها؟

فهل يمكن التفكير في ممارسة لا تُعاد ترجمتها داخل جهازها المؤسسي؟ وهل الانفصال بين الفعل وشروطه خلل يمكن تجاوزه، أم أنه شرط بنيوي لاستمرار النظام ذاته؟ وهل يتحول القفص الحديدي اليوم من شكل بيروقراطي إلى شكل خوارزمي أكثر نعومة وتعقيدًا كلما حاولنا مغادرته؟

المراجع:

1. Marx, Karl (1867). Le Capital.

2. Weber, Max (1905). L’thique protestante et l’esprit du capitalisme.

3. Weber, Max (1922). conomie et société.

4. Freire, Paulo (1970). Pédagogie des opprimés.

5. Illich, Ivan (1971). Une société sans école.

6. Foucault, Michel (1975). Surveiller et punir.

7. Bourdieu, Pierre (1979). La distinction.

8. Apple, Michael W. (2004). Ideology and Curriculum.

9. Ball, Stephen J. (2012). Global Education Inc.

10. Biesta, Gert (2015). Good Education in an Age of Measurement.

11. Selwyn, Neil (2016). Education and Technology.

12. Williamson, Ben (2017). Big Data in Education.

13. OECD (2019). Future of Education and Skills 2030.

14. World Bank (2018). World Development Report 2018.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال